الجمعة 23 فبراير 2024
كتاب الرأي

صافي الدين البدالي: عندما  تم القبض علينا  ليلة 23 يناير 1984.. وللقصة بقية !!؟

صافي الدين البدالي: عندما  تم القبض علينا  ليلة 23 يناير 1984.. وللقصة بقية !!؟ صافي الدين البدالي
مساء هذا اليوم 23 يناير 1984 قضيته مع الإخوان  في إحدى المقاهي بالمدينة، منهم من هو معي في الحزب (الاتحاد الاشتراكي اللجنة الإدارية) ومنهم من هو متعاطف وأصدقاء آخرون .وكان نقاشنا منصبا على أحداث انتفاضة 1984 بالمغرب؛ والمعروفة  بانتفاضة الخبز وانتفاضة الجوع أوانتفاضة التلاميذ والطلبة، هي حركات احتجاجية اندلعت في 19 يناير 1984 في مجموعة من المدن المغربية، وبلغت ذروتها في مدن الحسيمة والناظور وتطوان والقصر الكبير ومراكش. اندلعت  الأحداث في البداية عبر مظاهرات تلاميذية وطلابية، قبل أن تنخرط فيها شرائح اجتماعية أخرى من شباب ومثقفين ونشطاء سياسيين. واستحضرنا خطاب الملك  الراحل الحسن الثاني والذي كله تهديد ووعيد ووصف   المتظاهرين بالأوباش.
 
استحضرنا في هذه الجلسة كذلك دوافع النظام إلى ارتكاب حماقة في حق الشباب وقتلهم بالرصاص في هذه الانتفاضة، انتفاضة 1984، وهي انتفاضة جاءت في سياق دولي يعرف  انتفاضات ضد الأنظمة الديكتاتورية في أمريكا اللاتينية وفي أوروبا ضد انتهاكات حقوق الإنسان، حيث ووجهت بالجيش. كما ووجهت انتفاضة 1984 وانتفاضة 1965 مما عمق جروح  المغاربة باستمرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة من طرف الدولة وأجهزتها، واعتبرنا في نقاشنا بأنها عودة قوية  لسنوات الجمر والرصاص، في  الستينات والسبعينات. وفي إطار تبادل المعلومات أخبرنا أحد الإخوان الذي التحق بنا بأن الشرطة السرية تبحث عن الذين وزعوا  مناشير  في الليل تدعو إلى الثورة و صور للخميني التي يتم تداولها بين الناس كرمز للثورة الإيرانية. وأنا أغادر  الإخوة والأصدقاء فإذا برجل أمن كنت أعرفه، ومعه شرطيان آخران، و بعد أن اقترب مني طلب مني أن أركب معهم سيارتهم ، وهي سيارة شخصية ،كانت بنية اللون، لم أبد أية  مقاومة، ركبت معهم و اتجهوا بي إلى مخفر مفوضية الشرطة بالقلعة، وهناك وجدت رئيسهم الكومسير الذي كان يكن العداء لليسار ولمناضلي الإتحاد الإشتراكي  وخاصة منهم مناضلي الإتحاد الإشتراكي اللجنة الإدارية وبالأخص أنا، لأنه كان يعلم بأنني المسؤول عن التنظيم الحزبي بإقليم قلعة السراغنة  ويعلم كذلك بالمعلومات  التي لدي عليه بالنسبة لسلوكياته بالمدينة التي تتمثل في الإبتزازات والرشوة والولاء لأصحاب  المقاولات والتجار الكبار والذين كانوا يستعملونه لقمع العمال وأصحاب الحق عليهم. كما كان على علم   بكل حركاتي عبر عملائه المبتوتين في كل مكان.