الخميس 13 يونيو 2024
فن وثقافة

أبي الجعد بين القرنين 16 و21.. موضوع أطروحة دكتوراه

 
 
أبي الجعد بين القرنين 16 و21.. موضوع أطروحة دكتوراه الطالبة حصلت على الدكتوراه بميزة مشرف جدا مع التوصية بالنشر
نظمت كلية الآداب والعلوم الإنسانية، يوم السبت 18 مارس 2023، مناقشة أطروحة دكتوراه أعدتها الباحثة بوشراء عقاوي في موضوع : "أبو الجعد: التاريخ والمجتمع ما بين القرنين 16 و21م".
وقد ناقشت هذه الأطروحة لجنة علمية تتكون من الأساتذة:
- الأستاذ محمد العاملي.......رئيسا
- الأستاذة سعاد بلحسين....... مشرفة
- الأستاذ لحسن بودرقة...... عضوا
- الأستاذ محمد بويقران.... عضوا ومقررا
- الأستاذ إبراهيم إمونن ...... عضوا
وفي تقرير الباحثة، وبعد شكر الأساتذة أعضاء اللجنة العلمية، أشارت إلى أن هذا الموضوع ارتبط أيّمَا ارتباط بتاريخ المدينة الاجتماعي والروحي، تاريخ مَدَّ جسور التواصل والارتباط بأزمنة ولّتْ وانقضت، لكن عِبْقَهَا ما يزال قابعا في دهاليز الذاكرة الجماعية، وأروقة المخيال الشعبي، يطفو على السطح متجليا تارة، ومختفياً تارة أخرى، تراث فتح نَوافِذَ وشَرَّعَ أبوابا، عبر مساحات شاسعة خَلّدها إنتاج علمي زاخر، وحوتها طقوس وممارسات مستمرة باستمرار متعاطيها، ومتوارثة عن رجالات سَخَّروا حياتهم لخدمة البلاد والعباد، وحباهم الله بكرامات حَبَّبَتْ فيهم العباد، حتى لُقِّبُوا بالعُبَّادِ والزُّهَّادِ.
وأضافت أن القطر التادلي عرف أكثر من غيره، كَوْنِه قطبا للتصوف، ومركزا مُحتضِناً للأولياء والزوايا، حتى بات قبلة للمريدين والصلحاء، ومقصداً للمتصوفة والفقهاء، والعلم والعلماء، لدرجة أن العبدوني قال في اليتيمة: "إن أكثَرَ بِلادِ اللهِ أوْليَّاءً تادلة في الغَالب. وأنّ الأوْلياءَ يَفرُّونَ إليهَا مِنْ أَوطَانِهِمْ، كَما تَفِرُّ الإبِلُ لِبَلَدِ الرَّعْيِ، لِمَا يَجِدُون فِيهَا لأنفُسِهم مِنَ الرَّاحَة". ومن بين مراكز التصوف والصلاح بتادلا، والمعروفة وطنيا وجهويا بأوليائها، المدينة الروحية والروحانية، مدينة أبي الجعد، التي لُقِّبَتِ بمدينة العلماء والأولياء، لاحتضانها لما يربو عن الأربعين مقاما من مقامات صلحائها، موزعة على كافة دروب المدينة وأزقتها. قاسموا الساكنة أفراحها وأتراحها، وشاركوها مختلف جوانب حياتها السياسية والاجتماعية والعلمية، مُخَلِّفِين قِصَصاً وحِكايات، وبركات وكرامات، جعلت المستحيل ممكنا، والعجيب مألوفا، والخرافة واقعا، حسب المتخيل الشعبي، إذ لا ينظر المتفحص لمجال أبي الجعد، إلا ويجد أن ساكنتها مرتبطةً بشكل روحي بهؤلاء الأولياء والصلحاء، يقصدونها في السراء والضراء، ويطلبون منهم العون والسند في عصيب الأوقات، وفي الأفراح والمسرات.
واستطردت الباحثة قائلة بأنها حاولت تكوين صورة واضحة وشاملة عن مدينة أبي الجعد وزاويتها، من الناحية التاريخية والاجتماعية، بين القرنين 16 و21م، بالسفر بين أروقة تراثها الفكري والروحي، لرصد مسلسل تطور مجال أبي الجعد من مركز للزاوية إلى مدينة ممتدة عامرة، والوقوف على سمات التحول ومظاهر الثبات في أدوار ووظائف الزاوية، ومدى تأثير صلحائها على عمارة وعمران المدينة، وعلى ذهنية الساكنة، وما نتج عنه من عادات وتقاليد ومعتقدات.
