الاثنين 5 ديسمبر 2022
اقتصاد

مخطط "أليوتيس" البحري بين عدم تنزيله وتفشي التهريب

مخطط "أليوتيس" البحري بين عدم تنزيله وتفشي التهريب محمد صديقي؛ وزير الفلاحة والصيد البحري
خلف قرار عدم استئناف صيد الرخويات "الأخطبوط" جنوب سيد الغازي بالداخلة، الذي اتخذته وزارة  الصيد، بناء على توصيات المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري إلى غاية 15 دجنبر 2022، عدة ردود أفعال وتساؤلات ولا سيما أنه سيمتد لمدة 9 أشهر، وهي أطول فترة راحة أبيولوجية منذ تبني مخطط تهيئة مصايد الأخطبوط صيغة 2004، ومما زاد الطينة بلة هو منع جميع أنواع  أنشطة الصيد بالوحدة الفرعية الممتدة من جنوب سيد الغازي إلى شمال العين.

واعتبر المتتبعون أن قرار شل جميع الأنشطة يعد ضربة للإقلاعين الإجتماعي والاقتصادي، الذي بدأ يتعافى من جائحة كورونا، كما حرم القرار شريحة عريضة من المهنيين الذين لا يتعاطون إلى التهريب الذي كان النقطة التي أفاضت الكأس بالنسبة لوزارة الصيد، بعدما تفشت ظاهرة صيد الأخطبوط بشكل كبير في عز الراحة البيولوجية، ولم تجد كافة المصالح المتداخلة في القطاع بُداً لفك شفرة هذه الآفة.

إلى ذلك أكد مهنيون أن ما قامت به وزارة الصيد من قرارت، هو دليل على أن جل الإستراتيجيات المتعلقة بالقطاع قد أصيبت بخلل كبير من ناحية التسيير الإداري والمهني، في حين شكك البعض في نجاعة هكذا قرارات، على اعتبار أن عدة قرارات من هذا القبيل فشلت نتيجة التسيب والفوضى التي عمت القطاع وساهمت في تدمير الثروة البحرية، غير أن تدهور مخزون الأخطبوط عجل باستنفار جل مهنيي القطاع، نظراً للحالة المزرية التي وصل إليها مخزون الأخطبوط  والأسماك السطحية بالأقاليم الجنوبية، وذلك بسبب الفوضى التي عرفها القطاع بالشمال والوسط ثم جنوب المملكة وبلغت ذروتها، بسبب إفراغ مخطط تهيئة المصايد "اليوتيس" من محتواه، هذا المخطط الذي أشرف على إنطلاقته  الملك محمد السادس سنة 2009، والذي جاء بمجموعة  من الإجراءات التي اعتبرت أنها ستساهم في حماية القطاع ولو جزئيا من كل ما علق به من شوائب كالصيد المفرط والجائر دون أي رادع قانوني.

مما شكل لدى المهنيين مؤشرات ومعطيات تدل على أن هذا المخزون أصبح يعرف تراجعاً مستمراً، لا يمكن تداركه إلا باتخاذ مجموعة من الإجراءات والقرارات الحازمة لوقف هذا النزيف الحاد الذي ضرب المخزون.
ويرى مهنيون بجهة الداخلة أن قطاع الصيد، بالرغم من المكانة التي يحتلها القطاع الذي لا يمكن فصله عن قطاعات أخرى، صناعية كانت أو تجارية التي تجعله يرتبط بالسوق العالمية ويساهم في جلب العملة الصعبة، كان من المفروض أن تكون هناك آليات رادعة للحفاظ على الثروة. 

ويقول أحد المهنيين بمدينة الداخلة الذي كان يتحدث إلى جريدة "أنفاس بريس" أن  الوضعية التي يعيشها قطاع الصيد البحري بالجهة بصفة خاصة والمملكة بصفة عامة كان محطة تجارب لعدة مخططات عبر عدة مراحل، لكن جلها كانت فاشلة - حسب تعبيره - ومنها مخطط تهيئة المصايد "أليوتيس" الذي كان في صلب اهتماماته النهوض بالقطاع وحمايته من الصيد المفرط والجائر، مع اتخاذ كافة التدابير القانونية الصارمة، لكن كل شيء جرفته سيول الفوضى وغض الطرف عن تطبيق محتوى قرارت المخطط "أليوتيس" وجعلها شعار يتم تداوله على وسائل الإعلام وتمطيطه من خلال الندوات، دون تتبع المخطط بما يلزم ليكون تجربة رائدة، لكنه مع كامل الأسف يقول المصدر تحول إلى نزيف للثروة.

ويضيف المصدر قائلا: "إن أي تقييم لهذا المخطط لا يمكن أن يكون مقنعا أو ذي مصداقية، إلا إذا كان نابعاً من التجربة الميدانية والممارسة اليومية والدائمة، والفعلية لجميع أنواع مراحل الصيد، مرورا بالصياد التقليدي، وصولاً إلى وحدات المعالجة والتبريد والمصانع".

كما لم يخف المصدر أن الكثير من المهنيين بجهة الداخلة كان لهم رأي آخر رغم أن هذا الرأي يعتبره البعض بأنه "شارد".
وقد خلص المصدر بأنه  من بين أسباب تراجع قطاع الصيد البحري بجهة الداخلة واستنفار المهنيين الذي جاء متأخراً، هو دليل على الفشل الذريع الذي طال المهنيين ذاتهم وعدم مساهمة أغلبيتهم  بالمطالبة بتفعيل مخطط "أليوتس" كما جاء. 

