الأربعاء 19 يونيو 2019
كتاب الرأي

سليمة فراجي: كيف يقع إثبات أن أحد الزوجين تصرف بسوء نية في أملاكه

سليمة فراجي: كيف يقع إثبات أن أحد الزوجين تصرف بسوء نية في أملاكه سليمة فراجي
أليس ذلك تطاول على الفصل 35 من دستور المملكة الذي يضمن حق الملكية ؟
سيطرح تطبيق الفصل 1-526 من القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء عدة إشكاليات قانونية وواقعية وأحيانا تطاولا على حقوق مضمونة دستوريا، إذ نص على العقاب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من 2000 إلى 10000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين، أحد الزوجين في حالة تبديد أو تفويت أمواله بسوء نية وبقصد الأضرار بالزوج الآخر أو الأبناء أو التحايل على مقتضيات مدونة الأسرة المتعلقة بالنفقة أو السكن أو بالمستحقات المترتبة عن إنهاء العلاقة الزوجية أو باقتسام الممتلكات .
يبدو هذا الفصل في ظاهره موفرا للحماية والأمن المالي للزوجين، علما أن ما يسري على الزوج يسري، أيضا، على الزوجة لان الفصل أشار إلى : أحد الزوجين ، لذلك وحتى لا يتم الاصطفاف إلى فئة الرجال أو فئة النساء فان حق الملكية حق مقدس وغير قابل للخرق وهو حق دستوري نص عليه دستور 2011 في الفصل 35 الذي مفاده أن القانون يضمن حق الملكية الذي يخول للمالك حق التصرف والاستعمال والاستغلال، وانه بالنسبة لتدبير الأموال المكتسبة من لدن الزوجين خلال فترة الزواج فانه في إطار المساواة ومراعاة لما قد تقوم به الزوجة من أعمال وخدمات تساهم في اكتساب وتنمية الأموال أثناء قيام العلاقة الزوجية وتجنبا للخلاف الذي يمكن أن يحدث بينهما ، فانه يتم إرشادهما إلى إمكانية تنظيم الشؤون المالية بواسطة الاتفاق علما أن العدلين اللذين يكلفان بتوثيق عقد الزواج يقومان بإشعارهما بأحكام المادة 49 التي نصت أن لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر غير انه يجوز لهما في إطار تدبير الأموال التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية على استثمارها وتوزيعها ، نستنتج من ذلك أن استقلال الذمة المالية لكل من الزوجين هي الأصل ، وهذا المنحى سلكه المشرع المغربي تماشيا مع أحكام الشريعة الإسلامية، و الذي أكد على ضرورة فصل الذمم المالية وهو مبدأ كان موجودا في مدونة الأحوال الشخصية السابقة في الفصل 35 والذي أعطى الحرية المطلقة للزوجة في التصرف بمالها دون رقابة أو وصاية من قبل الزوج ، لذلك إذا كان فصل الذمم هو الأصل فان مدونة الأسرة الحالية أجازته وأقرت تدبير الأموال المكتسبة عن طريق الاتفاق التعاقدي ، لذلك فانه عند توثيق عقد الزواج يشعر العدلان الزوجين بالمقتضيات القانونية التي تمكن من تنظيم الشؤون المالية ، وبالتالي فان المشرع لم يلزم الزوجين بهذا الاتفاق التعاقدي، إذ جاء بصيغة الجواز، وأن هذا الاتفاق إن وجد فانه يضمن في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج ، وفي حالة عدم تحرير الاتفاق من طرف العدلين فان المشرع يجيز الرجوع إلى القواعد العامة للإثبات مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين وما قدمه من مجهودات وما تحمله من أعباء لتنمية الأموال المكتسبة أثناء قيام الزوجية ، لذلك إذا كان الزوجان لم يتفقا عن طريق التعاقد على تنظيم وتوزيع الأموال المكتسبة أثناء قيام الزوجية ، فان هذا القانون يجيز لأحد الزوجين تقديم شكاية جنحية لمجرد أن احد الزوجين تصرف في أمواله بالتفويت ونعني بالتفويت البيع او الصدقة أو الهبة ... وقد يتعلق الأمر بعقار محفظ في اسم احد الزوجين او ربما ورثه عن مورثه ، يبيعه الزوج أو الزوجة من اجل استثماره في مجالات أخرى ويفاجأ بشكاية قد تؤدي إلى المتابعة والحكم بالحبس والغرامة والحال انه مالك رسم عقاري يخصه أو يخصها ومتمتعين بكامل الحماية القانونية التي يخولها له حق الملكية من التصرف والاستعمال والاستغلال ؟ ذلك أن الفصل الذي أشار إلى التفويت أو التبديد بسوء نية قصد الإضرار بالزوج الآخر قد يطرح عمليا عدة إشكالات ، إذ أن الزوج ملزم بأداء النفقة في جميع الأحوال وان لم يؤدها يتابع بجريمة إهمال الأسرة ، وبالنسبة لمستحقات الزوجة المترتبة عن إنهاء العلاقة الزوجية ،فان الطلاق لا يصبح نافذا إلا بعد وضع المستحقات بصندوق المحكمة ، وان اقتسام الأموال لا يتحقق إلا بناء على اتفاق تعاقدي بين الزوجين وفي غيابه يلجأ إلى وسائل الإثبات ، لذلك فان هذا المقتضى بقدر ما يبدو في ظاهره انه يحمي احد الزوجين ماليا من تعسفات الزوج الآخر فانه قد يتناقض مع مبدأ كوني هو كون حق الملكية حق مقدس وغير قابل للخرق وحق دستوري بقوة الفصل 35 من الدستور ،و إن عدم أداء النفقة الذي تترتب عنه مسطرة إهمال الأسرة، أو مستحقات الزوجة اثر انفصام العلاقة الزوجية أو طريقة تنظيم الأموال المكتسبة أثناء الزوجية وتوزيعها واقتسامها منظمة بمقتضى نصوص قانونية ، وبالتالي لم يكن لهذا المشروع أن يسن مقتضيات من شأنها المساس بحق الملكية ومصادرة المالك حقه في التصرف بالتفويت !
بل يصبح أي زوج أو زوجة مهدد بالحبس والغرامة في حالة تفويت أملاكه الذي يعتبر حقا من حقوقه اثر تقديم الزوج الآخر شكاية ضده، ولعل هذا الارتباك الذي سيخلق وضعا شاذا وسنشهد تكاثر الشكايات بمجرد ان يعمد زوج أو زوجة إلى تفويت ملك خالص له على اعتبار أن مجرد بيع الزوج أو الزوجة لعقار أو ملك له قد يعتبره الزوج الآخر مبنيا على سوء نية بل وملحقا بالاضرار الذي تفتح المجال للشكايات وسيقع على المحكمة استنباط سوء النية من عدمها ناهيك عن تقمص القاضي لدور المحلل النفسي لاستنتاج الضرر النفسي وتفسير العبارات الفضفاضة الغامضة ، في انتظار الاجتهاد القضائي ، علما ان سوء التطبيق أو التفسير السيء لهذا الفصل سيدفع بالشباب الى العزوف عن الزواج خوفا من الحد من حريتهم في التصرف في أملاكهم ، وفِي انتظار ان يدخل القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين حيز التنفيذ ، آنذاك سيتم ربما الدفع بعدم مطابقة هذا النص الذي يحد من حق الملكية مع الفصل 35 من الدستور الذي يحمي ويضمن حق الملكية التي تعتبر حقا غير قابل للخرق Le droit de propriété est un droit sacré et inviolable
 
سليمة فراجي، محامية بهيأة وجدة، وبرلمانية سابقة