الجمعة 19 أغسطس 2022
كتاب الرأي

عبد الصمد الشنتوف: حي سوهو

عبد الصمد الشنتوف: حي سوهو عبد الصمد الشنتوف
منذ وطئت قدماي عاصمة الضباب، وأنا أعيش  على هذا الحال. احتضنتني لالة ارحيمو ببيتها خلال أحلك مرحلة في حياتي، لم أكن أتوقع أنها ستعاملني بذاك الدفء والكرم وهي لا تعرفني، فليس هناك قرابة عائلية تجمعنا، فنحن مجرد (رائحة شحم في ساطور) كما يقول المثل المغربي.
أصبحت أتوسم الخير في الناس منذ ذلك الحين. أصبحت خبيرا في قراءة ملامح وجوههم، من سيساعدني ومن سيحجم عن ذلك. منذ وصلت لندن وأنا لا أدري أين سيكون مبيتي، ألجأ من بيت إلى آخر وكأني نحلة تطير من زهرة إلى أخرى سعيا لرحيقها. أكاد أجزم أنني خلال شهر واحد تنقلت بين خمسة بيوت في كل جهات لندن. كنت قد فوضت أمري إلى الله لحظة نزولي في محطة "شارينغ كروس"، استسلمت للقدر، ومضيت في طريقي.
قادتني قدماي في هذا الليل الصاخب إلى حي سوهو الشهير بقلب لندن. مع حلول الظلام يتحول هذا الحي النابض بالحياة إلى وجهة الباحثين عن المتعة والترفيه.. مطاعم، حانات، مراقص ليلية، ونوادي للعروض الفنية.
 عندما تتجول في سوهو، تمر أمام أبواب داكنة يحرسها رجال غلاظ أقوياء البنية، يلبسون بدلات سوداء وكأنهم "غوريلات"، يسمونهم "باونصر". رجال صامتون، تحمل عيونهم نظرات حادة، يقفون متسمرين عند أبواب البارات والنوادي الليلية. "كريس" باونصر أسود ضخم الجثة، حليق الرأس، يضع قرطا على أذنه اليسرى، ووشم كبير للزعيم "ماوتسي تونغ" على ذراعه الأيمن المفتول، يقف عند باب كباري يدعى "فابريك"، عندما تراه تأخذك الرهبة، ساعدان مشدودان إلى الأمام لكي يبدو أكثر جدية وصرامة. تتخيله "هامان"، يتحدث بصلف وعنجهية مع بعض الشباب المتهور. الشبان الإنجليز لما تلعب الخمرة برؤوسهم، يتحولون إلى مشاغبين وفوضويين، يشتبكون مع كريس في الكلام، فيقذف بهم بقوة خارج الكباري. يضطر أن يعاملهم بغلظة مفرطة وكأنهم أشخاص منبوذون.
نشبت معركة عنيفة أمام عيني بين شابتين من بائعات الهوى عند مدخل كباري "فابريك"، خدش وشد للشعر، كل شابة تغرس أظافرها في وجه الأخرى، وتمزق ملابسها، فيتدخل كريس لفض الاشتباك، ويقذف بهما بعيدا عن باب الكباري وسط الشارع، حيث يستمر عراك العاهرات. دور كريس هو الحفاظ على استتباب الأمن، وإخلاء الملهى من المشاغبين عندما تسود الفوضى.
أمر بجانب نوادي غريبة، أضواء قرمزية، وصخب ينبعث من داخل هذه الأمكنة المشبوهة، نوادي تقدم عروضا في الإثارة الجنسية تحت مسمى الفن والترفيه.
يعبر المكان شباب يمشي جيئة وذهابا، بعضهم يروجون للمخدرات القوية، وآخرون يمارسون القوادة داخل الأقبية وعلب الليل، ومنهم من يصطاد بعض ضحاياه قصد الإبتزاز، وسلب الجيوب بالخداع أو بالقوة. في حي سوهو قد تبدأ ليلتك فرحا كفراشة متطايرة، وقد ينتهي بك الأمر إلى تعاسة غير متوقعة. إنه حي مثير وخطير في آن واحد..