الأحد 24 مارس 2019
مجتمع

قرية الرميكة.. المقبرة الجماعية للصناع التقليديين بمكناس

قرية الرميكة.. المقبرة الجماعية للصناع التقليديين بمكناس

قرية الرميكة التي علق عليها الصناع التقليديون بمكناس آمالا كبيرة لتحسين جودة المنتوج التقليدي وتخفيض كلفة الإنتاج وحماية وادي بوفكران من المواد الملوثة، ولدت ميتة منذ شتنبر 2002، لكن قرار مواراتها التراب لم يوقع بعد. قرية الرميكة، هي عنوان لمأساة إنسانية يتجرعها صناع تقليدويون بسطاء.. ذنبهم الوحيد أنهم وثقوا في مشروع قرية نموذجية للصناعة التقليدية دشنها الملك وصرف عليها ما يفوق مليار و600 مليون سنتيم دون أن ترى النور. 

 

إعداد: هشام ناصر

 

البرجان الخادعان

لم يكن مشهد البرجين المزخرفين بلمسات إبداعية من الخزف والفخار بمدخل قرية الرميكة ليخفيا حجم التردي الكبير لبنياتها التحتية. فعلى بعد بضع خطوات فقط تنكشف حقيقة هذين البرجين «الخادعين»، ويبدو هول الصدمة أمرا واقعا لا مراء فيه، فالطريق الرئيسية حالتها جد متردية، والحفر والنتوءات ومشاهد بالوعات الصرف الصحي العارية تكشف بجلاء التردي الكبير لبنيات التطهير السائل. جولتنا بقرية الرميكة لم تخل من مشاهد ركام الأزبال والأتربة المتراكمة على جنبات الطرق والممرات وأعمدة كهربائية متمايلة تنتظر السقوط. طرق الرميكة جد ضيقة ولا تسمح بوصول شحنات المواد الأولية الى أوراش «المعلمين». براريك وأبنية عشوائية بقربها أفرنة تقليدية يتصاعد منها الدخان السود الكثيف، وأفرنة أخرى مغطاة بالبلاستيك كدلالة واضحة على توقف أصحابها عن العمل بالقرية. ممرات إسمنتية على قاعدة ركام الأتربة تحولت مع تساقط الأمطار إلى أرصفة تغزوها النباتات التي اخترقت السطح وشقوق عميقة لا تدع مجال للشك في وجود اختلالات.

 

شبح الردم

العديد من الحرفيين الذين التقتهم «الوطن الآن» عبروا عن حجم امتعاضهم الشديد من التردي الكبير لطرق وممرات قرية الرميكة، وضعف جودة قنوات التطهير السائل التي اعتبروها غير قادرةعلى تحمل كميات المياه العادمة المتدفقة. مشيرين إلى تكبدهم خسائر كبيرة جراء انفجار قنوات الصرف الصحي. فرغم تفويت ثلاث صفقات تهم التطهير السائل بقرية الرميكة والتي كانت آخرها صفقة شركة «الطوبي» والتي بلغت قيمتها 10.000.000 درهم، فإن جودة التطهير السائل لم تعرف تحسنا ملحوظا، خاصة أن قنوات تصريف المياه العادمة بقرية الرميكة قطرها ضيق. معظم محلات الصناع التقليديين تفتقد للكهرباء باستثناء 3 أو 4 محلات ترتبط بعقود مؤقتة مع الوكالة المستقلة للماء والكهرباء بمكناس، بسبب افتقاد المشروع لشهادة المطابقة Permis d'habiter، مما يؤشر على وجود اختلالات، التصاميم الخاصة بالمحلات المهنية لم يتم تحضيرها إلا بعد مضي سنوات على التحاق الصناع بالمشروع عام 2007. يقول العمراوي محمد «لما سمحوا لنا بالبناء عام 2007 لم تكن هناك أية تصاميم للمحلات.. كانت أرض قرية الرميكة كلها ردم..». كما أن القرية لم تحظ بالتصميم الكلي إلا بتاريخ 28 ماي 2010 -وفق شهادة المهندس البلدي لمكناس- فمن المسؤول عن هذا التضليل الذي تعرض له الملك؟

 