و كان يعلم بأني من المناضلين الذين شاركوا في أحداث 8 ماي 1983حيث كانت محطة تحول في المسار السياسي والتنظيمي والأيديولوجي لحزب الإتحاد الإشتراكي لما انتفض أعضاء من اللجنة الادارية واللجنة المركزية أمام مقر الحزب بأكدال بالرباط ضد التوجه الإنتخابي الانتهازي  الذي قرره المكتب السياسي، ضدا على المركزية الديمقراطية، كذلك ضد توقيف عدد من المناضلين أعضاء اللجنة الإدارية و أعضاء اللجنة المركزية و من شبيبة الحزب. هي محطة تحول في المسار  السياسي للحزب حيث تمت عملية الانشقاق من الأعلى كما عبرعنها الراحل أحمد بنجلون وبعد غروب الشمس أخذوني على  متن سيارة الشرطة الى بيتي حيث قاموا بتفتيش كل الغرف حتى غرفة نومي ومكتبي. وإن الكومسير كان  يفتش جميع أوراقي وكتبي ومنشوراتي عساه أن يجد ما يثبت إدانتي أو مطية لينتقم مني ويقوم بتعذيبي قبل أية محاكمة محتملة. كان في كل مرة يستفزني بأسئلة عن بعض المخطوطات التي هي  مخطوطات لدروس في الرياضيات، لأنه كان  يتسم بالبلادة ولا يفقه في الترميز أي شيء، حيث كنت استعمل رموزا لمناضلي الحزب بدل أسمائهم وللقرارات  الداخلية للحزب ذات الطابع السري.  فحجز عددا من المخطوطات والكتب ودفاتر الاجتماعات الحزبية ومذكرات حزبية داخلية. كان يشك في كل  شيء حتى في الملابس الداخلية لزوجي وفي لعب أطفالي. لم أحرك ساكنا ، لأن ما يبحث عنه لن يجده بفضل تجربة زوجتي التي أخفت كل المناشر التي كانت لها علاقة بالانتفاضة ومذكرة الاجتماعات الداخلية وأشرطة صوتية cassettes  للمحاضرات  الداخلية الحزبية، ومنها محاضرة الراحل أحمد بنجلون والأخ علي بوطوالة  في مارس 1983 بالقلعة.
بعد الانتهاء من عملية التفتيش سيق بي إلى مخفر مفوضية الأمن. وانا بباب المنزل التفت الى زوجتي  أودعها  وأودع ابني الذي اندعر بهذا المشهد ، وكان يبكي و يهرب من البوليس. كان المشهد مؤثرا بالنسبة لأفراد العائلة والجيران. ركبت سيارة الأمن وأنا محاط بشرطيين، عن اليمين وعن الشمال، وكأنني مجرم حقيقي .و في المخفر  وجدت أمامي عددا من الإخوة منهم  ذ/ مكربل العربي و الراحلين ذ / ابا تراب الحسين،  وذ/ الغازي محمد، والراحلين حببب الله ومحمد المالكي من منظمة العمل. بقينا الليلة جالسين على كراسي خشبية وكان الجو باردا. بقينا دون ان نعلم ماذا سيفعل بنا ؟ كان الجو باردا جدا. وفي صباح اليوم الموالي نقلونا على متن سيارة مستعارة فاركونيت   fourgonnette إلى  مراكش، كوميسارية جامع الفنا، هناك وقعت المفاجأة حيث لما اطلع المدير الاقليمي للأمن بمنطقة مراكش القلعة على المحاضر التي أعدها مفتش الأمن في الاستعلامات  بالقلعة الذي رافقنا على متن نفس السيارة، صرخ في وجهه وأمره أن يقوم بالغاء تلك المحاضر، وإعداد اخرى  بناء على تصريحات المعتقلين حتى تكون التقارير موضوعية وليست  تقارير كيدية تحكي عن ماض لا قبل لنا به. ادركنا حينها بأن السلطات الأمنية والسلطات المحلية والإقليمية بالقلعة كانت  تنتظر المناسبة حتى تلقي بنا في السجن لنكون عبرة لكل صوت تقدمي أو  يساري في الإقليم. ولذلك تمت فبركة محاضر لم نطلع عليها ، ولكن اخبرنا أحد عمداء الشرطة بأنها تقارير من شأنها الحكم بالمؤبد أو الإعدام .شرع مفتش للشرطة في إعادة كتابة  المحاضر وفق ما طلب منه أي المعلومات الشخصية و التهم المنسوبة إلينا .
