السبت 17 نوفمبر 2018
مجتمع

محمد أكضيض: "التشرميل" يفرض إعادة الجسور بين المخازنية والبوليس

محمد أكضيض: "التشرميل" يفرض إعادة الجسور بين المخازنية والبوليس

في هذا الحوار، يشرح الإطار الأمني السابق والخبير في القضايا الإجرامية، محمد أكضيض، الأسباب المباشرة وغير المباشرة التي أدت إلى هذا التفشي المهول لحالات الاعتداء بالسلاح الأبيض، وتراجع الإحساس بالأمان لدى المواطن أمام مستجدات ما صار يعرف بـ «التشرميل»، مسلطا الضوء على الأسرار التي وضعت الفرق بين الحالة الأمنيةلأمنية سابقا وهذا اليوم في إشارة إلى الدور الذي كانت تتكلف به القوات المساعدة في هذا الباب

 

حاوره: المهدي غزال

 

+ ما هي قراءتك للظاهرة الإجرامية التي هز تناميها الوسط المغربي مؤخرا، وما خلفته من ردود فعل شعبية ورسمية؟

- الجواب يقتضي منا رؤية الظاهرة من زاوية بانورامية، وهذا يستدعي بدوره الوقوف أولا في الموقع الذي يخولنا الاقتراب من مجريات التحولات الكبرى والمتعددة الاتجاهات التي يشهدها المغرب، والعالم ككل. لذلك، لا تصح قراءة تلك المعطيات الأمنية بمعزل عن سياقها العام. ولعل الكثير منا يتذكر أنه وفي فترة التسعينيات مثلا كثر الحديث عن ارتفاع نسبة الإجرام، مقابل تراجع إحساس المواطنين بالأمان وما إلى ذلك من الأصداء الدالة على انزلاق الأوضاع إلى مراتب مخيفة. لكن وبتصدي قوي وعزيمة مسؤولة استطاع رجال الأمن الذين ينحصر عددهم في ما بين 30 ألف و40 ألف عنصر من احتواء الأمور وإعادتها إلى مكانها الطبيعي، متحدِّين رؤوس الإجرام وقبلهم ضعف الإمكانيات التي يطرحها شح الميزانية المرصودة وقلة المناصب المحدثة للتوظيف.

+ ما السر إذن الذي كان وراء قدرة رجال أمن تلك الفترة على تطويق المشكل بعكس ما يبدو عليه الوضع الحالي؟

- ميزة تلك الفترة كانت مجسدة في الاندماج الحاصل بين رجال الأمن والقوات المساعدة، والتعاون الفعلي بينهما. وهو العامل الذي نفتقره الآن حتى أنه أصبح من الصعب رؤية ذلك الانسجام، وتحريك القوات المساعدة تحت تعليمات رجال الأمن. نحن نعلم أن عدد أفراد رجال القوات المساعدة نحو 50 ألف رجل، فلو ألحق 20 ألف منهم لمؤازرة عمل زملائهم في الأمن الوطني لتجاوزنا مشكل الخصاص، وما سيتيحه من ضمانات الأمن وأيضا إعفاء الحكومة من تكلفة توفير مناصب جديدة. وهنا لنا الحق في أن نتساءل مستغربين ومستنكرين في الوقت نفسه عن تحنيط أعداد رجال الأمن في الرقم ذاته تقريبا منذ سنوات مع التزايد المطرد للواجبات وتطور أساليب الإجرام؟ وكيف يعقل أن نسمع في كل مناسبة للعيد الوطني لرجال الأمن يوم 16 ماي عن فتح دوائر أمنية حديثة دون توفير مواردها البشرية؟ وهو الأمر الذي يجعلنا نعاين بمرارة دائرة أمنية مقتصرة على 12 أو 13 عنصرا ضمنهم من هم مكلفون بإنجاز الوثائق الإدارية، في حين يخرج 5 أو 6 رجال إلى الميدان للسهر على أمن ساكنة تتعدى 60 ألف نسمة أحيانا. وبعملية حسابية بسيطة سنخلص إلى كم من مواطن يرهن سلامته بحماية رجل أمن واحد. وليس هذا فحسب، بل لم يكن من شأن انسحاب رجال الدرك الملكي من بعض المراكز التي تحولت إلى مناطق حضرية، إلا أن يضيف أعباء أخرى على رجال الأمن الذين يجدون أنفسهم أمام ضرورة تغطية تلك المواقع، وبالتالي التقليص من عددهم الضئيل أصلا في الشوارع والأماكن العامة لغاية إلحاقهم بأماكن أخرى شاغرة.