بقع سكنية لإسكات الصناع

خلال بحث «الوطن الآن» في ثنايا الاختلالات التي عرفها مشروع الرميكة، اتصل بنا عشرات الصناع التقليديين وأمدونا بوثائق وشهادات وحجج تثبت توزيع بقع سكنية لفائدة أعضاء بمكتب تعاونية الفخار والخزف بمكناس من طرف شركة العمران سجلت بأسماء أقاربهم، وهي البقع التي كان يفترض أن تخصص كتعويض للتعاونية عن هدم مقرها بمنطقة دردورة بباب تيزيمي. وحسب الصانع محمد مزيان بن اعمر، فإن التعاونية استطاعت استرجاع إحدى هذه البقع تحت تأثير الضغط من المدير السابق للتعاونية حميد كوشا. وأشار نفس المصدر إلى حصول هذا الأخير على مبلغ مالي بقيمة 20.000 درهم اعتبرها مكتب التعاونية مكافأة لحميد كوشا لإعادته البقعة السكنية للتعاونية، وهي المعطيات التي أكدت صحتها شهادة حميد كوشا نفسه وأحمد القاسمي رئيس تعاونية الخزف والفخار.

 

ألم وحرقة

في أطراف معزولة من قرية الرميكة، استمرت رحلة استجلاء حقيقة الاختلالات التي شابت مشروع القرية النموذجية للصناعة التقليدية، حيث قابلنا صانع الفخار والخزف مصطفى البخاري. كان الشعور بالألم والحرقة باديا على محياه بسبب تردي الأوضاع في قرية الرميكة نتيجة تضاعف أثمان المواد الأولية منذ انتقالهم إلى الرميكة وتراجع التسويق، والذي جعل إبداعات صناع الخزف والفخار منتجات بلا قيمة تذكر. كان البخاري يحاول جاهدا إخفاء ما ألم به بابتسامة باهتة: «أنا معلم عندي 36 عام في صناعة الفخار والخزف، وأنا الآن كنمارس المهنة ديالي في براكة، بعد ما كنت كنخدم 6 صناع بمحلي اللي هدموه ليا في الحارة بباب تيزيمي، أنا الآن أشتغل لوحدي.. تصور أن عداد الماء انتزع مني لأنني عجزت عن أداء 350 درهم .. وأنا بقوة الحق ديال الصنعة كنقول غادي نكون مضطر ندير كروصة نبيع فيها مطيشة وبطاطا..». على بعد أمتار قليلة كان المعلم الحميس عبد الإلاه جاثيا على ركبتيه تحت براكة قصديرية تقيه حرارة الشمس الحارقة وهو يقذف بحفنة من نشارة الخشب داخل فرنه التقليدي الملتهب بالنيران: « ضعت في محل مجهز بالحارة وفي الرقبة، وفي 40 عام ديال الخدمة، قمت بالهدم على أساس أننا غادي ندخلو للرميكة ونستافدوا من محلات جاهزة كما دشنها الملك وكما وعدنا المسؤولون». كلاو الزبدة وخلاو اللبن حملنا هذه التساؤلات المقلقة إلى محمد عداب (مستشار في الغرفة الثانية ورئيس تعاونية الرميكة) الذي صب جام غضبه وانفعاله على المقاولات التي تم التعاقد معها لتنفيذ أشغال المشروع. محمد عداب توسل وهو يحاول شرح أسباب الاختلالات التي عرفها المشروع بالمثل الشعبي: «مشا ياكل الزبدة وخلا اللبن ». ففي عهد الوالي الأسبق مولاي المهدي العلوي -يوضح عداب- تم التعاقد مع مقاولة من أجل القيام بعمليات تسوية موقع المشروع terrasement وقسم حينها المشروع إلى أشطر، لكن المقاولة منحت الأولوية للأشطر ذات المردود المادي المرتفع وأهملت إزاحة ركام الأتربة بموقع المشروع، في حين كان يفترض البدء أولا بفتح طلب عروض لتفويت صفقة لإزاحة ركام الأتربة قبل بدء الأشغال. ومع مجيئ الوالي حسن أوريد كلفت مقاولة ثانية بصفقة إزاحة الأتربة من موقع المشروع لفسح المجال أمام بناء بعض المحلات المهنية بتكلفة تفوق 36 مليون سنتيم -يشير مصدر مطلع بتعاونية الرميكة- لتنتهي الأشغال وليظل ركام الأتربة جاثما على قرية الرميكة.