كان المدير الإقليمي للأمن يطلع على كل تقرير تم الانتهاء منه. استمرت العملية طيلة اليوم و نحن لا  ندري أي مصير ينتظرنا ولم نأخذ طعاما ولا طعم راحة النفس ولا راحة البال، وكنا نفترش الأرض ونمنع من الكلام مع بعضنا بعضا. كان يوما عسيرا. في المساء أدخلنا الى مخفر الشرطة وهو عبارة عن   بناية تحت أرضية تفوح منها روائح كريهة وتجمع جميع من يتم اعتقالهم من سياسيين ومجرمين، ولا تجد مكانا للجلوس  إلا بالمشقة .هناك التقينا بإخوان لنا من ابن جرير ومن مراكش. وكانت إمكانية  معرفة ما يجري في الساحة  من خلال الذين يتم اعتقالهم ليلا خاصة من الطلبة والتلاميذ. ومنهم  من حكى لي بأن الوضع سيء للغاية لأن، هناك مطاردة  الطلبة  والتلاميذ التقدميين  واعتقال البعض وهناك من أخذوه إلى"الفيلا" وهي بناية بمراكش تعتبر معتقلا سريا تابعا للمخابرات السرية. قضينا الليلة نستقبل المعلومات من الوافدين من معتقلين ومنهم من كان تابعا  للتنظيم الإسلامي( مجموعة ياسين ). امتلأ المخفر بالوافدين وأغلبهم طلبة و تلاميذ ومن تنظيمات سياسية  يسارية، هناك التقيت بالرفيق طلمات ودارت ببننا دردشة حول الوضع الذي أصبح سيئا للغاية. و قلت في نفسي هذا هو الهامش الديمقراطي الذي نعيش فيه، ويتغنى به المكتب السياسي للإتحاد الإشتراكي ومنظمة العمل.
لم نذق طعم النوم  ..
ولا طعام إلا خبزا مالحا أجاجا يجعلك تشرب الماء من حنفية المرحاض الذي لم يعرف النظافة ربما منذ تم بناء هذه  البناية المشؤومة. في الصباح الباكر من اليوم الموالي جيء بالمرحوم  الأخ حسن مبروم مقيدا بالأصفاد، وما أن دخل علينا حتى بادرناه  بالاسئلة عن الوضع بالبلاد، فأخبرنا بالاعتقالات التي طالت مناضلين ببني ملال والرباط ومراكش وهناك اعتقالات أخرى بالشمال . لم يلبث معنا كثيرا، لقد أخذوه إلى مكان آخر. وبينما نحن على هذا الحال نودي علينا لنصعد الى سطح البناية حيث علقوا  في اعناقنا  لوحات مكتوب عليها أرقاما  لم  نستطع قراءتها  ثم أخذوا لنا بها صورا فردية فتوغرافية.و بعد ذلك بدأ الاستنطاق في  الطابق الأول من البناية  حيث كل واحد منا كان يخضع لعدة استنطاقات من عدة أطراف أمنية لا نعرف الجهة التي هم تابعون لها.  لقد ارهقنا الجوع و الترهيب والتهديد من طرف  الأمنيين، فأصبحنا نتمنى أن يتم تحويلنا الى السجن بذل الوضع الذي  نحن فيه. كنا في الغرفة التي جمعونا فيها  التي لا تتسع للجميع . وكنا لا نتكلم  بيننا إلا  بالإشارة أو همسا . نسأل كل من التحق بنا ولو همسا،  بتلك الغرفة بالطابق الأول. عن ظروف اعتقاله وعن انتمائه السياسي. وهنا اقتربت من شاب كان مقيد اليدين ومغمض العينين بمنديل أسود لا يستطيع الرؤية ومعه فتاة في نفس الوضعية. اقتربت منه جيدا حتى لا أثير انتباه الحارس الأمني فسألته، هل تعرضت  للتعذيب فهمس لي،  "أن نعم". والأخت التي معك هي  الأخرى،  "أن  نعم"  . قلت له هل تدخن قال ، نعم، فجعلت له عدة سجائر في جيبه، ثم أخذت اسقيهما حليبا من الحليب الذي جاءنا  به احد الاقرباء عن طريق  عميد شرطة مساعد .كنا في هذه الغرفة نتواصل بالإشارة أوهمسا ،وكنا نعرب عن تضامننا بعضا لبعض. و في هذا الوضع طلب احد المعتقلين من معنا وهو ينتمي لتنظيم إسلامي، ذ الملاخ، على ما أذكر، طلب مصحفه التي تم حجزه منه، فاذا بالعميد يقوم بتوجيه صفعة على خده، مشهد جعلنا نحتج عليه،  مما جعل الضابط يرتبك ويتوعد الجميع بالتعذيب .