+ مفارقة لاشك أنك تسجلها وهي المتعلقة بالتشكي من قلة الأمن في وقت ارتفعت فيه أرقام الموقوفين إلى درجة إعلان إدارات السجون عن اكتظاظ الزنازن. أين الخلل في نظرك إذا كانت هذه المركبات السجنية قد ضاقت بالمحالين عليها؟

- أرى أن موضوع السجون بالمغرب يستحق لوحده التفاتة خاصة ونقاش عمومي. لكن، لا بأس من الإشارة إلى أنه لم يبق لنا الحق في الادعاء بمسألة اكتظاظ السجون للسماح بتجاوزات ذات عواقب أوخم. لأن لذلك انعكاسات متعددة ولا حصر لها. وأول نتيجة سلبية مترتبة عن هذه الحسابات الخاطئة تمس رجال الأمن بالأساس.

+ (مقاطعا) كيف يتأذى رجل الأمن من اكتظاظ سجن ما؟

- سأشرح، لما يتم تقديم المجرمين أمام محاكم الاستئناف بتهم ثقيلة، فإنه وعلى خلفية الادعاء باكتظاظ السجون تتم إحالتهم على المحاكم الابتدائية لتصبح جرائمهم جنحة وتجدهم بسرعة بعد ذلك، طلقاء. مما ينعكس بشكل سلبي على عملية الزجر التي يجد معها رجل الأمن نفسه في مواجهة نفس الجناة إلى جانب آخرين طبعا. وربما تدخل في هذا الموضوع جمعيات حقوق الإنسان وحقوق السجين. مع أن المنطق يقول إن لا تساهل مع مقلقي راحة المواطن تحت أي إكراه وإن كان اكتظاظ السجون. وفي هذا الصدد، على المديرية العامة للسجون أن تقتنع بإلزامية بناء سجن في كل جهة لتفادي تلك المبررات. وقد آن الأوان لتطبيق القانون كأولوية تستوجب تقديمها عن أي اعتبار آخر.

+ لا أحد يرفض تطبيق القانون سوى من لهم نية الخروج عنه. لذا، لماذا حسب رأيك ورغم تطبيق القانون في سجن المذنبين نجد أغلبهم لا يتعظ من تلك العقوبات بدليل ارتفاع معدلات العود؟

- أقول إن تطبيق القانون أولوية أو جزء من الحل وليس كل الحل. على أساس أن سلب الحرية لم يكن يوما الخطة الناجعة والوصفة السحرية لاجتناب الوقائع والسلوكيات الانحرافية. لذلك يبقى لعامل إعادة الإدماج دوره الهام وموقعه المؤثر في تغيير المجتمع نحو الأفضل. وحتى لما سبق أن أشرت إلى معادلة قلة رجال الأمن وكثرة الكثافة القاطنة، فإنني أعني ضمنيا فئة الشباب الغالبة على الهرم السكاني، والتي لا تجد الملاعب والنوادي والفضاءات التي تنفس فيها عن مكبوتاتها. أضف إلى هذا نظرة المجتمع التي مازالت تعتبر السجين السابق أنه إنسان «خارج من رحمة الله» ويحرم حتى الاقتراب منه، فبالأحرى تشغيله أو مد علاقات التعاون معه. ومن هذا المنطلق أوجه اللوم إلى الجمعيات التي لا تقوم بدورها، وتفلح فقط في جني الدعم الذي هو من أموال الشعب. والأكيد إذا لم نعد النظر في هذه الحسابات الضيقة والهرولة نحو المصالح الخاصة والكراسي الوتيرة، سنظل نراوح مكاننا دون أي خطوة تقدم في ما تسبقنا إليه النوايا والخطابات.

