تخيل مدينة تطفو بين البحر والسماء، حيث الأزقة الضيقة تصدح بألوان التاريخ، والأسواق تعج بالروائح والأنغام، وكل زاوية تحكي حكاية.
هذه هي الصويرة، مدينة الأسوار والبوابات القديمة، حيث الرياح تعزف لحنا مستمرا، والضوء ينساب على الجدران البيضاء والأبواب الزرقاء.
في ربيع 1987، دخلها رجل غريب، دنماركي القلب والروح، لم يأت للسياحة، وإنما أتى ليكتب قصة عشق حقيقي مع المدينة، ويحوّل فنها من الهامش إلى العالمية، هذا الرجل هو: فردريك دامغارد، الذي وُلد في 29 مارس 1937، في مدينة سفيندبورغ الدنماركية، حيث البحر والسماء يتحدان في أفق هادئ. قلبه ينبض بالشغف والجمال، شغف لم تعرفه حدود بلده الصغير، عندما بلغ العشرين، قرر أن يحمل حقيبته ويتجه إلى فرنسا، نحو السوربون واللوفر، لينغمس في دراسة تاريخ الفن، متخصصا في الفن الإسلامي، باحثا عن جماليات الشرق وروحها العميقة.
لم يكتف بالدراسة الأكاديمية فحسب، فقد سافر إلى بلدان عربية عدة، من مصر إلى المغرب العربي، يراقب تحفها المعمارية، ويغوص في ألوانها وأنماطها.
في مدينتي باريس ونيس بفرنسا، أسس أروقة فنية لعرض الكنوز الشرقية، وشارك في ندوات وأبحاث حول الفن الإسلامي، كل ذلك وهو يتهيأ لمواجهة القدر الذي سيقوده إلى مدينة الصويرة، المدينة التي ستغير حياته إلى الأبد.
الصويرة… المدينة التي أسرته منذ النظرة الأولى
في ربيع 1987، وبين رحلة طويلة عبر المغرب، حطت قدماه على أرض مراكش، المدينة العريقة التي أسرت قلبه بروعة معمارها وروحها النابضة.
لكن بالصويرة، وقف على أحد المرتفعات، فبدت له المدينة كلوحة حالمة، تتأرجح بين زرقة البحر وامتداد السماء. أحس في تلك اللحظة الساحرة، أن قلبه تعلق بهذه المدينة تعلقا شديدا، وأنها ستصبح لا محالة بيته الثاني.
بدأ يتجول في الأزقة الضيقة، يستمع إلى همسات الحيطان، ويراقب وجوه السكان التي تحمل عبق التاريخ.
كان كل مشهد بمثابة قصيدة حية، وكل زاوية تحكي حكاية. هنا قرر البقاء، ليس كمجرد زائر، بل كابن عاشق للمدينة وروحها.
الغوص في روح الصويرة والفن الفطري
اختار دامغارد منزلا في قلب المدينة العتيقة، غير بعيد عن القنصلية الدنماركية، التي لعبت تاريخيا دورا مهما في تعزيز العلاقات الثقافية والتجارية بين المغرب والدنمارك، واستمر دامغارد في هذه الروح من خلال جهوده لترويج الفن الصويري.
حين استقر دامكارد، بالمدينة العتيقة للصويرة، بدأ دراسة تاريخها وحياة سكانها، مغرما بتفاصيلها اليومية، وسرعان ما بدأ بجمع أعمال الفنانين المحليين، من بينهم القيدوم الراحل بوجمعة الأخضر، ليضع حجر الأساس لحركة فنية فطرية كانت تنتظر من يبرزها للعالم.
لم يكن دامكارد مجرد جامع أعمال فنية، لقد كان مرشدا للفنانين ورافدا لمسارهم، محفزا لهم على إظهار إبداعاتهم.
كل لوحة جمعها كانت رسالة محبة للمدينة، وكل منحوتة كانت شاهدة على قدرة الإبداع البشري في قلب الصويرة.
الرواق… نافذة الضوء والأمل
في صيف 1988، افتتح دامغارد رواقه بساحة المشوار، حيث رائحة التاريخ ينطق بمجدها التليد، لم يكن الرواق مجرد فضاء عرض، وإنما كان ملتقى للفنانين، ومنصة لاكتشاف المواهب المخفية.
وبحلول عام 1989، شهد الرواق أول معرض جماعي، ضم نحو 60 فنانا وفنانة من المدينة، يقدمون لوحاتهم ورسوماتهم ومنحوتاتهم، التي جسدت الهوية المتعددة للصويرة، بين العربية والأمازيغية والعبرية والإفريقية، لتتحول المدينة من مشهد محلي هادئ إلى مركز إشعاع فني عالمي.
لم يتوقف دامكارد عند حدود المدينة، فقد دفع الفنانين المحليين نحو العالمية، كالفنانة الراحلة الركراكية بنحيلة، والفنان محمد الطبال وغيرهما، الذين وجدوا في دعمه منصة للانطلاق نحو معارض ومتاحف خارج المغرب، ليصبح الفن الفطري الصويري حاضرا على الساحة الدولية بامتياز.
انتاجات فكرية غزيرة لدامكارد
أصدر دمكارد، عدة كتب قيمة أغنى بها الساحة الثقافية الوطنية، منها على سبيل المثال لا الحصر: «Essaouira, une ville magique»، «Essaouira, le port de tomboctou، «Tabal, le peintre gnaoui d’Essaouira»،
و«Essaouira, artistes singuliers»، لتكون مرجعا يعرّف العالم بخصوصية الصويرة وإبداعها المحلي.
كما ترجم سنة 1998، مؤلفات الدبلوماسي الدنماركي جورج هوست مثل:
«Histoire du Sultan Sidi Mohammed ben Abdallah»
و«Nouvelles de mes royaumes de Marrakech et de Fès»، موفرا للباحثين مادة غنية عن تاريخ المغرب وثقافته.
بهذا الجمع بين الفن والتاريخ، أصبح دامغارد فنانا ومؤرخا وراويا للذاكرة المغربية، وشخصا يقدم المدينة وروحها للعالم بأدق تفاصيلها.
إغلاق الرواق وبداية إرث خالد
في عام 2006، اضطر دامغارد لإغلاق رواقه الفني لأسباب صحية، لكنه لم يغادر قلب المدينة. ترك وراءه إرثا حيا من الفنانين الذين صعدوا نحو العالمية، وذاكرة فنية أضاءت طريق كل من جاء بعده، لتظل بصمته حاضرة في كل ركن من أركان الصويرة، مازال رواقه، بعد تفويته، يحمل إسمه وتعرض فيه المنحوتات واللوحات التشكيلية.
تكريم ملكي لفناني ومثقفي الصويرة
في سنة 2007، تجسدت إحدى اللحظات القوية، التي ميزت زيارة جلالة الملك محمد السادس لمدينة الصويرة، في توشيح جلالته لثلاثة أساتذة متخصصين في موسيقى كناوة (معلمين) باعتبارهم يمثلون وجوها رمزية بارزة لهذا التراث الغني ذي الاشعاع العالمي الذي تزخر به الصويرة، وهم محمود غينيا وعبد السلام عليكان وعبد السلام بلغيثي، كما حظيت عدة وجوه بارزة على الساحة الثقافية أيضا بشرف تسلم أوسمة ملكية من يدي جلالة الملك تقديرا لمشوارهم الفني وإسهامهم في إغناء التراث الوطني، من ضمنهم الفنان الموسيقي عبد الرحيم الصويري، والرسامة التشكيلية ركراكية بنحيلة رائدة الفن التشكيلي الفطري بالصويرة والشخصية التي منحت اللباس الصويري الاصيل "الحايك"،إشعاعا عالميا، والفنانة نادية ميهادجي، إضافة لفريديريك دامكار، الذي كان الرائد الملهم والمؤسس الذي بفضله اشتهرت المدرسة الصويرية للفن التشكيلي الايقاعي الذي أضحى معروفا عبر العالم.
كما وشح جلالة الملك الشاعر والباحث الطيب الصويري، الذي ساهم من خلال كتاباته في الحفاظ على ذاكرة المدينة وتاريخها، والجمعويان آمة الله آيت محمد أوحماد، وحسن مسيد، اللذان يساعدان الاشخاص في وضعية صعبة، اعترافا بما يقومان به من عمل اجتماعي لفائدة السكان المحرومين.
بتوشيح هذه الكوكبة من الفنانين والمثقفين المتألقين محليا وعالميا، يكون جلالة الملك، قد سجل بحروف من ذهب في الذاكرة الصويرية، مدى غنى وموهبة جميع أولئك الذين استطاعوا بفضل إبداعاتهم تشكيل الهوية الثقافية الصويرية، التي ساهمت في تكريسها ومواكبتها عدة شخصيات.
رواق دمكارد فضاء فني وثقافي
لم يكن رواق فريدريك دمكارد مجرد فضاء للعرض، لقد كان قلبا نابضا بالثقافة والفن، حيث تلتقي الألوان بالكلمات، وتتناثر الأفكار كما تنثر الريح عطر الصويرة في الأزقة.
هنا في هذا الرواق وقعت العديد من المؤلفات الفكرية، من ضمنها الكتاب القيم، الذي ألفته سنة 1991 الكاتبة المغربية كاتيا ازولاي Essaouira Mogador Parfums d’Enfance،
بحضور مستشار جلالة الملك أندري أزولاي ووزير الدولة الراحل مولاي أحمد العلوي، ليصبح الرواق منبرا يحتضن الفن والأدب معا، ولطالما كان بوابة مفتوحة على العالم، يستقبل شخصيات بارزة مغربية ودولية، وتجتمع فيه عدسات الصحف والقنوات التلفزيونية من كل بقاع الأرض، ليشهد على إشعاع الصويرة الثقافي والفني.
الرحيل الأخير والانتماء الروحي
في 8 يوليوز 2024، ودّع دمكارد الحياة، وأوصى بأن يُدفن في مقبرة إسلامية،
وتعكس هذه الوصية مدى تعلقه بالثقافة المغربية وحبه العميق للبلد وأهله، واختار أن يكون مثواه الأخير بين المغاربة، البلد الذي احتضنه وأصبح جزءا من حياته، وكان الراحل قد اعتمد اسم "يوسف" بعد اعتناقه الإسلام، كما اخبرني بذلك صديقه المقرب الكاتب والباحث عبد الكبير نمير.
رغم رحيله، سيظل أثره حيا، في المدينة التي أحبها، وآمن بابداعات بناتها وأبنائها.
أسبوع سنوي لتخليد الرواد وإحياء إرثهم
مسار دامغارد يذكرنا بأهمية الاعتراف برواد الصويرة، أحياء وأمواتا. ومن هذا المنطلق، نقترح إحداث أسبوع ثقافي سنوي لإحياء ذاكرة المدينة، من خلال ندوات ومعارض وورشات، بمشاركة السلطات المحلية والمجالس المنتخبة والمجتمع المدني، وبتنسيق مع أسر هؤلاء الرواد، لعرض انتاجاتهم الفكرية والابداعية والتعريف بها، لدى الجيل الحالي الذي يجهل أسماء هؤلاء الرواد، وكذا أدوارهم في تنمية وإنعاش المدينة.
يستهدف هذا المشروع، أسماء وازنة، وهي كثيرة في مختلف المجالات، ممن أسهموا في إشعاع المدينة الفكري والفني والإجتماعي والإعلامي والرياضي، لتتحول الصويرة رسميا من "مدينة مبدعة" على الورق إلى واقع حي يعيشه الجميع.
ومن المبادرات العملية الأخرى: إطلاق أسماء الرواد على دروب وشوارع المدينة بدلا من أسماء لا معنى لها، كزنقة الورود أو درب البنفسج، لتبقى بصماتهم حاضرة في كل زنقة ودرب وشارع وفضاء عمومي، وفي كل خطوة يخطوها سكان وزوار الصويرة.
خاتمة تساؤلية: لماذا تتنكر الصويرة لمبدعيها؟
ومع كل هذا الإرث الخالد، تظل سئلة مشروعة يطرحها أهل المدينة:
لماذا تتنكر الصويرة لمبدعيها؟
أليس هذا تناقضا مع الصفة التي تحملها "مدينة مبدعة"؟
ومتى ستتكاثف الجهود فعليا في مجال "ثقافة الاعتراف"؟
هذه التساؤلات ليست مجرد نقد بناء، وإنما هي دعوة صريحة للجميع، للعمل بشكل جماعي لإعادة الاعتبار للرواد الأحياء منهم والأموات، الذين أسهموا في إشعاع المدينة، وهي دعوة أيضا، لتحويل شعارات "التقدير" و"الثقافة" إلى واقع ملموس، يحتفي بالإبداع المحلي كما يستحق، ويجعل التاريخ حيا في كل زاوية من زوايا الصويرة، وعلى دروبها وشوارعها وساحاتها.





