الاثنين 5 ديسمبر 2022
كتاب الرأي

محمود التكني: حراك ايت اوسى ومصلحة الوطن

محمود التكني: حراك ايت اوسى ومصلحة الوطن محمود التكني
إن السياق العالمي الذي نعيشه اليوم مند نهاية 2019 باعتبار ما خلفته جائحة كورونا من أضرار اقتصادية كانت له تبعات لن يتعافى منها العالم على المدى القريب. مباشرة أطلت علينا الحرب الروسية الأوكرانية لتزيد الأمور تعقيدا بحيث عرفت أسعار جميع المواد الاستهلاكية ارتفاعا صاروخيا أثقل كاهل ميزانيات الدول قبل تقويض القدرة الشرائية للمواطن. هذا بالنظر إلى السياق الدولي، أما السياق الإقليمي أو بالأحرى القاري وأقصد إفريقيا فإنها عرفت في الآونة الأخيرة حركة تحررية جديدة تتجسد في القطع مع التبعية للدول الاستعـمارية، الأمر الذي ام تستسغه فرنسا، فأصيبت بسعار منقطع النظير تمثل في إذكاء مواقفهاالعدائية عبر مناهضة مصالح المغرب، بحيث لم يكن بلدنا وحده مستهدفا، بقدر ما قامت فرنسا بأعمال مشينة كعادتها بالقارة السمراء. وهذا لن تجني منه شيئا يعوضها عن فقدان بريقها وإرثها الاستعماري المبني على دماء الشهداء الذين قضوا نحبهم من أجل الانعتاق من الاستعمار الغاشم إبان القرن الماضي. وهنا لن أناقش سلوكها بجميع أرجاء القارة، لكن سأقتصر علي شمال إفريقيا أو بالأحرى منطقتنا المغاربية منذ أن عدد المغرب شركاءه الاقتصاديين وجدد تحالفاته الاستراتيجية، وهذا ما رأت فيه فرنسا استهدافا لمصالحها بالمنطقة وبدأت في خلق أزمة صامتة مع الرباط بدءا بتخفيض عدد التأشيرات للمغاربة إلى درجة منعها تماما، وهذا يبقى قرارا سياديا يخصها، لكن أن تبدأ الصيد في الماء العكر وتعاكس المغرب في وحدته الترابية وذلك باستقبال مجموعة محسوبة على البوليساريو بالبرلمان الفرنسي والسماح برفع علم الكيان الوهمي بهذه المؤسسة الدستورية، فهذا لا يعكس حسن نية الحليف التقليدي للمغرب ولا يبشر بمستقبل واعد للعلاقات المغربية الفرنسية، أضف إلى ذلك أن استقبال الرئيس التونسي قيس سعيد لإبراهيم غالي بشكل رسمي لا يخلو من تدخل الأيادي الفرنسية، إلا أن تحركات فرنسا لن تؤثر على قضيتنا وهي تعلم ذلك لأننا أولا أصحاب حق وثانيا بالنظر إلى ما وصل اليه الملف في السنين الأخيرة. ونحن لا ننكر أنه تجمعنا بفرنسا عدة معاهدات واتفاقيات ونحن ملتزمون بها لأننا دولة تحترم المواثيق الدولية. لكن كما سبق الذكر هناك حركة تحررية جديدة تتمثل في الانعتاق من التبعية التقليدية وهذا واقع على فرنسا وعليها قبوله. أما السياق الثالث فله ارتباط بسابقيه وهو الأوضاع الوطنية، فكما سلف الحديث أن أسعار جميع المواد عرفت ارتفاعا صاروخيا بسب تداعيات الجائحة والحرب الروسية وكذا نقص التساقطات المطرية، كل هذا أربك ميزان مداخيل ونفقات الدولة مما حدا بها إلى إعادة برمجة ميزانياتها عدة مرات دون المساس بالشق الاجتماعي قدر المستطاع طبعا.
وفي خضم هذا كله يظهر حراك اجتماعي على خلفية موضوع الأراضي بمجموعة من المناطق بالمغرب وخاصة أن مسطرة التحفيظ مشروع وطني يروم إلى الرفع من قيمة الأرض، وهناك أنواع من التحفيظ حيث نجد التحفيظ الشخصي والجماعي وتحفيظ أملاك الدولة وهذا الصنف الأخير يخص غالبا المجال الغابوي مع احتفاظ الساكنة بحق الرعي. وهنا سأتطرق إلى حراك ايت اوسى بإقليم اسا الزاك ـ وأنا واحد منهم ـ بحيث نعتبر أرضنا خطا أحمر كما هو الشأن بالنسبة لأرض اي قبيلة بالمغرب تثبت ملكيتها لأرضها، إلا إذا كانت تدخل ضمن المجال الغابوي الذي يبقى ملكا للدولة. إلا أنه لا يجب أن يؤول هذا الحراك و يتسع مداه إلى خارج الوطن حتى لايقرأ استقواء بالآخر وتمرر فيه خطابات وشعارات مصبوغة بمصطلحات مشبوهة كالاغتصاب والسطو على أراضي ايت اوسى، وهذه مفردات تجريحية توحي بأن الحراك ضد عدو وليس ضد دولة تسير وطنا نفتخر بالانتماء إليه. فما المقصود والمراد بوقفات واحتجاجات خارج أرض الوطن وذات طابع قبلي والحديث عن منطقة حدودية مع تندوف؟ فأين عقلاء و شيوخ قبيلة ضحت بأرواحها من اجل الوطن؟
إن بعض المغالطات يراد بها خدمة أجندات أخرى ويجب ألا ننساق وراء أطروحات لاتحمد عقباها، ولا يوجد أحد من مكونات الصحراء ولا حتى ممن اتبع السراب يشكك في وطنية قبائل ايت اوسى وولاءها للعرش العلوي المجيد منذ الأزل، والتاريخ يشهد على بطولاتها في الذود عن حياض الوطن. إلا أن هذا المشكل يبقى مشكلا داخليا لهذا على القبيلة أن تغلب مصلحة الوطن على النعرات القبلية وحماس الشباب لأننا والحمد لله في دولة مؤسسات يؤطرها القانون تحت قيادة ملك رشيد نصر الله وأيده، و كلنا أمل في جلالته في إيجاد حل لهذا المشكل الذي أثر في نفس الصغير قبل الكبير حتى لا نعطي فرصة لأحد للنيل أو إبطاء مسار قضيتنا الوطنية عبر نشر مغالطات و أكاذيب. لذا وجب على الكل ضبط النفس ونكران الذات و هذا لا يعني إهدار الحق لكن بطرق ومساطر قانونية، و كذا على الدولة أن تشرح مبتغاها من عملية التحفيظ وأن تشرك ساكنة هذه الحواضر في مثل هذه القرارات والبحث عن رافعات للتنمية تعود على الوطن بالخير عامة وعلى الساكنة خاصة.
 
 محمود التكني/ أستاذ التعليم العالي، جامعة مولاي اسماعيل