+ من تضعه في قفص الاتهام أيضا كمسؤول عن هذه التطورات؟

- أود هنا أن أبدأ بجميع الخلفيات التي أدت إلى تدني جرعات الحس الوطني لدى الشباب، حيث لو كانت هناك فعلا قيم الشعور بالانتماء لما وجدنا من يفضلون بيع تلك السيوف والربح المادي على أمن البلد وسلامة مواطنيه. ولما كان من يستغل طيش هؤلاء المراهقين لإذكائه بتلك الأسلحة الخطيرة وحبوب الهلوسة، خاصة وأن آخر الدراسات كشفت عن نسب مرتفعة لليائسين والمحبطين في صفوف الشباب المغربي. لهذا، فالمسؤولية أعمق من تركها فقط على عاتق رجل الأمن، وتستدعي مقاربة شمولية على أكثر من صعيد. بما فيها التربية الأسرية والتعليم ومنظمات المجتمع المدني. دون إغفال الشق المتصل بسياسة المدينة التي لم تنجح بعد في وضع الخلاص النهائي للسكن العشوائي وما يتميز به من استعداد لاحتضان كل أسباب تفريخ المنحرفين والساخطين عن الأوضاع الاجتماعية.

+ لنعد إلى رجال الأمن، إذ هناك من يعيب على بعضهم أن ما يربطهم بالجهاز المنتمين إليه سوى الزي والبطاقة المهنية، بحجة التخاذل في أداء واجبهم، هل توافق على هذا الرأي؟

- سأتحدث معك اللحظة أكثر انطلاقا من تجربتي التي فاقت 27 سنة كإطار أمني، وأقر بأنه ليس هناك مهنة أشد صرامة من مهنة رجل الأمن. وقبل مواصلة جوابي سأعرج على آخر خبر تلقيته قبل ساعة فقط يؤكد إصدار الإدارة العامة للأمن الوطني لائحة تضم 39 عنصرا لأجل تنقيلهم إلى أماكن أخرى في إطار تخليق الحياة العامة. بمعنى «أي واحد تشمات فيه ريحة التقصير» يكون مآله العقاب دون تردد أو نقاش. هذا بعد أن أحيل مؤخرا أيضا 20 عنصرا على التقاعد الإجباري. ومع كل هذا، لا يمكننا أن نطالب رجل الأمن بما يفوق قدرته والإمكانيات المتوفرة لديه. فما يقوم به يوازي ما يستوجب أن يؤديه العشرات من زملائه. فلا فرق لديه بين النهار والليل، ويوصل الأول بالثاني في حالات كثيرة من أجل الترصد للعصابات في نقاط سوداء، معرضا حياته للخطر في سبيل سلامة المواطن. كما أته يتفانى في مطاردة الأظناء، وكم من مرة سمعنا اضطراره لاستخدام سلاحه الناري كدليل على المواقف الحرجة التي يصادفها. وأضيف بكونه يقوم بكل هذا على حساب راحته وعشه الأسري. وليتصور المرء إنسانا يشتغل من العاشرة ليلا إلى الثامنة صباحا، ثم بعد غمضة عين وجيزة يلتحق بمقر عمله من جديد على الساعة الثانية بعد الزوال. رجال الأمن لدينا مهنيون و«قادين بشغلهم». ومن هذا المنبر أقول «اتركوا رجال الأمن يعملون في أمان». فالمشكل ليس في رجال الأمن ولكن في الإمكانيات.. دعموا القوات الأمنية باللوجيستيك يا ناس إنها تعاني الأمرين.

