الثلاثاء 28 يونيو 2022
كتاب الرأي

عبد الحليم بنمبارك:أي دور لجهاز مراقبة السوق ماهية وسائل التحفيز وبأية كيفية...

 
عبد الحليم بنمبارك:أي دور لجهاز مراقبة السوق ماهية وسائل التحفيز وبأية كيفية... عبد الحليم بنمبارك
تستأثر منظومة المحافظة على القدرة الشرائية للمواطن وصحته وسلامته وضمان شفافية المعاملات التجارية، من خلال التصدي للممارسات غير المشروعة المرتبطة بالأسعار والجودة وبشروط البيع وغيرها، باهتمام بالغ من قبل السلطات العمومية التي تحرص على اتخاذ التدابير اللازمة من أجل تفعيل آليات الضبط القانوني والاقتصادي للسوق وضمان اليقظة والحضور المتواصل بالأسواق لأجهزة المراقبة بمختلف اختصاصاتها وتدخلاتها، حرصا على مواكبة المعيش اليومي للمواطن وعلى ضمان الأمن الاقتصادي والسلم الاجتماعي.
واعتبارا لجسامة مسؤولية أجهزة المراقبة كآلية مهمة لضمان سيرورة النظام العام الاقتصادي، ومن أجل توخي النجاعة في الأداء والرفع من المردودية في مجال تتبع ومراقبة الأسواق، وتوفير شروط العمل والتحفيز لتحصين أعوان المراقبة وضمان تحليهم بالمسؤولية وأخلاقيات الممارسة المهنية، فقد خصصت السلطات العمومية لمصالح المراقبة، بمختلف مشاربها وصلاحياتها، مكافآت ومنح لتشجيعهم على ممارسة مهامهم ولتأهيل وتقوية قدراتهم التدبيرية، بالإضافة إلى تغطية النفقات المتعلقة بالمعدات والتجهيزات اللازمة لتعزيز تسيير وأداء هذه المصالح.
تفعيلا لهذا التوجه، تم إحداث "صندوق الدعم المقدم لمصالح المنافسة والمراقبة وحماية المستهلك وضبط السوق والمدخرات الاحتياطية" وفقا للمادة 46 من قانون المالية رقم 4.84 لسنة 1985. هذا الصندوق يتم تمويله من حصيلة المصادرات والعقوبات المالية والمصالحات المتأتية من تطبيق قوانين مراقبة السوق، وأساسا تلك المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة وحماية المستهلك والحسبة.
مناسبة هذا الحديث والتذكير بهذه الحيثيات والمعطيات أملتها مقتضيات القرار/الجديد المشترك لوزير الداخلية والوزير المنتدب لدى وزيرة المالية والاقتصاد المكلف بالميزانية الصادر مؤخرا بشأن بيان كيفية توزيع والاستفادة من مكافآت المراقبة، والذي يأتي تنفيذا لأحكام قرار رئيس الحكومة الصادر بتاريخ 8 شتنبر 2021 والمتعلق بصندوق الدعم المقدم لمصالح المنافسة والمراقبة وحماية المستهلك وضبط السوق والمدخرات الاحتياطية.
هذه المبادرة تروم الالتفات أخيرا إلى الأطر، الباحثين (Enquêteurs)/ أعوان المراقبة المنتسبين لوزارة الداخلية لتمكينهم من الاستفادة من المنح والمكافآت، (مرجح أن آخرها يعود لسنة 2002)، وذلك على غرار باقي المراقبين المنتمين لوزارات وإدارات أخرى كالتجارة والصناعة والصحة والمالية ومصالح المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية والمكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني.
حسب المعطيات المتوفرة، فإن مقتضيات القرار المشترك لوزيري الداخلية والميزانية تذهب إلى اعتماد معيار وحيد للتمكن من الاستفادة من هذه المكافأة، والمتمثل حصرا في عدد محاضر المخالفات المضبوطة من قبل كل باحث/مراقب واحتساب قيمة مالية عن كل محضر منجز وموجه إلى السلطة القضائية المختصة.
فمن خلال قراءة متأنية لهذا المقتضى، تطفو على الواجهة جملة من الملاحظات التي من شأنها أن تعيق تحقيق الأهداف المرجوة لضمان المردودية وتشجيع ودعم عمل مصالح وأطر المراقبة، من بينها:
إن عمل أجهزة المراقبة، لا يقتصر فقط على الطابع الزجري بتحرير المحاضر، بل إن مجال تدخلاتها يقترن كذلك بواجب مصاحبة التاجر ومقدم الخدمات، باعتبار أن المراقبة هي تعبير عن قرب الإدارة من التاجر والمستهلك على حد سواء، وآلية من آليات التوعية والتحسيس بالمخاطر والتعريف بالضوابط القانونية والتنظيمية المؤطرة للسوق وتخليق المعاملات التجارية، وهذا العمل المهم والأساسي الذي يندرج في صميم عملية المراقبة، لم يتم مراعاته واحتسابه وأخذه بعين الاعتبار؛
تعتبر مهمة المراقبة عملية متداخلة، متناسقة ومتكاملة تتقاطع فيها عدة جوانب واعتبارات، لا يمكن اختزالها فقط، وفي جميع الأحوال، في الفعل الآني اللحظي للمعاينة والمراقبة وتحرير المحضر، بل هي عملية تتحكم وتتداخل فيها جوانب رئيسية مكملة، قبلية وبعدية، تستوجب المراعاة، من قبيل تأطير وتوجيه عملية المراقبة، الدراسة المتأنية للسوق وتقلباته، تتبع وتحليل الأسعار ووضعية تموين الأسواق ومسالك التوزيع، الفترات الاستثنائية المتميزة بالإقبال الملحوظ على طلب المواد والمنتجات أو تلك المرتبطة بحالات ظرفية خاصة، فض النزاعات ذات الطابع الخدماتي والتجاري والبت في شكايات المستهلكين والتجار على حد سواء، وغيرها من التدخلات والاعتبارات المتحكمة في ضوابط السوق؛
استغراب حرمان، بشكل أوتوماتيكي ومباشر، رؤساء أقسام الشؤون الاقتصادية والتنسيق بالعمالات والأقاليم من الاستفادة من هذه المكافآت. فالمعيار الوحيد المعتمد لتوزيع المنح لم يراع طبيعة المسؤولية المنوطة برؤساء هذه الأقسام على مستوى تدبير وتأطير وتوجيه عمليات ضبط السوق وضمان تنسيق متجانس لتدخلات مختلف المصالح الخارجية والجهات المعنية بعملية المراقبة والتموين. يضاف إلى ذلك أن حجم المهام الأخرى الموكلة لرؤساء هذه الأقسام، على مستوى دراسة وتتبع العديد من الملفات والقضايا والمشاكل المرتبطة بالنشاط الاقتصادي والاجتماعي للإقليم، استقبال المواطنين والتجار ومقدمي الخدمات، حضور الاجتماعات وغيرها من المهام، إضافة إلى الانخراط الواسع في تتبع ومعالجة مجموعة من الملفات الأخرى ذات الصلة بنشاط العمالة ككل، يجعل، حتما، من ممارستهم لفعل المراقبة والمعاينة ظرفيا ومناسباتيا؛
عدم الأخذ بعين الاعتبار لمهام ومسؤوليات مجموعة من الأطر العاملة بأقسام الشؤون الاقتصادية والتنسيق بالعمالات والأقاليم، الذين وإن كانوا يتوفرون على بطائق الانتداب لممارسة مهام المراقبة، فإن مهامهم الإدارية المرتبطة على سبيل الذكر، بالتتبع اليومي للأسعار وتجميعها وتحليلها وإدخالها في المنظومة المعلوماتية المخصصة لهذا الغرض إضافة إلى البيانات الأخرى المرتبطة بالتتبع المنتظم للتموين ومحاضر المخالفات ورخص التبغ وسيارات الأجرة وغيرها من المهام الإدارية الآنية، يحد عمليا من ممارستهم لنشاط المراقبة ويجعل تدخلاتهم بهذا الخصوص ظرفيا، مع وجوب التذكير بكون هذه الواجبات تندرج في صميم عملية المراقبة؛