هذا في الوقت الذي عبر بعض المهنيين الذين سألتهم جريدة "أنفاس بريس" عن الأسباب الكامنة وراء هذا الفشل والتدهور الذي حل بالثروة السمكية، والذي اعتبر جلهم بأن المخطط (أليوتيس) بأنه منقول من جهات أخرى كانت محطة تجارب بأماكن لا علاقة لها بواقع الصيد البحري ببلادنا، نظراً لإنعدام وافتقار آليات المراقبة والتحكم في الثروة السمكية (المكان، والزمان).

ويضيف هؤلاء أن التركيز على قطاع الصيد كقطاع محوري وحيوي لحل كل أزمات البطالة ومشاكل التنمية الشاملة مما ولد الضغط على الثروة وخصوصاً المخزون السمكي المتجدد.

كما أن جل المهنيين بقطاع الصيد البحري الذين استطلعت الجريدة رأيهم أعابوا على مخطط "أليوتيس" أنه قد قام باعتماد الحصة الفردية "الكوطا" وتطبيقها على جميع مخططات التهيئة الأخرى، هذا القرار الذي خلف نتائج عكسية نظرا لعدم ملاءمته واستحالة ظهور نتائجها على القطاع والمخطط، لأنها لا تخدمه، وخاصة الأصناف المستهدفة، وقد اعتبرت المصادر أن انعكاسات (الكوطا) على أنواع الصيد البحري بالمنطقة قد خلفت وضعا كارثيا فبالنسبة للصيد التقليدي فقد خلقت الحصة الفردية شكل جديد من الريع الاقتصادي، حيث كراء الزورق وبيع الحصة ساهم  في حرمان البحارة من العمل بصفة قانونية، بل أن أغلبهم لم يعد يتمتع بحقوقه القانونية من قبيل الاستفادة من حقهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، هذا فضلا عن  ظهور الزوارق المعيشية التي تحدث عنها هؤلاء المهنيون بأنها فاقت 1500 قارب، إضافة إلى ما أصبح يعرف بتداول شواهد certificat de capture على المستوى الوطني لتبييض المنتوج المصطاد، وبالتالي يرى المهنيون أنه من المستحيل تطبيق واحترام الراحة البيولوجية لصعوبة التحكم في هذه القوارب انطلاقا من مراكز وقرى الصيد رغم الآليات المتخذة من طرف الوزارة والمكتب الوطني للصيد.

أما على مستوى الصيد بأعالي البحار فقد كانت  نظرت غالبية المهنيين جد متشائمة نتيجة استعمال هذه البواخر لوسائل أقل ما يقال عنها بأنها ليست خاضعة للمراقبة والتتبع الدقيقين من أجل إيقاف النزيف الذي تلحقه هذه البواخر بالثروة، وذلك من خلال لجوء جلها إلى التخلص في أغلب الأحيان من الكثير من أنواع الأسماك التي لا تتلائم ومجال التسويق "حجما" مع الإكتفاء بالبحث عن الأصناف المطلوبة للتخزين والتسويق، مما يجعل أحجام من الرخويات الأخطبوط تتعرض للدمار الممنهج، كما أن جل هذه البواخر تعتمد على شباك محرمة وممنوعة عالميا.

هذا وقد إنتقد جل المهتمين والمتابعين بالإضافة إلى مجموعة من مهنيي قطاع الصيد بالداخلة، القرار الذي تم إتخاذه من أجل السماح لبواخر (RSW) ولوج المخزون الوحيد من السمك السطحي المعروف بمخزون (C) من أجل أن تستفيد المعامل ووحدات التجميد من حصة هذا المخزون لكن النتيجة كانت عكسية وغير مجدية  لا من ناحية الطريقة التي تعتمدها هذه البواخر والتي لا تتلائم وطريق إصطياد صنف "السردين" مما جعل ما بين 50 إلى 60 في المائة من الكمية المفرغة تتجه إلى معامل دقيق السمك، هذا الوضع أثر على المخزون الذي تراجع بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، كما اعاب بعض المهنيون أن عدم تقييم المخطط زاد من خطورة الوضع الذي أصبح كترثيا.

وقد شكلت الإحصائيات التي تخللتها أرقام صادمة، وذلك استنادا كذلك إلى التراجع الذي حصل في المخزونات السمكية، التي يشهد عليها تدهور القطاع الذي تمخض عنه هذا التوقف الذي أثر بشكل كبير على الوضعية الإقتصادية والإجتماعية، كارتفاع البطالة بالأقاليم الجنوبية، ناهيك عن الانعكاسات الخطيرة على كافة القطاعات الأخرى وخصوصا البيئية منها، مما جعل الكثير من التساؤلات تتناسل من طرف المهنيين حول الحلول التي يمكن أن تتخذها الجهات المسؤولة لتصحيح الوضع، المرتبط بنضج المهنيين والإدارة من أجل تغليب مصلحة القطاع الذي يعد من بين القطاعات التي تضمن جملة من القضايا من تغدية وشغل، هذا الأمر الذي يتطلب إشراك كل الفاعلين في القطاع دون استثناء أو إقصاء مع فتح نقاش موضوعي للخروج من الأزمة الحقيقية والسكتة القلبية التي يعيشها القطاع من أجل حاضر ومستقبل يحفظ الثروة من المزيد من التدهور.