+ حديثك عن الإمكانيات واللوجيستيك يعطي الانطباع وكأن المغرب كان من الممكن أن يكون في منأى عن أحداث دامية كثيرة شهدتها شوارعه لو توفر رجال الأمن حينها على مقومات التدخل

- بكل تأكيد كان من الممكن تطويق العديد من الحالات الإجرامية والقضاء عليها في مهدها، وأعطي مثالا بأحداث الشغب التي عرفتها مدينة الدار البيضاء شهر أبريل 2013 على خلفية مباراة الرجاء والجيش الملكي. فأنا على يقين لو كانت لولاية الأمن بأكبر مدينة في المغرب طائرة الهيليكوبتر لتمكنت من رصد الجماهير، وأصدرت تعليماتها للفرق المنتشرة على الأرض من أجل التحرك بدقة لمحاصرة المشاغبين. هذا مجرد نموذج بسيط على ما يمكن أن تقدمه الإمكانيات من حلول سريعة وفعالة مادمنا كما أقول دائما نتوفر على كفاءات بشرية في مستوى كل ما يناط بها من مهام وأكثر.

+ في أي خانة تضع ما أصبح يعرف اليوم بظاهرة «التشرميل» التي ربما كانت السبب رقم واحد في إعلان هذه الصحوة الأمنية إن صح القول؟

- الجديد في الموضوع هو استعمال الوسائل التكنولوجية من مواقع التواصل الاجتماعي للتباهي وإبراز ما يعتبره هؤلاء الشباب ميزة ذات قيمة إضافية بالنسبة لهم. أما الاعتداءات والسرقات وغيرها من الجرائم فلها تاريخ طويل، والأمن كان دائما بالمرصاد لها.

+ (مقاطعا) لكن هناك من يتحدث حاليا عن تفاقم الأمور إلى درجة وصفها بانفلات أمني

- لا..لا، هذا عبث وتلاعب بالمصطلحات. فهل يدري من يقولون ذلك معنى «الانفلات الأمني»؟ وأشكرك لأنك منحتني بهذا السؤال فرصة توضيح بعض التفاصيل. الملف الأمني حساس للغاية، ولا يجب التعامل معه بأي طريقة ومن لدن من ليس لهم دراية بالشأن الأمني، وأعني المتطفلين والمدعين بأشياء يجهلونها ويرتمون على الحكامة الأمنية بدون اطلاع على الحقائق ونقصان، إن لم أقل انعدام الخبرة والرصيد المعرفي أحيانا. فتصدير الكلام من الصالونات المكيفة والركوب على الهاجس الأمني، كما أن الانقضاض على فرص الظهور بالشاشات كالفطر شيء والميدان شيء آخر، والأحرى أن يلتفت هؤلاء لما تركوه خلف ظهورهم من انعدام الديمقراطية والشفافية في بعض جمعياتهم وأحزابهم السياسية. فالانفلات الأمني وكما عاينته في دول أخرى معروفة كبؤر للتوتر يترجم عدم قدرة الدولة على تسيير مؤسساتها، ونشوب نزاعات طائفية وخلافات إيديولوجية تؤدي إلى التناحر والاشتباكات واندلاع حروب أهلية. أما في المغرب فلا شيء من هذا لدينا. ليس هناك سلاح ناري ولا سيارات مفخخة ولا قنابل موقوتة. كل ما يوجد جريمة تقليدية كلاسيكية تتمحور أساسا على السرقة بالسلاح الأبيض والدراجات النارية تحت تأثير الأقراص المهلوسة أحيانا. فالمغرب بلد آمن ومستقر، والإجرام به مثل باقي الدول، إذ ترتفع في الجو الحار اعتداءات العنف والتهديد بالسلاح الأبيض وتخريب الممتلكات الخاصة والعامة عن طريق إما فرد أو عصابات، في حين تعرف أيام الشتاء جرائم الكسر والسرقة للدور السكنية والمحلات التجارية.

