السبت 22 سبتمبر 2018
في الصميم

وفاء المؤمن دين عليه يا وزير العدل!

وفاء المؤمن دين عليه يا وزير العدل!

ثمة فرق شاسع بين “عتاق الخيل” وبين “الجياد” التي أتاح لها زمن المنعطفات التاريخية المشاركة في السباق الانتخابي، وسمحت لها هذه المنعطفات بالجلوس على مقعد وزاري لم تكن تحلم قط برؤيته، فبالأحرى الجلوس عليه؛ نعم ثمة فرق كبير بين وزير يعرف حدود الإمكان فيلتزم بها ويعمل من أجل تدبير حاجيات قطاعه دون أي نزعات تخرجه من حلقة العقلاء، وبين وزير العدل والحريات في الحكومة الإسلامية، مصطفى الرميد، الذي قدم الوعود يمينا وشمالا دون أن تتوفر لديه القدرة الفعلية على الالتزام بها. فهو وزير يدبر قطاعا حكوميا بميزانية مصادق عليها داخل البرلمان، وليس آمرا بالصرف أو حارس بيت المال يملك جرار الذهب والفضة ويغدق منها على من أحب، فيجزل العطاء لهذا.. ويخلع على هذا، ويهب ذاك.

فالوزير الرميد، لم يتردد، في إحدى خرجاته، في التعهد للقضاة المغاربة، أثناء لقاء جمعهم به في نونبر 2012، بتقديم استقالته في غضون سنتين إذا فشل في الرفع من أجورهم، حيث اعتبر أن محطة “التحفيز المادي للقضاة” هي أهم بنود إصلاح منظومة العدالة. فماذا ينتظر وزير العدل ليقدم استقالته إذا كان صادقا في كلامه؟ لماذا لم يرم باستقالته في وجه رئيس الحكومة ونحن على مشارف انقضاء الأجل المحدد دون أي بصيص أمل؟ لماذا يتمسك بمقعده الوزاري إذا كان فعلا غير قادر على الزيادة في أجور القضاة، وإذا كان يائسا من إمكانية تحقق هذه الزيادة؟ وهل بإمكان وزير أخل بعهده أن يقنع الوزراء بالوفاء بتعهداتهم؟ أليس من الأصلح- إذا كان الرميد يريد صلاحا- أن يصفق الباب وراءه، وأن يظهر للجميع أن “الرجل هو الكلمة” و”أن الرجل بلا كلمة ليس رجلا”؟ أليس من الأفيد له أن يعلن أمام الرأي العام الوطني والدولي أن “الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة” مشروع فاشل مادام الفشل يهدد أهم بنوده، حسب ما خطته يداه في الوثيقة التي نشرتها «يومية العلم» على صفحتها الأولى بتاريخ 13 يناير 2014؟

لقد تم إغلاق ميزانية 2014، وهي ميزانية “تقشفية” لا تتضمن أي زيادة في أجور القضاة، مما سيشكل لا محالة إحراجا للرميد الذي دأب على التلويح بالاستقالة كلما وجد نفسه في مطب سياسي يغرقه في الوحل ويجعل “طهرانيته” التي يتشبث بها في خبر كان. لقد تعود الرميد على التلويح بـ “الكفر” كلما أيقن أن بإمكان أخيه الأكبر في الحكومة (عبد الإله بنكيران) أن يتخلى عنه، وأن يتركه أعزل يصارع طواحين الهواء دون سلاح. لقد تعود البطل المغوار الذي لا يشق له غبار أن يحرج رئيسه بالتظاهر بأنه سيغادر ساحة المعركة ويتركه فريسة لذئاب الحرب وغيلانها، وهي لعبة متفق عليها بين الرجلين لتركيز “التضامن الحكومي” في وزارة واحدة. لقد تعود الرميد أن يربك الحسابات، وأن يلعب على الحواف من أجل انتزاع مكاسب استثنائية دون أن يسمح للوزراء الآخرين بالاحتجاج على وزير المالية.

هكذا إذن، بدأ السعي اللاهث والساخط من طرف وزير العدل من أجل تخصيص وزارته بتدبير مالي استثنائي خارج ما قرره القانون المالي، وخارج إعصار الأزمة المالية الذي يعصف بالمغرب، إلى درجة أن الحكومة، أمام اشتداد الطوق عليها، بادرت، في نسختها الأولى، إلى تجميد الاستثمارات.

إن الرميد وهو يضع هذا المطلب فوق طاولة رئيس الحكومة يراهن بكل رصيده السياسي، فإما أن يتجاهل بنكيران الأزمة ويخرج صديقه من المطب الحانق الذي يوجد فيه، وإما أن يضحي به و”كفى الله المؤمنين شر القتال”. وبين الاحتمال الأول الذي لن يمر دون ضجيج في “اجتماع الأغلبية” و”المجلس الحكومي” و”البرلمان”، وبين الاحتمال الثاني الذي يبقى الأكثر واقعية.. يظل الرميد هو الممسك برقبته السياسية: إما أن يستقيل، وسيكون “ قد كلمتو قد ذراعو”، وإما أن يظل وزيرا للعدل والحريات.. وليس من حقه، آنذاك، أن يخرج اللسان ويوزع الكلام ويتحول إلى واعظ زمانه.. لأنه ببساطة سيكون بدون لسان أو شرف، ومن الأفضل له أن يرتدي الجلباب والنقاب كلما أراد أن يكلم قاضيا من قضاة المغرب الأشراف.

لقد قال مصطفى الرميد في رسالته التي خطها بيده إلى القضاة “ أشهد أنه في حالة عدم تحسين الوضعية المادية للسادة القضاة داخل سنتين من تشكيل الحكومة، فإني سأعتبر نفسي قد فشلت في أهم بنود الإصلاح، وبالتالي يتعين علي تقديم استقالتي، والله على ما أقول شهيد”.. فماذا تنتظر أيها الوزير الذي يدرك فعلا معنى “المؤمن إذا عاهد وفى”، ويعي معنى الآية القرآنية: “والموفون بعهدهم إذا عاهدوا”؟.. هل ستقدم استقالتك فعلا، أم ستنكر وعدك. فالعرب قالت قديما: «من التزم بشيء لزمه»؟

عبد الرحيم أريري