الاثنين 24 يناير 2022
في الصميم

الوكالة الحضرية.. ربح أم عبء على الدارالبيضاء؟

الوكالة الحضرية.. ربح أم عبء على الدارالبيضاء؟ عبد الرحيم أريري
تكاد مدن المغرب تتميز لوحدها من بين دول العالم المتمدن في التخطيط الأعرج.
فقبل انتفاضة يونيو 1981 بالبيضاء كان التبرير المقدم للأعطاب المتراكمة، أن العاصمة الاقتصادية تسير بدون لوحة قيادة وبدون تصميم، بل وبدون عقل تقني يخطط ويرعى تطوير المشاريع الحضرية، فتم خلق الوكالة الحضرية للدارالبيضاء عام 1984.

ولإعطاء «قدسية» لهذا المولود المؤسساتي، تم إلحاق الوكالة الحضرية للبيضاء بوزارة الداخلية وليس بوزارة الإسكان والتعمير، و»اكتملت الباهية» بتنصيب عامل على رأسها منذ أن خلقت إلى يومنا هذا، حتى يكون في مستوى الندية مع مخاطبيه من رجال السلطة، وحتى يكون محصنا من كل محاسبة سياسية.

الآن وقد مرت 37 سنة على خلق الوكالة الحضرية للبيضاء، يحق لنا أن نسائل المشرع والسلطات عن الحصيلة: ماهي  القيمة المضافة التي قدمتها الوكالة للمشهد الحضري بالبيضاء؟ هل ساهمت في تحسين جودة عيش السكان أم كانت نذير شؤم؟ هل كانت الوكالة فعلا هيأة استشارية تقنية مسؤولة ومواطنة موضوعة رهن إشارة المتدخلين العموميين في مجال التخطيط الحضري أم كانت مجرد «بورصة عقارية» تضع « بيض العقار»في سلة واحدة  لخدمة لوبيات على حساب المصلحة العامة؟ هل كان مهندسو الوكالة الحضرية وتقنيوها ومكاتب دراساتها في خدمة رؤية تعميرية تروم توزيعا عقلانيا للأنشطة ولوظائف كل شارع وكل حي وعلاقة بعضها ببعض، أم كانوا في خدمة خطة تقود البيضاء إلى الكانيباليزم والفوضى والاختلال؟

لاتعدمنا الأمثلة للبرهنة على مشروعية التساؤلات الحارقة المطروحة: اذهبوا إلى الجنوب الغربي للبيضاء حيث ستلاحظون أن هذا الحوض الممتد من حي زينيت إلى سيدي الخدير مرورا بسيدي معروف وكازانيرشور والنسيم وليساسفة والزوبير والألفة، نما وتنمى بشكل عشوائي وبدون هوية: أحياء سكنية وأحياء صناعية ومركبات خدماتية ومجمعات سكنية ضخمة رخصت  في إطار الاستثناء بدون توفير مرافق أو ساحات عمومية أوحدائق أو باركينات أو شوارع محورية، بل لا تتوفر المنطقة حتى على أسواق بلدية كافية،مما جعل حوالي 700 ألف نسمة تتبضع من الباعة المتجولين بالشوارع ومن الأسواق العشوائية المتسخة والفاقدة لشروط الصحة والوقاية!

وهاهو الشمال الشرقي للبيضاء: من البرنوصي إلى التشارك ومولاي رشيد، مرورا بحي الأزهر ومدينتي وأناسي وأهل الغلام وسيدي مومن، يتعرض الآن لأبشع عملية كانيباليزم عقاري بشكل ينذر بميلاد جيل أخطر من جيل «طوما» و»السكويلة» الذي تورط في الأحداث الإرهابية يوم 16 ماي 2003. واسألوا مدير سجن عكاشة ووالي أمن البيضاء عن أصل السجناء والأحياء التي ينحدرون منها وما هي خطورتهم الإجرامية، فلديهما الخبر اليقين.