+ ما دمنا في صميم المفاهيم المغلوطة، هل تعتقد أنه حان الوقت لتصحيح العبارة التي ظلت لصيقة برجل الأمن المغربي «واش كاين الدم؟»

- لابد من التذكير بأن رجل الأمن وبكل ما تحدثت عنه من قلة العدد وضعف الإمكانيات وكثرة ساعات العمل، فإنه لا يكلف فقط بمحاربة الجريمة، ولكن تجده في الملاعب والمستشفيات والمحاكم والمسارح وقاعات السينما و... وبالتالي، مهما يقال عنه فإن الميدان هو الحكم. وحتى إن لم يرد على تلك الاتهامات شفويا فإنه يدحضها فعليا. والأكثر من هذا، رجل الأمن المغربي أثبت كفاءته ليس داخل أرض الوطن فقط، ولكن خارجها أيضا. ومن خلال تجربتي الشخصية في آسيا والأدغال الإفريقية أثبت لك أن قواتنا تحظى باحترام بالغ خارج الحدود لما تبديه من بسالة وحزم عند أداء مهامها مهما كانت الظروف والعراقيل. وسأحكي لك واقعتين ليس إلا، تحملان قدرا من الطرافة، غير أنهما برسائل أكثر أهمية لمن يريد أن يعتبر. فحين كنت خلال بداية تسعينيات القرن الماضي في مهمة بدولة غينيا الاستوائية على رأس فرقة الحرس الخاص لرئيس البلاد، كنا نستيقظ قبل الساعة الخامسة استعدادا لتأمين مسيره وهو في طريقه لممارسة تمارينه الرياضية. وفي تلك الساعات الباكرة كنت أرابط قبل مغادرته القصر الرئاسي تحت شجرة مليئة بالخفافيش المدلاة فوق رأسي بنحو نصف متر، حتى أنني كنت أمازح أحد الزملاء قائلا «أخاف أن تعضني هذه الكائنات وأصير مثل دراكولا كما حدث في أحد الأفلام السينمائية». الخلاصة أننا كنا نستيقظ قبل الخفافيش ولا نعرف شيئا اسمه التراجع ولو بقي في القلب نبضة واحدة. وبدولة أخرى اضطررت لأكل لحم القردة لأن أهلها متعودون على ذلك، ولحمها هو الذائع الانتشار هناك بعد أن انقرضت عندهم القطط التي كانت بدورها الأكلة المفضلة في أطباقهم. فرجل الأمن المغربي يتكيف مع جميع الظروف والمواقف، وما إن يتحمل المسؤولية حتى يترك باقي الحسابات لأجل أداء الواجب ولا شيء غير الواجب. وإن قوبل بعدم الاعتراف وتبخيس شأن أدواره سواء أثناء مزاولة مهامه أو حتى بعد تقاعده.

+ كيف تفسر ملاحقة ما تسميه تنكرا لخدمات رجل الأمن بعد خلعه النهائي للزي الرسمي؟

- أبسط وأقرب دليل على هذا التنكر هو الوضعية البئيسة التي يعيشها متقاعدو رجال الأمن وأراملهم. والأخطر في ذلك هو الرسائل التي يتلقاها الأمنيون الشباب حول مصيرهم حينما يرون حال من سبقوهم في المهنة وهم في خريف العمر. وتصور معي ما يمكن أن يخلقه لديهم هذا الإحساس من تأثير على نفسيتهم. ثم إنه وللأسف الشديد هناك من يعتقد ظلما بأن رجل الأمن المتقاعد إنما هو من صلب سنوات الرصاص، لذلك أرد بشدة كون الحكومات السابقة وتراكمات سياساتها هي المسؤولة وهي التي صنعتها. وحان الوقت لتوجيه البوصلة نحو هؤلاء الذين اغتنوا بصفة غير مشروعة على حساب من أخلصوا لهذا الوطن. وأكثر ما يحز في النفس هو أنه ومع تعاقب الحكومات السياسية من الاشتراكيين والتقدم والاشتراكية والأحرار والاستقلال، إلى الحكومة الملتحية الحالية. لا واحدة من هذه الأطياف تمكنت من حفظ كرامة متقاعد رجل الأمن. وكل ما هناك وفرة في الكلام والوعود وغياب لآليات التنفيذ والفعل. لهذا، لا غرابة إن انتفض هذا المتقاعد وطالب بالمناصفة.

+ إلى أي حد أنت مع أو ضد التخوفات التي ما فتئت تستشعر إمكانية عودة القبضة الحديدية لوزارة الداخلية والإدارة العامة للأمن الوطني؟

- شخصيا أدحض كل هذه التخوفات جملة وتفصيلا، وإليك الأسباب. أولا، المسؤولون على الأمن في المغرب يعرفون جيدا الأسلوب الذي يمكِّن من حفظ الأمن والطمأنينة للمواطن. لذا، فهم على دراية تامة بأن «انعدام الأمن» و«القبضة الحديدية» هما سيان ولا فرق بينهما في ما يؤديان إليه من عواقب سلبية. لذلك، فلا مجال الآن للحديث عن قبضة حديدية، خاصة وأن المغرب اتخذ قرارا حاسما ولا رجعة فيه بشأن القطع مع سلبيات الماضي. ومن ثمة، أقولها صراحة إن ما كان جاريا به العمل في عهد إدريس البصري ومن يدور في فلكه قد ولى بصفة نهائية. زد على هذا، بأنه لا يجب أن ننسى بأن الأمور أصبحت أكثر وضوحا وشفافية، وصرنا أمام أعين العالم ومنظماته الحقوقية المراقبة التي لا تتوانى في رصد كل كبيرة وصغيرة على مستوى أي خلل محتمل. ومن جهة أخرى، لدينا اليوم على رأس الإدارة العامة للأمن الوطني رجل من نواة المؤسسة، وهذا كفيل بأن يضمن لنا كل شروط عدم مصداقية تلك التكهنات. لهذا أقول «اتركوا الرجل يعمل مادام في الطريق السوي لإرساء هياكل المؤسسة بشكل سلس. فأهل الدار أدرى بشعابها». مع أننا يجب أن نستبشر بهذه الاستراتيجية التي تبناها بحزم في إطار تخليق الحياة العامة داخل الجسد الأمني الوطني، والتي تبدو واضحة في ما اتخذه من قرارات تؤكد تكسير المغرب لفساد الماضي واقتحام حياة جديدة مبنية على دستور جديد يقرن المسؤولية بالمحاسبة. فالمهمة شاقة بكل تأكيد، إنما على يقين بأن للرجل ما يكفي من الكفاءة والتجربة والمعرفة للوقوف الند للند في مواجهة كل التحديات المنتظرة والمفاجئة. بل الأكثر من هذا، كم أتمنى أن يكون هذا الاشتغال الدؤوب على المستوى الأمني عبرة ومبادرة تقتضي الاحتذاء من قبل باقي القطاعات. وكما حددت وزارة الداخلية أسبوعين لإعادة الاطمئنان التام إلى ساكنة الدار البيضاء بالخصوص، حبذا لو طبقت مسألة ضبط الآجال هاته في ميادين الوعود التي تطلقها الحكومة، سواء في الشق الصحي أو التعليمي أو النقل أو السكن أو المستوى المعيشي بشكل عام. لأننا بذلك سنرتاح، على الأقل، مما أتعبنا بخصوص الصدمات الموجعة للغة الخشب الفضفاضة، وما مللنا منه حيال الآجال الغامضة واللامتناهية الحدود.