السبت 20 إبريل 2024
فن وثقافة

فن العيطة الحوزية يتعرض للإنقراض وإنقاذها يتطلب تدخلا من وزارة الثقافة (4)

فن العيطة الحوزية يتعرض للإنقراض وإنقاذها يتطلب تدخلا من وزارة الثقافة (4) الزميل أحمد فردوس والفنان حجيب

تستمر رحلة جريدة "أنفاس بريس" التراثية والفنية بعد الحلقتين السابقتين اللتين تناولنا فيهما علاقة ـ الطفل ـ حجيب فرحان بمجال منطقة الحوز عامة والرحامنة خاصة، أيام كان في صغره رفقة عائلته ذات الأصول الصحراوية، مداوما على الإقبال بفرح كبير لقضاء عطله الدراسية بالعالم القروي.

السفر الجميل والممتع من الرباط إلى الرحامنة، بالنسبة للطفل حجيب سواء في فصل الربيع الذي كان يرسم الجمال والبهاء على أراضي الحقول والمروج والبساتين ويحولها إلى زرابي تبهر الزائر بمختلف ألوانها الطبيعية، تحت أشعة الشمس الدافئة، لتستقبل "لَمَّةْ" الأهل والأحباب، أو خلال موسم فصل الصيف الذي كان يستنفر خلايا الأعمال الفلاحية وجمع المحاصيل الزراعية بـ "الْـﯕَاعَةْ"... أو أثناء المناسبات العائلية. فضلا عن لحظات إحياء المواسم الدينية والتراثية الفرجوية، كان الهدف ـ من السفر ـ إشباع رغبته الجامحة وإرواء ظمئه من ينبوع دروس الحياة التي كان يتلقاها بشكل طبيعي من مؤسسة تراث وفنون المحيط البدوي بتقاليده وعاداته وطقوسه، حيث كان حجيب يتتبع ذلك الأثر التاريخي والجغرافي العميق في علاقة حميمية مع المجال والإنسان والتي مازالت راسخة في ذهنه من خلال الكثير من المشاهد والصور التي يحكي تفاصيلها بألق .

لقد تعرفنا في الحلقة الثالثة على كيف استطاع الشيخ حجيب أن يستثمر كل هذه الكنوز في مشواره الفني، ويحوله إلى موضوعات للحكي في جلساته مع ثلة من الباحثين والدارسين والمهتمين بالثقافة والفن الشعبي.. وكيف أستطاع الشيخ حجيب أن "يُفرِّق" ويأخذ مسافة محترمة بين البحث الأكاديمي الشّاق والمتعب في مجال الموسيقى التقليدية المغربية والذي له رجالاته، ويميز بينه وبين البحث الميداني الذي يتطلب التضحية والصّبر والمكابدة والمعاناة، على اعتبار أن هذا النوع من البحث الذي صقل مسار الروّاد من "شِيخَاتْ وَشْيُوخْ" تراث فن العيطة الذين قدموا الشيء الكثير للأبحاث والدراسات الأكاديمية ذات الصلة بتاريخه وسياقاته ونصوصه وأنماطه وآلاته وإيقاعاته؟

في الحلقة الرابعة من سلسلة جريدة "أنفاس بريس" حول مسار الفنان الشيخ حجيب فرحان، تناولنا مع ضيفنا سؤال أسباب ظاهرة انقراض نمط العيطة الحوزية، على اعتبار أن هناك من المهتمين من "يرى أن العيطة الحوزية كنمط غنائي وموسيقي تتعرض للإنقراض بحجة غياب الخلف من الشباب الشغوف بالموسيقى التقليدية المنتسب لمنطقة الحوز"، حيث  يعتبرون أنه "ليس هناك اهتمام وتوجيه في هذا الجانب من طرف الجهات الوصية لرد الاعتبار لفن العيطة الحوزية الغنية بالرسائل والوقائع والاحداث التاريخية". فكيف عالج الشيخ حجيب هذه الظاهرة المقلقة في زمن الحديث عن تحصين التراث والفن الموسيقي والغنائي الشعبي؟

أكد الشيخ حجيب فرحان بقوله: "طبعا الحديث عن العيطة الحوزية هو حديث شيق وجميل، خصوصا حين نعالج نصوصها القوية داخل المختبر الفني في سياقها التاريخي والاجتماعي بمنطقة الحوز عامة ومجال الرحامنة خاصة، فهي عيطة توثق لأحداث و وقائع تاريخية عاشها المجتمع المغربي وتناقلها شيوخ العيطة الحوزية بطريقتهم الخاصة في علاقة بالمجال والإنسان".

واعتبر أن العيطة الحوزية تعاني من مشكلتين أساسيتين، وبلغة فن العيطة أدرج المشكل الأول في باب "أنها عيطة مسمومة" بمعنى أنها "صعبة الحفظ، وليس من السهل على أي كان أن يحفظ قصائدها ومتونها الشعرية". أما المشكل الثاني فاعتبره مرتبط بـ "الَّلكْنَةْ" أي طريقة أداء الغناء أو ما يطلق عليه بـ "النَّدْهَةْ" بلغة "الْبَّارْدِيَةْ مْوَالِينْ الْخَيْلْ". حيث أكد على أنه "لا يمكن لأي كان أن يؤدي العيطة الحوزية باستثناء أهل المنطقة".