وهاهي الأقطاب الحضرية المفتوحة بالهراويين والرحمة والنواصر وبني يخلف والمنصورية ومديونة وزناتة تحولت (رغم حداثة نشأتها) إلى فضاءات مثقلة بالأعطاب والأوجاع، علما أن خلقها كان بدافع التغطية على بشاعة الموروث العمراني داخل البيضاء.(أصحاب الهمزة جمعوا لفلوس وسكان هذه الأقطاب يعيشون في البؤس).

خذوا مثال الترامواي، ألا يفرح المخططون والمدبرون بمدن العالم المتمدن كلما فتح خط جديد للترامواي هناك، في حين تحول الترامواي بالبيضاء إلى كابوس مزعج لكل الأجهزة العمومية( مدنية كانت أو أمنية)، لغياب تخطيط وتشبيك لوسائل النقل مجتمعة، وعدم توزيع الحافلات بما يتلاءم مع حجم التراقصات بهذا الحي أو ذاك، لدرجة تجد الطوبيس والطاكسي والترام «يتقاتلون» لنقل الركاب في محور طرقي واحد، في حين «يتسخسخ» مواطنو أحياء الهامش بحثا عن خطاف أو تريبورتو أو «كرويلة» لنقلهم إلى حيث يعملون أو يدرسون!  بل لم تفلح مدينة البيضاء إلى حد الآن في تمكين الراكب من تذكرة واحدة يستعملها في الترام والطوبيس في آن واحد وفي اتجاه واحد إسوة بما هو معمول به في كل مدن العالم المتحضر. 

والطامة الكبرى أن المشاريع التي صممتها الوكالة الحضرية في وثائق التعمير وبصمت عليها الجماعة الحضرية والعمالة، تحولت كلها إلى ماكينة لشفط رجال الشرطة من الكوميساريات والفرق الأمنية لتسخيرهم للتغطية على فشل المسيرين والمدبرين لشؤون المدينة.

فمن قبل كشفنا كيف أن الأوراش العشوائية بالبيضاء تسببت في تسخير 400 رجل أمن لتدبير السير والجولان بالنقط السوداء التي خلقتها هذه الأوراش، واليوم نضيف مثالين أسودين: 
 
المثال الأول، يهم الترامواي الذي يتجند له لوحده حوالي 100 من رجال الأمن بالبيضاء، وهذا أمر غير مقبول إطلاقا في مدن أوربا أو آسيا، لأن الترام أو الميترو هناك يحل المشكل وليس يخلق متاعب في السير والجولان، وبالتالي يتفرغ البوليس هناك لمهامهم  الأصلية المتمثلة في محاربة الإجرام وإشاعة الأمن بالمدينة، بدل إرهاق الشرطة بأمور تخص تنظيم السير، خاصة وأن هناك نظم معلوماتية وإشارات مرور ذكية تفي بالغرض.

المثال الثاني، أصبح سبة في جبين الدارالبيضاء، يتمثل في تسخير العديد من رجال الشرطة في الشوارع الرئيسية لتنظيم المرور، ليس لأن المدينة تعرف تدفقا هائلا في السياحة أو في تنظيم المهرجانات أو الكرنفالات أو تعرف ارتفاعا في ناتجها الداخلي الخام، بل لأن الوكالة الحضرية والجماعة الحضرية بالبيضاء ارتكبتا جرما لايغتفر، ألا وهو الترخيص بإحداث مدارس خاصة عديدة بشوارع الأحياء دون تخطيط ودون إلزام أرباب المدارس بتجهيز مرائب باطنية أو عمودية لسيارات النقل المدرسي وسيارات موظفيها، مما حول هذه المدارس الخاصة إلى بؤرة وبائية خطيرة تخنق السير والتنقل (شوارع: الروداني، ميموزا، الزيراوي، 2 مارس، فاس، زفزاف، القدس، أم الربيع، الأدارسة، طريق الجديدة، طريق أزمور، الفوارات إلخ....).
 
أبعد كل هذا يحق الاستمرار في السكوت؟ ألا يحتاج الأمر إلى وقفة لمراجعة وتقييم ما تم اعتماده من تصاميم ومراجعة الوظائف المخصصة لكل شارع أو حي ؟!