 

من سيبني محلات الصناع؟

بمكتبه الأنيق الذي تؤثثه ديكورات الصناعة التقليدية وصور الملك محمد السادس، كان عبد المالك البوطيين (أمين المال السابق لتعاونية الرميكة ورئيس غرفة الصناعة التقليدية) يصغي لتساؤلاتنا دون أن يستغني عن سبحته الحمراء. بادرناه بالسؤال عن أسباب تعثر مشروع قرية الرميكة، بعد مرور 10 سنوات على تدشينه من طرف الملك وصرف مبالغ طائلة لإخراجه الى النور، فأجاب بأن التعثر راجع للصعوبات القانونية التي اعترضت عملية تفويت البقعة الأرضية التي أقيم عليها المشروع (مساحتها حوالي 8 هكتارات ونصف) من طرف الجماعة الحضرية لمكناس. إنه مجرد تبرير للتغطية على الفشل في إخراج مشروع دشنه الملك منذ 10 سنوات -يصرخ مصدر بتعاونية الرميكة- خاصة أن الأطراف التي وقعت على الاتفاقية الخاصة بمشروع القرية النموذجية للصناعة التقليدية التزمت بإخراج المشروع بعد مضي سنتين من التدشين. وبالتالي ألم يكن من الأجدر الحسم أولا في تفويت البقعة قبل وضع الحجر الأساس لانطلاق الأشغال من طرف الملك؟ يتساءل المتحدث نفسه، وكيف يمكن تفسير صرف مبلغ مليار و600 مليون سنتيم ما دامت محلات الصناع لم تبن بعد على غرار قرى الصناعة التقليدية التي دشنها الملك (قرية الصناعة التقليدية بوزان مثلا)؟ بنبرة غاضبة ومنفعلة ومتحدية للصناع بقرية الرميكة الذين يعتبرون بناء المحلات يدخل ضمن التزامات الشركاء الكبار في المشروع، يجيبنا عبد الملك البوطيين: «بناء المحلات مسؤولية الصناع»، قبل أن يستطرد «شفتي يلا ما خرجش البلان فشي جوج أو ثلاثة يبوجو مع الطريق.. عمر الرميكة ماغادي تبنى ..شكون هذا للي غادي يبني ليك ويعطيك الساروت.. علاه شكون أنت». تبخر مرافق القرية بحثا عن جواب عن لغز «تبخر» مختلف مرافق القرية النموذجية التي تضم 154 محل، وقاعة مشتركة لعرض المنتوج ومحطة لعالجة الطين، مسجد، مطعم ، مساحات خضراء، حديقة لألعاب الأطفال.. توجهنا إلى مقر باشوية المنطقة الحضرية الإسماعيلية، بعد استفسار الباشا بنجلون عن فحوى الزيارة. أطلعناه عن رغبتنا في الحصول على معطيات تهم مشروع الرميكة، فكان جوابه بأن الأمر يتطلب الحصول على ترخيص من ولاية جهة مكناس-تافيلالت. اتصلنا بمكتب الكاتب العام ولاية مكناس، فأجابني على لسان كاتبته بأن المعني بتقديم المعطيات هو المجلس البلدي لمدينة مكناس، ليظل الغموض يلف صرف الأموال المخصصة للمشروع، علما أن والي جهة مكناس تافيلالت هو الآمر بالصرف والمشرف على إبرام الصفقات العمومية الخاصة بالمشروع.

 

المولود الميت

اتصلنا برئيس الجماعة الحضرية لمكناس أحمد هلال لكن هاتفه ظل يرن بدون مجيب، أمر قادنا إلى مكتب الكاتب العام للجماعة الحضرية لمكناس محمد السودسي الذي تحدث إلينا بنبرة جد متحسرة على مآل مشروع دشنه الملك. مشيرا أن مشروع قرية الرميكة ولد ميتا منذ بدايته من خلال فتح المجال لتفشي البناء العشوائي في عهد الوالي الأسبق حسن أوريد. فمن غير المعقول -يضيف- المراهنة على «متعلمين» يتقاضون 5 دراهم في أوراش صناعة الخزف والفخار لبناء محلات وفق للتصاميم المحددة لهذا الغرض. لكن لماذا لم تتخذ الجماعة الحضرية لمكناس قرارا بهدم البناء العشوائي بقرية الرميكة؟ يجيبنا السودسي بأن الجماعة الحضرية لا تمتلك ما يكفي من الصلاحيات لإيقاف ما يحصل من مخالفات بقرية الرميكة؟ مصدر بوزارة السكنى والتعمير أرجع في حديث لـ «الوطن الآن» تفشي البناء العشوائي بقرية الرميكة إلى مرحلة سابقة للتقطيع الترابي الأخير، إذ كانت تخضع للجماعة القروية الدخيسة. وأشار إلى صعوبة إقدام رئيس الجماعة الحضرية لمكناس على إصدار قرار هدم قرية الرميكة وإن كان من الناحية القانونية يدخل ضمن صلاحياته بسبب الصعوبات التي قد يلاقيها في التنفيذ. وذكر المصدر نفسه أن صناع الفخار والخزف بدردورة والحارة كانوا يرفضون بشدة الانتقال إلى قرية الرميكة، ومن أجل تسهيل عملية الانتقال تغاضت السلطات المحلية عن عمليات البناء العشوائي. وأشار المصدر نفسه أن من جملة الأعطاب في مجال التعمير هو أن الجماعة الحضرية ليست طرف ضمن لجنة اليقظة التي تضم الوكالة الحضرية والولاية ومديرية السكنى والتعمير، وكأن الغاية من هذه اللجنة هو مراقبة الجماعة الحضرية.

