الأربعاء 6 يوليو 2022
كتاب الرأي

محمد منير: لماذا نعبد الله ؟.. الصلاة أولا

محمد منير: لماذا نعبد الله ؟.. الصلاة أولا محمد منير
إن من أعظم الصِّلاة في حياتنا صِلة العبد بربه والتعلق به سبحانه، وما أنزلت الصلاة المفروضة من فوق سبع سماوات كما أنزل الإنسان من قبلُ، إلا تحقيقا لهذه الغاية السامية من خلال هذه الشعيرة الوجدانية،   فكأنما هو لقاءٌ آخر بعد فراق وتذكيرٌ لهذا المخلوق الأبدي بحقيقته، وارتقاءا به من طينيته إلى أصل النفخة الاولى فيه << ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ >> السجدة(9)، ليرتشف من أذواق الأسماء الحسنى والصفات العلا << الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ >> الفاتحة (3)، ومن أدب الثناء والشكر لله << الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ >> الفاتحة(2)، لخالقه ومعلمه الأول << وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا >> البقرة(31)، فتكون عونا له للقيام بمهامه الدنيوية على أقوم وأكمل وجه، فعبادة الله بالشعائر إنما هي مرحلة أولى في عبادة الله، تليها عبادة الإستخلاف في الأرض بكل نشاط يشغل الإنسان في حياته، << قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ >> الأنعام (162-163). 
فلما كانت المسؤولية جسيمة وعصيبة بين النوازع والدوافع، فإن الإستعانة بما يطيل الَّنَفَس ويحذو بالروح إلى آخر رمق، ينادي المنادي حيّ على الفلاح في المهمات والمدلهمات عبر نداء الصلاة خمس مرات في اليوم استهواءًا للأفئدة وإمداداً لأنفس ملّت وكلّت، وإنعاماً بعد ساعات مضنية من الأوهاق والتهوكات << يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ >> البقرة(153)، تجديدا للنية واستنهاضا للهمة، فالصلاة وقوف بين يدي الله سبحانه ودعاء ونجوى وأسرار وتعاهد بين العبد وربه، ((هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)) حديث قدسي في السنن الأربعة.
فلماذا نعبد الله ؟ وهل هو في حاجة لعبادتنا له ؟ أم الإنسان هو الذي في أمس الحاجة والإضطرار إلى الله ؟ ولماذا كانت الصلاة هي الوسيلة الأساسية في التواصل مع الله ؟ 
قال الإمام الألوسيّ في قوله تعالى: << إِيَّاكَ نَعْبُدُ >> الفاتحة(6) "العبادة أعلى مراتب الخضوع لله ... لأنه المولي لأعظم النّعم وهي الإيجاد من العدم ثم الإمداد" تفسير الألوسي، ومن ثم كانت عبادة الله تعالى مراتب ومنازل فكلما كان قربك زاد إمدادك بوثوق الصلة عبر التحلي بصفاته إنعاما وتفضُّلا، وأول هذه المنازل مَنْزِلَةُ الْمَحَبَّةِ صفة يكون لها الأثر العميق على الإنسان، وتجلياتها مشكاة علاقاته بالمخلوقات كلها جلبا للخير أو دفعا للشر، عطاءا غير مجذوذ، قال الله عز وجل: << وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا >> النحل(18).
قال الله تعالى: << يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ واللَّهُ هو الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ >> فاطر(15)،  وقال كذلك: <<  وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ >> فاطر(18) ،  وقال تعالى: << إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا >> الإسراء (7)، وقال تعالى: << إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ >> النساء (131)، خلق الله تعالى مخلوقاته وجبلها على النقص والحاجة، ولا جرم أن الإنسان دائم السعي لإكمال نقائصه وإشباع حاجاته التي لا تنتهي أبدا، فيراوح في ذلك كل الوسائل المتاحة لديه لكن دون جدوى، فكانت الفائدة كل الفائدة تعود بلا شك على الإنسان العاقل الباحث عما ينفعه في دنياه وأخراه، فكانت عبادة الله بما افترضه عليه أحسن السبل وما الصلاة إلا أيسرها وأمثلها صلة وقربى، وموصلة إلى الرقي بكمال الله وإلى السعادة بمحبة الله، قال الله العظيم: << قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ >> آل عمران(31).
فحين يشتد الهجير ويطول الأمد وتتلاشى الآمال وتنقضي الحيل وينضب المعين ويقل اليقين ويوشك الصبر على النفاذ، تأتي الصلاة زادا وترياقا ومددا للقلب وتجديدا له من الصدأ، فتتحقق بهذه المعاني العبودية لله من العبد استشعارا لحاجته لربه بقربه، لا ينفك يمده بما يليق بمقام الخالق لا بمقام المخلوق ولا يسعه آنذاك إلا الإمتنان لمن منه الخير كله ولمن إليه الشكر كله.
 "إن خلاصة دين الإسلام عقيدةً وشريعةً هي إخلاص العبادة لله الواحد القهار، والصلاة منه هي مفتاح كل شعيرة من شعائره وروحها وغايتها زكاةً وصيامًا وحجًا" (قناديل الصلاة- د. فريد الأنصاري رحمه الله).
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَت رِجْلاهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ))، صحيح البخاري ومسلم.