واستدل ضيف الجريدة على مرافعته عن رواد العيطة الحوزية الصعبة المنال بقوله: "مثلا بمنطقة الرحامنة نجد أن شيوخها يؤدون بإتقان فنون الحوز والعيطة الحوزية، وكذلك يؤدون العيطة العبدية الحصباوية، ويجيدون أيضا أداء العيطة البيضاوية". في حين أن شيوخ مجال الدار البيضاء "يؤدون بإتقان العيطة البيضاوية ولكنهم لا يؤدون جميع العيوط العبدية، أما بخصوص العيوط الحوزية والرحمانية فلا يؤدونها". 

وأوضح في هذا الشأن بأن شيوخ مدينة أسفي "يؤدون بعض العيوط البيضاوية، لكن بحكم الجوار والقرب من المجال الرحماني والحوزي تجدهم دائما يختمون أغاني العيطة الحصباوية (الْقُفْلْ) بسُوسَةْ حوزية أو رحمانية". وشدد الشيخ حجيب على أن "كل عيوط عبدة وأسفي (العيطة الحصباوية) تتميز بقُفْل وسُوسَةْ حوزية أو رحمانية"، وهذا بسبب الصلة الجغرافية والتفاعل بين المجال والإنسان تاريخيا.

لهذه الاعتبارات يرى الشيخ حجيب بأن عيوط الحوز والرحامنة هي من "تخصص أهل المنطقة بدون منازع"، بحكم أن شيوخها يتميزون بلكنتهم الخاصة، وندهتهم الحادة، التي تتطلب قوة الصوت  والنفس الطويل"، لذلك يصف أهل هذا النمط الغنائي (السهل الممتنع) بكون صعوبته ترتبط بالمد الصوتي الحاد أثناء "الندهة" العميقة الصياح والنداء أثناء الغناء.

وعن الطابع المتميز والاستثنائي لأصوات شيخات وشيوخ فن العيطة الحوزية و الرحامنة أوضح نفس المتحدث بأن الصوت الحوزي والرحماني هو: "هبة ربانية، منحها الله لهؤلاء الشيوخ وتدربوا عليها وأتقنوا استعمالها بعلاقة مع مَوْطِن تربتهم وخصوصية المجال، رغم أن المنطقة جافة (نَاشْفَةْ) فقد تميزت أصوات شيخاتها وشيوخها بنبرة مغايرة لكل الأصوات المعروفة في الغناء الشعبي عموما".  وانطلاقا مما سبق ذكره يقول ضيف الجريدة: "لا يقترب الشيوخ من نمط فن العيطة الحوزية عامة، نظرا لصعوبتها في الحفظ، وصعوبة طريقة الأداء، دون الحديث عن تفاصيل أخرى تتميز بها العيطة الحوزية والرحمانية".

في سياق انحصار فن العيطة الحوزية على مجالها الجغرافي، ومقارنة بين العيطة العبدية والعيطة البيضاوية أوضح الفنان الشيخ حجيب بأن: "العيطة العبدية تؤدى بطريقة بَلْدِيَّةْ رعوية، وبِنَدْهَةْ خاصة، عكس العيطة البيضاوية التي تفوح منها رائحة العصرنة والتمدن، وتشتم منها رائحة الكلاسيكية الفنية".

وأرجع محدثنا هذا التحول في العيطة البيضاوية لـ : "دخول الأندلسيين و (الَمْلَاحْنِيَةْ) فن الملحون إلى مدينة الدار البيضاء"، على اعتبار أنهم  أدخلوا على الفن البيضاوي بطريقة أو أخرى ـ حسب قوله ـ : "تغييرات على مستوى الميزان والطبوع والإيقاع.. (لَمْسَاوْيَةْ) و (التَّطْوَاعْ) و (التَّزْوَاقْ)، حيث أخذ شيوخ العيطة البيضاوية من تلك الأنواع والأصناف والأنماط (فن العيطة والملحون والأندلسي ..)".

وتأسف الشيخ حجيب على "قلة البحث والتحليل والتفكيك على مستوى العيطة الحوزية، التي لم نتمكن من حيازة كل ما يحيط بها من معلومات دقيقة ذات الصلة بهذا النمط التراثي"، واستطرد قائلا: "أعرف أن هناك باحثين مختصين في ميدان العيطة الحوزية، لا ينقصهم إلا التحفيز والتشجيع لسبر أغوار تراثنا وتحصينه ضد كل أشكال الإندثار والإنقراض". ولن يتأتى ذلك ـ حسب حجيب ـ إلا إذا "تفاعلت الوزارة الوصية على حقل الثقافة الشعبية وفنونها وأنماطها العيطية والغنائية مع نداءات المهتمين والإعلاميين لتوثيق العيطة الحوزية بأقلام المختصين من كتاب وباحثين ودارسين وأهل الميدان من شيخات وشيوخ قبل أن تسرق الموت ما تبقى منهم على قلتهم".