الخميس 30 يونيو 2022
كتاب الرأي

جمال العسري: تمديد حالة الطوارئ أم تمديد لتسلط وتغول الداخلية؟!

جمال العسري: تمديد حالة الطوارئ أم تمديد لتسلط وتغول الداخلية؟! جمال العسري

والحكومة تمدد حالة الطوارئ الصحية إلى غاية 31 ماي 2022، إنما تمدد من حالة التغول والتسلط.

قوانين الحكومة في واد، والشعب في واد آخر: وقانون حالة الطوارئ الصحية خير شاهد على ذلك جميع المواطنات و المواطنين .. كل المغاربة في حالة سراح مؤقت، جميعنا من الممكن أن ندخل السجن في أي دقيقة ..هذا ما يقوله مرسوم تمديد مدة سريان مفعول حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني...

في اجتماع لمجلسها يوم الخميس 28 أبريل 2022، صادقت الحكومة وأمام استغراب جميع المتتبعين والمهتمين، على مشروع المرسوم رقم 2.22.311 بتمديد مدة سريان مفعول حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا "كوفيد 19"، قدمه السيد عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية.

مصادقة الحكومة على تمديد مفعول حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني بدعوى مواجهة تفشي فيروس كورونا "كوفيد 19" ، يسائل الحكومة عن الأسباب و الدواعي الخفية لهذا التمديد ، خاصة وأن الجميع و بما في ذلك أعضاء من " اللجنة العلمية " ومعهم نسبة كبيرة من الجسم الطبي المغربي، يؤكد على التحسن الكبير للوضعية الوبائية بالمغرب، ودعوا ويدعون لرفع حالة الطوارئ أو على الأقل تجميد أو تعليق إجراءاتها ، لكن قطار مجلس الحكومة أبى إلا أن يسير عكس رغبة الجميع ، و هذا ما يعطي مشروعية كبرى لسؤال ما هي الأهداف والعوامل الخفية لهذا التمديد ؟؟

للجواب على هذا السؤال نعود من جديد للتذكير بأهم مواد قانون الطوارئ الصحية المعلن عن يوم 23 مارس 2020، وخاصة المواد 1 و 3 و 4 و 5 .

وهكذا تنص المادة الأولى على أن إعلان حالة الطوارئ الصحية تعلن " كلما كانت حياة الأشخاص وسلامتهم مهددة من جراء انتشار أمراض معدية أو وبائية واقتضت الضرورة اتخاذ تدابير استعجالية لحمايتهم من هذه الأمراض ".

فيما تنص المادة 3 على حق الحكومة بأن تقوم " باتخاذ جميع التدابير اللازمة التي تقتضيها هذه الحالة وذلك بموجب مراسيم ومقررات تنظيمية وإدارية أو بواسطة مناشير وبلاغات ".

أما المادة 4 فتؤكد على ضرورة تقيد كل شخص " بالأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات العمومية " وفي حالة العكس فـ " يعاقب على مخالفة أحكام الفقرة السابقة بالحبس من شهر إلى 3 أشهر وبغرامة بين 300 و1300 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين ".

وأخيرا تعطي المادة 5 للحكومة الحق إذا اقتضت الضرورة القصوى في " أن تتخذ بصفة استثنائية أي اجراء ذي طابع اقتصادي أو مالي أو اجتماعي أو بيئي يكتسب صبغة استعجالية ".

هذا ما تقوله أهم مواد قانون الطوارئ الصحية، فماذا يقول الواقع على الأرض؟

القانون يقول بأن الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية يكون كلما كانت حياة الأشخاص وسلامتهم مهددة من جراء انتشار أمراض معدية أو وبائية، فهل الوضع الصحي والوبائي اليوم بالمغرب وبكل جهاته وأقاليمه يعرف هذا الانتشار ؟؟ هل لدى الحكومة أرقاما سرية لا نعلمها غير الأرقام والإحصائيات اليومية التي تعلنها وزارة الصحة والتي تشير يوميا إلى التراجع الكبير في نسبة الموتى بل وفي عدد المصابين بالوباء الذي لم يعد يتعدى العشرات ولا يصل بتاتا للمئات، في مقابل ارتفاع عدد حالات الشفاء. فعلى أي أرضية تستند الحكومة لتمديد حالة الطوارئ الصحية ؟؟ وما مدى قانونية بل دستورية هذا التمديد ؟؟