وبعد وقت وجيز جاءنا شاب وهو عميد شرطة كذلك ليعتذر للأستاذ ويسلمه كيسا فيه حليب وخبز وجبن . تقاسمناه جميعا  . وسلمه مصحفه .قضينا اليوم كله في تلك الغرفة على الأرض ننتظر المصير. ولما جاء دوري أخذوني الى مكتب فيه شرطيان كانت اسئلتهم تتمحور حول التنظيم الحزبي وعن معارضتي للكاتب العام للحزب عبد الرحيم بوعبيد وعن علاقتي باحداث مراكش والشمال وعن الثورة الإيرانية وعن الخميني فكانت إجاباتي بالنفي  طبعا . ثم أخذوني إلى مكتب آخر حيث وثائقي المحجوزة . هناك كان شرطيان وهما  من الاستعلامات من خلال أسئلتهم التي  كانت تتمحور حول ما هو أيديولوجي وسياسي. لقد أخذ أحدهما سجل الاجتماعات الحزبية وقرأ علي ما جاء في بعض  المداخلات التي كانت تدين النظام و تستنكر استغلال الطبقة العاملة و المأجورين ومداخلات اخرى في نفس الاتجاه. وطلب مني إمداده بأسماء المتدخلين فأجبته بأنني لا اتذكرهم.ثم سألوني عن سبب وجود التقرير الايديولوجي في مكتبي وكان جوابي هو أنه وثيقة حزبية داخلية و من أدبيات الحزب. وسألوني عن الأحداث الاخيرة ومن  كان من وراءها فكان جوابي، أن ما أعرفه عن الأحداث الأخيرة هو ما قرأته في الصحف ولا  علم لي بمن كان وراءها.  لقد استمر استجوابي أزيد من ثلاثة ساعات ولم يجدوا بين الوثائق المحجوزة ما  يثبت علاقتها بالأحداث.
ثم جاء ضابط آخر يسالني عن  التنظيم الحزبي بالإقليم  وعن لائحة الحزبيين فقلت له  ليس  لدي لائحة ثم قال لي " انت من الراديكاليين في الحزب أي الشيوعيين والمعارضين للزعيم عبد الرحيم بوعبيد الذي هو صديق للملك وتريدون  الثورة " فأجبته بأني مناضل من مناضلي الاتحاد الاشتراكي الذين يؤمنون  بالخط الديمقراطي وأما المعارضة داخل الحزب هي معارضة مشروعة لما يتم الخروج عن الخط السياسي الذي قرره المؤتمر الوطني الثالث للحزب، وما بعيد إلا مثل جميع المناضلين ولا تهمنا علاقاته الشخصية مع أي كان. ابتسم أحدهم وقال  لي" انصرف قد نحتاجوك  بعد حين ".
أعادوني إلى الغرفة المعلومة وكل من انتهوا من استجوابه.جاء الليل لنعود الى المخفر،هنالك نتبادل المعلومات ونهيئ أنفسنا إلى ما هو أسوأ. في صباح اليوم الموالي سقط ذ/ الملاخ مغمى عليه بيننا في المخفر.فقمنا نقرع الأبواب الحديدية مع الصراخ والمطالبة بإنقاذ روح أحد المعتقلين. فجاء  الأمن بعدما سمعت من الحارس وهو يتصل عبر الطولكي بأن ناس القلعة يصرخون. فتحوا المخفر  ليجدوا الاستاذ ملقى على الأرض في غيبوبة. حملناه  بين أيدينا الى الخارج في انتظار سيارة الإسعاف. عدنا الى المخفر. فإذا بشرطي يطلب من الاخوة من ابن جرير أن يصعدوا إلى الغرفة المعلومة، ثم نودي على الإخوان بمنظمة العمل. بقينا ننتظر الجديد أزيد من ساعة هبط عندنا كل من الأخ الحنفي وحبيب الله ليخبرونا بأنه تم الإفراج عنهم. أخذونا إلى الغرفة المعلومة حيث انتظرنا حتى الساعة الرابعة بعد الزوال ليتم الإفراج عنا. كان استقبلالنا من طرف الاصدقاء والأهل والجيران استقبالا رائعا تلته زيارات مكثفة أزعجت السلطات المحلية، 
و ..صاحبنا الكومسير  الذي لم يكن راضيا على هذا الإفراج مما جعله يظل يتربص بي كي ينتقم. تلك قصة أخرى تأتي فيما بعد. هكذا  كانت لنا بداية سنة  1984 في علاقة بالانتفاضة التاريخية .