 

غياب دراسة جدوى المشروع

ويبقى العطب الرئيسي لمشروع قرية الرميكة هو غياب دراسة تهم جدوى المشروع ومراهنة تعاونية الرميكة على الحصول على قروض من الأبناك لبناء المحلات المهنية، وهو الأمر الذي لم يتأتى لها -حسب مصدر مطلع بجهة مكناس- لأسباب غامضة، ليبقى المخرج الوحيد أمامها هو ممارسة الضغوط على الصناع التقليديين لبناء المحلات. وهي الضغوط التي تتزايد -وفق تصريحات الصناع- قبيل أي زيارة ملكية للعاصمة الإسماعيلية. في حين يرى العياشي بصيص المندوب الجهوي للصناعة التقليدية بمكناس أن الهم الأساسي لطرف معين (في إشارة للسلطات المحلية) حينئذ كان هو نقل الصناع من دردورة إلى الرميكة بذريعة تصاعد أعمدة الدخان، وكأن المهمة انتهت بالنجاح في تحويل الصناع من باب تيزيمي إلى قرية الرميكة. مشيرا إلى أن هذا هو السبب الرئيسي لتعثر المشروع. فحوالي 90 في المائة من صناع الخزف والفخار بقرية الرميكة -يضيف المسؤول نفسه- لم يبنوا محلات مهنية، بل نقلوا براريكهم وأفرنتهم التقليدية من باب تيزيمي إلى الرميكة، بل الأنكى من ذلك هو تلقي صناع الفخار والخزف لدعم مقدر ب 5000 درهم في عهد الوالي السابق لبناء أفرنة تقليدية أضحت مثار قلق بيئي. مؤكدا أن كل هذا كان يتم في غياب باقي الشركاء في المشروع.

 

غضب ملكي

يقول عادل بلحاج رئيس جمعية رابطة الولاء التي تتابع ملف الرميكة، إن عدم إخراج مشروع قرية الرميكة إلى الوجود رغم مرور 10 سنوات على تدشينه من طرف الملك إلى جانب «البلوكاج» الذي تشهده مشاريع أخرى دشنها الملك بمدينة مكناس، يعد من بين الأسباب التي أدت إلى «الغضبة الملكية» على مسؤولي مدينة مكناس، والتي يتداولها الشارع المكناسي بقوة. الاستهتار بالمشاريع الملكية قرية الرميكة، هي عنوان للاستهتار الذي يطول العديد من المشاريع التي يضع حجرها الأساس الملك، فهذا المشروع الذي عاصر أربعة ولاة آخرهم الوالي أحمد الموساوي ووصل إلى ردهات محكمة الاستئناف الإدارية قسم جرائم الأموال بفاس، شابته -حسب الصناع والحرفيين- مجموعة من الاختلالات المالية والإدارية، وأضحى يستلزم تدخل الملك، فهو الوحيد القادر على رسم بسمة الأمل من جديد على شفاه الصناع التقليديين بقرية الرميكة من خلال فتح تحقيق يهم الاختلالات والتلاعبات التي يعتقد أنها شابت المشروع، علما أن قرية الرميكة الآن ليست بالمواصفات التي دشنت بها من طرف الملك. التعثر راجع للصعوبات القانونية التي اعترضت عملية تفويت البقعة الأرضية التي أقيم عليها المشروع (مساحتها حوالي 8 هكتارات ونصف) من طرف الجماعة الحضرية لمكناس. إنه مجرد تبرير للتغطية على الفشل في إخراج مشروع دشنه الملك منذ 10 سنوات.