الأحد 21 أكتوبر 2018
كتاب الرأي

اليزيد البركة:نحو مراجعة لاستراتيجية المقاومة الفلسطينية

اليزيد البركة:نحو مراجعة لاستراتيجية المقاومة الفلسطينية اليزيد البركة
 

من الواضح جدا أن ما سمي بالصواريخ الفلسطينية ليست صواريخ بالمعنى العسكري للكلمة وأن نتائجها العسكرية تشكل صفرا ،ونتائجها السياسية سلبية على القضية الفلسطينية، يحرك حولها الاعلام الغربي دائما وأبدا ،الخطاب الفلسطيني كما يروجها هذا الأخير بفخر واعتزاز لكي يبين أن المقاومة في "مواجهة عنف متكافئة "  " في دوامة من العنف " .... مع صواريخ اسرائيل المنطلقة من المدفعية ومن الطائرات بينما الواقع على عكس ذلك تماما .

أذن على المقاومة إعادة نظرها في الاستراتيجية الحالية وإعداد استراتيجية جديدة قادرة على شل فعالية الطيران والمدفعية والأسلحة النارية الثقيلة التي تطلق عن بعد .

أنا لست متطفلا على الكفاح المسلح الفلسطيني بل من المساهمين فيه في شبابي لذا من المفيد جدا أن أدلو بدلوي في هذا الموضوع أسوة بالعديد من الأطر العسكرية الفلسطينية التي - بدون شك- تسهر على تطوير المقاومة باستمرار حتى تكون أكثر قوة وفعالية وذات جدوى سياسية وعسكرية .

من البديهي أن حرب جديدة بين الفلسطينيين والجيش الاسرائيلي لن تمر بمعزل عن الحرب بين حزب الله والجيش الاسرائيلي بل لابد أن تشعل حتى الجبهة السورية ، ومن البديهي أيضا أن صعود اليمين الصهيوني إلى الحكم في أمريكا في ظرف وجود اليمين في اسرائيل سيكون له أثر سلبي جدا على أي حرب مستقبلية على المدنيين في الضفة وغزة ولبنان وقد أعطانا اليمين الصهيوني الأمريكي المثال على ذلك في مدينة الرقة التي كان سكانها من السنة والمسيحيين وهم فلاحون مسالمون من أطيب الناس وذوي كرم مثالي  وقد اختارت أمريكا لكي تسلمها للأبد للأكراد أن تمحو تماما هذه الديموغرافيا بالقتل والإرغام على الهجرة في كل الاتجاهات وتدمير كل المدينة رأسا على عقب لأن أولائك السكان بالكامل لن يقبلوا بإدارة كردية . لذا من لا ينتظر هذا السيناريو في غزة مثلا من طرف اسرائيل بذريعة الرد على " الصواريخ"- وفي الحقيقة ليست إلا شهبا - يكون كمن يدفن رأسه في الرمال .

من إيجابيات أوسلو القليلة أن كل الأطر السياسية والعسكرية الفلسطينية أصبحت في غزة أو الضفة بدل التواجد في دول قريبة أو بعيدة من الشعب الفلسطيني ، وقد سمح هذا التواجد وسط الشعب من أن يتخطى حالة الخوف من الجيش الاسرائيلي في الخمسينات والستينات وأصبح لدى الشعب الفلسطيني جيل جديد من الشباب لا يهاب أحدا ومستعد لتقديم التضحيات لنيل استقلاله ودحر الاستعمار الصهيوني المسنود من أمريكا . لقد كانت الأطر الفلسطينية تدفع مجموعات صغيرة انطلاقا من الدول المجاورة للقيام بعمليات عسكرية ، لكن كانت هذه المجموعات تتصيدها الطائرات في طريق عودتها وتتعرض لخسائر كثيرا ما تكون كبيرة ،وهذه العمليات أعطت منذ ذلك التاريخ من أواخر الستنينات؛ مؤشرا على نقطة ضعف الجيش الاسرائيلي ونقطة قوته. الآن شروط وظروف كثيرة تغيرت لصالح المقاومة الفلسطينية منها القوة البشرية المستعدة للكفاح المسلح من شباب الشعب الفلسطيني بدل الاقتحام من الاردن وسوريا ولبنان أو البحر مع العلم أن كل شعوب البلدان المحيطة باسرائيل لديها قناعة الآن بأن الجيش الاسرائيلي والقادة السياسيين تعدوا الحدود في التعامل مع شعوب المنطقة ووصل إلى تعامل يحمل الكثير من الاهانات السياسية.