أما الدواعي الموضوعية لاختيار موضوع هذه الأطروحة يعود للانتماء العلمي لمختبر البحث في التاريخ والتراث الجهوي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، والذي تكونت به أجيال من الطلبة ولسنوات على يد أساتذة كبار، حملوا على عاتقهم هم البحث والتنقيب في هذه الجهة بكل تلويناتها، خاصة تلك التي لم تنل حظها من الدراسة، بغية التعريف بها وبتراثها الغني وثقافتها المتنوعة.
إضافة إلى الانتماء لمركز معابر للدراسات في التاريخ والتراث والثقافة والتنمية بجهة بني ملال خنيفرة، الذي يسعى إلى التعريف بالتراث الجهوي، ووَضْعِهِ في المكانة التي يَسْتَحِقّها. وعليه، وبفضل توجيهات الأستاذة سعاد بلحسين المشرفة على هذه الأطروحة، التي طالما وجهت الباحثين الطلبة لتركيز اهتمامهم نحو المواضيع العلمية المسكوت عنها، والتي تهم تراث وتاريخ هذه الجهة.
وقد عالجت هذه الأطروحة إشكالية مدى تأثير الزاوية الشرقاوية في تاريخ ومجتمع مدينة أبي الجعد، وطبيعة السياقات التي تحولت فيها من مجرد زاوية إلى نواة إحدى أهم المدن التادلية، بتتبع جذورها التاريخية وامتداداتها الفكرية والروحية في الزمان والمكان، وصولا إلى الوقت الراهن، ورصد أدوارها ووظائفها ومدى تأثيرها على المتخيل البجعدي.
وفي ذات السياق فقد أشارت الباحثة إلى أنها عمدت النبش، قدر المستطاع، في المصادر التاريخية المكتوبة، التي تناولت الزاوية الشرقاوية وأولياءها وصلحاءها ومدينتها أبي الجعد، استنطقتها، وحاولت تحليلها واستخراج ما يفيد منها من معطيات وبيانات، كما اتخذت من البحث في ثنايا الأرشيفات سواء المخزنية أو الخاصة، وسيلة لتحقيق وتحصيل أكبر قدر ممكن من المعلومات، التي من شأنها خدمة التوجه العام للموضوع معتمدة في عملها على أزيد من 200 مصدر ومرجع. وموازاة مع ذلك، عملت على البحث في الانتاج الفكري والعلمي للزاوية الشرقاوية، وفي خزاناتها التراثية الزاخرة ببعض تفاصيل التاريخ الاجتماعي والثقافي للزاوية وصلحائها وروادها، وللمدينة وساكنتها ومحيطها، فكانت حصيلة هذا الانكباب والاعتكاف الحصول على مجموعة من المخطوطات المحلية، والمصادر التاريخية، والوثائق الخاصة بالزاوية والتي تفوق 100 وثيقة تنوعت مواضيعها، واختلفت مصادرها، وحوت معلومات هامة عن الزاوية وشيوخها، وحول العلاقات التي نسجتها، إنْ مع القبائل والمجموعات البشرية الوافدة عليها، أو مع المخزن العلوي وخدامه وممثليه، وعن مدينة أبي الجعد وتأثيرها في المجال.
هذا بالإضافة إلى التحري الميداني حيث تم اقتحام المجال، مستعينة بتقنيات الاستجواب والتسجيلات، إيمانا منها بأهمية الرواية الشفوية والتحريات الميدانية، كمصدر من المصادر المعتمدة في هذا البحث.
وقد خلصت الباحثة إلى مجموعة من الاستنتاجات من بين أهمها:
- هناك علاقة جدلية بين الزاوية والمدينة، حيث أن ظهور الأولى كان سببا في تواجد الثانية، كما أن تأسيس الزاوية وإعمار المدينة تم فوق مجال صعب متضرس، وبفضل مؤسسها وأبنائه وحفدته من بعده، تم تطويعه لفائدة الساكنة بالاستعانة بكراماتهم وبركاتهم، وبالتالي التأسيس لمركز حضري، أضحى بفضل زاويته مدينة الأولياء والصلحاء نظرا للكم الهائل من الأضرحة والمزارات التي تحتضنها دروبها.
- يعد التراث الفكري للزاوية الشرقاوية، شاهدا حيا على ماضي المدينة والزاوية، وما قام به شيوخها من أدوار، وما مرت به المدينة من مراحل، وما عاشته منطقة تادلا من أحداث.
- إن الزاوية الشرقاوية لم تكن منعزلة بصلحائها وأتباعهم عن محيطها ومجالها، بل كانت مرتبطة بمجتمعها، حاضرة في كل مناحي الحياة بأفراحها وأتراحها، مؤدية وظائف وخدمات في مختلف الظروف والسياقات التاريخية.
- بفضل أضرحة صلحاء أبي الجعد انتعشت الزاوية وكثر مريدوها ومرتادوها، ومعها انتعشت المدينة اقتصاديا وتوسعت عمرانيا، وتعددت ساكنتها وتعايشت فيما بينها، رغم اختلاف إثنياتها من عرب وأمازيع ويهود.
- رغم مرور السنين والأعوام على وفاة صلحاء الزاوية، لا زال تأثيرهم الروحي والرمزي مستمرا، تلتجئ الساكنة لأضرحتهم معتقدة أن لها مفعولا قويا، قادر على قضاء مجموعة من الأغراض والحاجات وجلب الشفاء للمرضى.
- أضحت مدينة أبي الجعد، بفضل أضرحة صلحائها وقباب أوليائها ودروبها وأزقتها، من أهم المدن الروحية والتراثية بالجهة، رغم محاولات المستعمر طمس هذه المعالم والتأثير عليها، بإحداث مدينة جديدة ذات نمط عصري، وتقزيم دور شيوخها ليقتصر على الجانب الديني فقط.
أولى المخزن الزاوية أهمية خاصة، عن طريق تقديم هبات سنوية، وتجنيد مؤسساته للحفاظ على عمارة مدينتها، بترميم أقواسها وأضرحة صلحائها حفاظا على هويتها وذاكرتها.
وختمت الباحثة تقريرها بالإشارة إلى أن هذا العمل لا زال يكتنفه الغموض، ولا زالت بعض النقاط التي تتطلب المزيد من البحث والتنقيب والدراسة خاصة في ما يتعلق بسبل إحياء الزاوية وتنمية مدينة أبي الجعد.
وفي كلمة الاستاذة الدكتورة سعاد بلحسين أثنت على الباحثة وعددت خصالها وأخلاقها، وتفوقها ، و حضورها الدائم في جميع اللقاءات والندوات التي تُعقد داخل الجامعة وخارجها، مؤكدة على أن الاهتمام بالتراث، قد حقق الأمل المنشود، وساهم في دعم البحث في التاريخ الجهوي لمنطقة تادلا، وساهم في إبراز تراث الزاوية الشرقاوية الذي امتاز بذكر الأولياء والصلحاء والعلماء، والفقهاء والمتصوفة... والعادات والتقاليد والطقوس...
وفي كلمة الاستاذ محمد العاملي فقد أبرز أهمية هاته الأطاريح التي تأتي لسد الثغرات التي تعتري التاريخ الجهوي، وبالتالي المساهمة في إغناء الخزانة الجهوية والوطنية. وفي ذات السياق وجه شكره إلى والي الجهة وعمال أقاليم الجهة ورجال السلطة على دعمهم للبحث العلمي ومساعدة الطلبة والباحثين.
وفي كلمة الأستاذ لحسن بودرقة ركز على أهمية التراث الروحي بجهة بني ملال خنيفرة وأهمية البحث فيه، مطالبا بتوجيه البحث العلمي في هذا الاتجاه.
وبعد مداخلتي الأستاذ محمد بويقران والأستاذ إمونن اللذان أشادا بأخلاق الباحثة وأهمية الخوض في مثل هكذا مواضيع، التي تعتبر من المواضيع التي يصعب اقتحامهما نظرا لصعوبة البحث فيها، باعتبارها تدخل في إطار المسكوت عنه/ الطابو. وبعد ذلك وجها مجموعة من الملاحظات والتصويبات بغية تقويم العمل وتجويده وبالتالي إخراجه في حلة تليق بمقام الزاوية والمدينة والساكنة...
وفي الختام اختلت اللجنة بنفسها، حيث منحت الطالبة الباحثة درجة دكتوراه بميزة مشرف جدا مع التوصية بالنشر.