عدم التمييز في احتساب قيمة وعدد محاضر المخالفات بين طبيعة العمالات والأقاليم وحجم النشاط الاقتصادي والرواج التجاري الذي تعرفه. فالمراقب الذي يزاول نشاطه، على سبيل المثال، بإحدى عمالات الدار البيضاء أو طنجة أو فاس أو الرباط أو أكادير أو وجدة أو مراكش وغيرها من المدن الكبيرة، سيكون مردوده ونشاطه على مستوى حجم وعدد محاضر المخالفات المضبوطة جد مرتفع مقارنة مع مراقب يعمل على مستوى إقليم متوسط الرواج التجاري أو عادي، كإقليم طاطا، أسا الزاك، تاوريرت، أوسرد، بولمان، جرسيف، طرفاية، الرحامنة، السمارة وغيرها من المدن المشابهة، مما يجعل من معيار عدد المخالفات والمحاضر المحررة، على أهميته، غير كاف إن لم أقل دقيق ومنصف؛
الإقصاء غير المبرر لأطر مديرية تنسيق الشؤون الاقتصادية بوزارة الداخلية من الاستفادة من هذه المنح والمكافآت، علما أنه لسنوات كانت أطر هذه المديرية تستفيد من هذا الدعم، وذلك اعتبارا لدورها الحيوي والرئيسي في منظومة المراقبة وضبط السوق، والمتجلي من خلال تتبعها اليومي والمستمر لمستوى الأسعار على المستوى المحلي والوطني والدولي ودراسة انعكاسات تقلباتها على القدرة الشرائية للمواطنين، التتبع المنتظم لوضعية تموين مختلف الأسواق على الصعيد الوطني لرصد ومواجهة أي اختلال محتمل في التموين، تأطير وتوجيه عمل مصالح المراقبة على مستوى العمالات والأقاليم عبر الدوريات والبرقيات والاجتماعات التنسيقية على المستوى المركزي وتنظيم الدورات التكوينية لفائدة الباحثين/المراقبين، هذا إضافة إلى ضمان المداومة المنتظمة طيلة فترات السنة وتعزيزها وتقويتها خلال الفترات الاستثنائية المتميزة بالإقبال الملحوظ على الاستهلاك أو ظروف متسمة بصعوبة في التموين، وغيرها من المهام المرتبطة بضبط ميكانيزمات السوق.
إن المبادرة بتفعيل مقتضيات صندوق دعم مصالح المراقبة وتمكين الباحثين/ المراقبين المنتسبين لوزارة الداخلية من الاستفادة من المكافآت (على غرار مراقبي باقي الوزارات والإدارات الأخرى، على المستويين المحلي والمركزي، العاملة بنفس الميدان) التفاتة جديرة بالثناء سيكون لها، بكل تأكيد، الوقع الإيجابي على مستوى المردودية ومعنويات المراقبين. لكن، ولتجاوز كل شعور بالإحباط ولضمان انخراط أوسع وتحفيز أكبر لهذه الشريحة المثابرة، فهذا يقتضي بلورة معايير موضوعية أخرى لضمان توسيع استفادة كل المنخرطين في مجمل عملية المراقبة طبقا لروح النص القانوني المنظم لهذه المنظومة. وبذلك سيكون القرار المشترك قد كفى ووفى.
إن المهمة الحساسة المنوطة بأجهزة تتبع ومعاينة ومراقبة السوق تعد من صميم مقومات الحفاظ على النظام العام الاقتصادي والاجتماعي، وهذا معطى تدركه جيدا الوزارة المعنية التي يتعين، أمام تزايد المخاطر والتحول المتسارع لنمط الانتاج والاستهلاك، ضمان التحفيز والتعبئة والرفع من نجاعة تدخلات أجهزة المراقبة وتأهيل وعصرنة أنظمة مراقبة السوق، والاستجابة لانشغالات وانتظارات المستهلكين والتجار ومقدمي الخدمات على حد سواء.
 

    عبد الحليم بنمبارك،باحث  في شؤون ضبط ومراقبة السوق