لا يمكن للمقاومة الفلسطينية أن تنافس الجيش الاسرائيلي في الطيران والصواريخ والمدفعية ولم يسبق في التاريخ أن تمكنت ثورة من تحقيق ذلك بل أن تلك الأسلحة تعتبر عائقا للتحرك السريع وللمباغتة ولنيل عطف الشعوب الدولية  ولإخفاء السلاح .

كما أنه من الجهل السياسي الاستهانة بالمقاومة السلمية وفضح العدو الهمجي في مقابل شعب مسالم تحت الاحتلال لا يطلب إلا الاستقلال .  إن صورة طفلة فيتنامية عارية تماما تجري مهرولة ووراءها ألسنة النيران تلتهم قريتها بضربة من طائرات ب 52  في الساعات الأخيرة من ليلة باردة أعطت مردودا سياسيا فاق العديد من الانتصارات العسكرية الفيتنامية ضد الامريكيين . لذا لا يجب تحويل فتح أو حماس إلى منظمتين عسكريتين كما يدعو البعض، إن الدور السياسي  والتعبوي واللوجيستيكي والدعائي والدبلوماسي ما يزال مطلوبا وبقوة فالظرف يتطلب بروز تنظيمات مسلحة بعيدا عن أسم فتح وحماس .

كيف يمكن تجنب الطيران والصواريخ والمدفعية والأسلحة الثقيلة ؟

في آخر الستينات وأمام الخسائر التي تتعرض له المجموعات الصغيرة عند عودتها كان عدد من الشباب يقول : " لمادا نعود إلى مراكزنا ؟ " في الحقيقة هنا يكمن الجواب ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار التطورات الايجابية التي حصلت لفائدة المقاومة الفلسطينية .

إن فعالية الطيران والصواريخ والمدفعية والاسلحة الثقيلة المنطلقة من بُعد،  تفـقد فعاليتها عند الالتحام مع العدو ،مباشرة ووجها لوجه وسط السكان الفلسطسنيين، وعند الالتحام معه وجها لوجهوسط السكان الاسرائييليين . فأمام التطور الجديد الذي أدى إليه من كان راعيا للسلام تفرض الظروف السياسية تدشين مرحلة التحرير المباشر وليس البحث عن المفاوضات أو تحريك عمليات عسكرية متفرقة للضغط من أجل الوصول من جديد إلى المفاوضات . إن انطلاق التحرير في عدد من المدن الفلسطينية والسيطرة على مقرات الجيش الاسرائيلي واستخباراته والسيطرة على المستوطنات وأسر كل من يحمل سلاحا يؤدي إلى شل الطيران وغيره كما أن السيطرة على مدينة مثل القدس الغربية يمثل ضربة موجعة لا حد لها للعدو الاسرائيلي ولأمريكا .

إن هذه الخطة القائمة على التحرير المباشر بأسلحة فردية وخفيفة وأسر قوات العدو في البلدات الفلسطينية ،وعلى التحرير وأسر قوات العدو في بلدات إسرائيلية يؤدي إلى شل حركة العتاد العسكري الذي تتباهى به اسرائيل ، تحتاج إلى خطط عديدة في كل حلقاتها ومجالاتها ، انما على المقاومة وحتى يؤدي التحرير مهامه النبيلة الابتعاد عن العنصرية والتمييز العرقي بمعنى عدم قتل أو أسر إلا من يحمل سلاحا ويواجه المقاومة، وليس كل يهودي إذ عليها أن تنطلق من أنه في آخر المطاف وبعد الاستقلال بعقود لابد من دولة فلسطينية موحدة وعلمانية بعد سقوط الدولة الصهيونية العنصرية لأن اقتصاد فلسطين وأنهارها وحقولها وخيراتها  لا تجدي إذا تقسمت . إذن يجب على المقاومة أن تخوض نضالا دعائيا موجها لليهود على أنها لن تواجه إلا من يحمل سلاحا وأنها ليست ضد اليهود كيهود وأن الشعب الفلسطيني في دولة ديمقراطية مستعد للتعايش مع اليهود في دولة ديمقراطية وعلمانية لكل أن يمارس فيها شعائره الدينية بحرية وسلام.