أكيد أن ما يدفع الحكومة لهذا التمديد ليس ما جاء في المادة الأولى من هذا القانون و الذي يوضح حالات إعلان حالة الطوارئ الصحية ، بل ما يدفعها لذلك هو ما جاء في المادة الثالثة منه ، هذه المادة التي تطلق يد الحكومة و تجعلها فوق المحاسبة و فوق المراقبة ، و تجعلها فوق السلطة التشريعية نفسها ، أي فوق ممثلي الأمة و فوق السلطة التي منحها إياهم الدستور المغربي ، فهذه المادة هي التي تسيل لعاب الحكومة وخاصة وزارة الداخلية و تجعلها تسارع نهاية كل شهر لطرح مشروع جديد لتمديد مدة سريان مفعول حالة الطوارئ الصحية بسائر التراب الوطني، كيف لا و هذه المادة تسمح للحكومة بأن تتخذ جميع التدابير اللازمة ، وذلك عبر مراسيم و مقررات تنظيمية و إدارية بل و هذا الأدهى والأمر بمجرد " مناشير و بلاغات "، وهكذا و حسب هذه المادة تصبح للبلاغ سلطة تفوق سلطة القانون، ويصبح البلاغ أعلى درجة من كل نقاشات وقرارات السلطة التشريعية، السلطة الأعلى من السلطة التنفيذية ، فهذه المادة تجعل الحكومة فوق الجميع ، فكيف والحالة هذه لا تسرع الحكومة لهذا التمديد غير المقبول صحيا و اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، أما رفض و تنديد الحميع به ؟؟

ولعل ما يدفع وزارة الداخلية لطرح هذا المشروع في كل المجالس الحكومية المنعقدة في نهايات كل شهر هو يمنحها من مزيد من التغول ومزيد من التسلط و مزيد من التحكم، فيكفي أن تلقي نظرة على المادة الرابعة من قانون الطوارئ الصحية و مقارنته بواقع حياتنا اليومية كمواطنات ومواطنين لتدرك مدى الترهيب والتخويف والتهديد الذي نعيش تحته، وكيف أننا جميعنا نعيش حالة سراح مؤقت من الممكن أن يزج بنا في غياهب السجون في أي لحظة وحين ، فالمادة 4 من هذا القانون توجب على " كل شخص يوجد في منطقة من المناطق التي أعلنت فيها حالة الطوارئ التقيد بالأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات العمومية " وفي حالة عدم التقيد فـ " يعاقب يالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر و بغرامة تتراوح بين 300 و 1300 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين على مخالفة أحكام الفقرة السابقة " .

ألسنا جميعنا وبدون استثناء مهددين بالاعتقال والحبس وبأداء الغرامة ؟؟ يكفي أن تلقي نظرة على نفسك وعلى من حواليك وتقارن حالتك ووضعك وتقارنها بالأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات العمومية لتدرك وفي لمحة البصر أنك واقع خارج القانون وتحت مواد العقوبة وإلا من منا أصبح يحترم الاجراءات الصحية و إجراءات التباعد ؟؟ من منا يضع الكمامة ؟؟ من منا يحافظ على اجراءات التباعد ؟؟ من منا يحافظ على التعقيم ؟؟ من منا يحترم العدد المسموح به في التجمعات ؟؟ من منا يدلي بجواز التلقيح وهو يهم بالدخول لأي مؤسسة عمومية أو خاصة بما في ذلك المقاهي ؟؟ من منا في هذه الأيام المباركة يحترم اجراءات السفر والتنقل ؟؟ من منا يحترم هذه القرارات والاجراءات في لقاءاته في اجتماعاته في تنقلاته في أعماله ؟؟ ألسنا جميعا تحت رحمة سيف تمديد هذا القانون ؟؟؟

وهنا تتضح لنا جليا أهم أسباب وعوامل هذا التمديد، فليس السبب سبب صحي فقط بل السبب هو مزيد من التغول، مزيد من التسلط، مزيد من التحكم، ولك أن تسأل عدد من المحبوسين والمعتقلين والمتابعين بهذا القانون لتدرك ذلك.

السبب هو جعل الحكومة وبعض قطاعاتها الوزارية فوق المحاسبة وفوق المساءلة وفوق المراقبة ..

السبب هو تمكين الحكومة وبعض قطاعاتها الوزارية من اتخاذ قرارات هامة عبر مناشير بل بمجرد نشر بلاغات ..

السبب هو مزيد من تهميش للعمل المؤسساتي و على رأسه مؤسسة البرلمان و سلطاته الدستورية..

السبب هو تحكم السلطة التنفيذية في عمل السلطة التشريعية ولو أدى الأمر لمنع ممثلي الأمة من ممارسة مهامهم التشريعية والدستورية، بل ومنعهم حتى من ولوج قبة البرلمان وهو الحق الذي فوضته لهم الأمة والدستور المغربي والفصل الثاني منه يقول بذلك بكامل الوضوح، ولكم أن تسألوا النائبة البرلمانية، ممثلة الأمة " نبيلة منيب " عن هذا المنع وعن هذا الخرق الدستوري وسيأتيكم الخبر اليقين.

 

جمال العسري، عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد