قضى الإيرانيون شهر رمضان تحت القصف الإسرائيلي الأمريكي في إطار حرب لا يعرف أحد هدفها الحقيقي... ففي كل الحروب الكبيرة والصغيرة، إذا صح التعبير، تكون الأهداف واضحة منذ بدايتها... يتم الإعلان عن الخطط لبلوغها وتعبئ الجيوش لتنفيذها، ويتولى الإعلام الدعاية لها... لكن ما يحدث اليوم في الحرب على إيران أمر محير لأن الهدف النهائي غير واضح المعالم...
النووي
غير أنه لابد من الاعتراف بأن الهدف الأساسي المبرر لهذا الهجوم يتمحور حول منع إيران من مواصلة تخصيب اليورانيوم خوفاً من توفرها على السلاح النووي... ولتحقيق هذا الهدف الإستراتيجي قنبلت أمريكا وإسرائيل كافة المختبرات والمعامل حيث يتم التخصيب رغم وجود تلك الأماكن في عمق الأرض.
لقد تمكنت أمريكا باستعمال قنابل ضخمة من ضرب تلك المعامل في الهجوم الأول، وقال الرئيس الأمريكي لقد حطمنا في أعماق تحت الأرض كافة المنشآت النووية الإيرانية.... ومعنى ذلك أن الهدف الأمريكي الإسرائيلي قد تم بلوغه وأن كل المحاولات الإيرانية لكسب السلاح النووي قد ذهبت أدراج الرياح والسؤال مادام الهدف من الهجوم قد تحقق في الضربة الأولى، فلماذا العودة إلى حرب جديدة؟
الهجوم
لقد بدا واضحا أن الرغبة الإسرائيلية في العودة إلى الحرب قد أثرت على القرار الأمريكي، وجرت أمريكا إلى حرب بدون هدف... أو لنقل بهدف يتغير باستمرار.. لقد قيل في البداية بأن الهدف من هذه الحرب هو الإطاحة بالنظام الإيراني وتعويضه بنظام ديمقراطي يحترم الحريات ويكون صديقاً لأمريكا وطيعا أمام
إسرائيل
وبعد أيام أصبح الهدف هو القضاء فقط على السلاح الإيراني البري والبحري والجوي، وبمعنى آخر الهدف هو تحويل إيران إلى دولة بلا سلاح وبلا جيش مستباحة وعاجزة عن الدفاع عن نفسها.
وبالمناسبة تمت مناداة الشعب الإيراني للقيام بمظاهرات صاخبة واحتلال الشوارع وخاصة في طهران الإسقاط النظام كما حدث في مصر وتونس حيث تمت الإطاحة بحسني مبارك وزين العابدين بن علي.
فجأة سيتم اغتيال المرشد الأعلى الإيراني وعدد من القادة الدينيين والعسكريين والسياسيين خلال اجتماع عقدوه لدراسة الأوضاع واتخاذ القرار حيال ما تتعرض له إيران.... في نفس الوقت انطلقت صواريخ
ومسيرات إيرانية لضرب إسرائيل ثم عدد من الدول الخليجية المجاورة كرد فعل حول القصف المستمر على إيران.... ولاشك أن الهدف الرئيسي من هذا القصف العشوائي هو القول لسنا الوحيدين الذين نعيش تحت القصف، فلابد أن تتقاسموا معنا هذه الوضعية التعسة.... وقيل بأن الهدف هو دفع دول مجلس التعاون الخليجي للضغط على أمريكا وإسرائيل لوقف القصف الجوي.
التدمير
وبعد مضي عدة أيام، واستمرار القصف تحولت الأهداف من المنشآت النووية إلى قواعد إطلاق للصواريخ وإلى المعامل ذات الصبغة العسكرية بل تم تجاوز ذلك إلى مقرات المخابرات والشرطة والإعلام وقاعات الاجتماع الرئاسية ... لقد سمحت إسرائيل لطيرانها بتدمير كل شيء يتحرك في إيران.... غير أن الطيران الأمريكي تجاوز كل ذلك وقصف مدرسة ابتدائية وقتل عشرات التلميذات... وقالت قيادة الجيش الأمريكي بأنها فتحت تحقيقاً في الموضوع والسؤال من جديد ما هو الهدف الحقيقي للقصف الجوي الأمريكي الإسرائيلي؟ وهل يكفي ذلك لإسقاط النظام أو إحداث ثورة شعبية أو قيام الجيش بانقلاب؟
التاريخ
لقد علمنا التاريخ أن القصف الجوي لا يكفي لتحقيق الأهداف الحربية ولنا في تاريخ الحروب الكثير من الأمثلة فلو اقتصر الحلفاء بضرب ألمانيا جواً فقط لكان هتلر لازال في الحكم... ولو اقتصر القصف الجوي للقضاء على جيوش شمال فيتنام لما انسحبت أمريكا بطريقة عشوائية وسلمت سايغون إلى مقاومي الفيتكونغ... ولو كان القصف الجوي فقط لما سقط النظام في العراق ولظل صدام حسين في مركز القيادة .... ومعنى ذلك أن القصف الجوي ليس كافيا ولكنه يمهد الطريق على الجيوش البرية للتدخل وهذا ما حدث
في العراق وأفغانستان
لكن هناك من يرد على هذا الاستنتاج بالقول.. لقد اكتفى الأمريكيون بقصف سربيا وتمكنوا من إنهاء الحرب في كوسوفو.... واكتفى الفرنسيون بقصف ليبيا للإطاحة بمعمر القذافي وبقنبلة هيروشيما تم استسلام اليابان.. وهذا القول صحيح ولكن من الصعب تعميمه على الوضعية الحالية، ومع ذلك فالرئيس الأمريكي يكرر في عدة تصريحات بأن القادم أعظم والقنبلة ستزداد قوة ولا يستبعد مشاركة وحدات برية في تحقيق الهدف الغامض لحد الآخر.
معركة وجود
إن استمرار القصف سيؤدي لا محالة إلى تقليم أظافر إيران وتحطيم كافة إمكاناتها العسكرية واغتيال غالبية قادتها عسكريين ودينيين ومدنيين إلى جانب استمرار حصارها وإضعاف اقتصادها.. إن هذه الوضعية ستجعل شعب إيران يزداد فقراً وصعوبة العيش.... غير أننا أمام شعب عريق في التاريخ أمام كتلة بشرية من مائة مليون شخص والخوف هو أن يعتبر الإيرانيون أن الهدف الأمريكي الإسرائيلي هو الإذلال والاستسلام وأن المعركة لم تعد تهدف النووي والصواريخ ولكن هدفها أبعد من ذلك... إذاك قد يشعر الإيرانيون أن المعركة معركة وجودهم وقد يرفعون شعار «علي وعلي أعدائي وإذاك تدخل المنظمة زوبعة مجهول... نتائجها.....





