معالم سقوط كراكاس ومادورو كانت ظاهرة للعيان ومن بعيد جدا ، من موسكو ومن بيكين. لم يكن الغزل خافيا بين الرئيس ترامب ونظيره الروسي بوتين بخصوص الأزمة الأوكرانية ؛ كان كل واحد منهما يكيل المديح للآخر ويثني على علاقة الاحترام المتبادل بينهما ولو إن بعض الخرجات على مواقع التواصل الإجتماعي والإعلام تحمل بعض رسائل العتاب، لكنه اشبه بعتاب بين حبيبين يجمعهما أكثر مما يفرقهما. لا يريد أي منهما أن تتحول حدائق دولهما الخلفية إلى بؤر توتر وتهديد لمشروع دولهم الإجتماعي والسياسي ولوضعهم الاعتباري كدول عظمى، إضافة لما يجب ان تناله كل واحدة منهما من نصيب عن الدور الذي تقومان به من أجل الأمن والسلم العالمي. الرئيس الامريكي لا يخفي هذا الدور الملموس في وقف عدة حروب خلال فترته الرئاسية الأخيرة ، وبعضها كما نعلم، لم يكن ليتم بدون الحليف الروسي الإستراتيجي، امام العجز البين لدول اوروبا، الاتحاد الأوروبي ، على الخصوص باعتباره يشكل النواة الصلبة لحلف ناطو. الطموح الصيني، بصرف النظر عن قضية تايوان التي لاينازع احد في كونها جزء لايتجزأ من الصين الشعبية، غير خاف وإن كان الهم الأول بالنسبة لها يبقى اقتصاديا بالنظر لعدة إكراهات، على رأسها العامل الديمغرافي المتمثل في عدد سكان يفوق 1,4 مليار نسمة في حاجة لظروف عيش تحفظ كرامة لن تتوفر بغير تحظير الاكل واللباس والصحة ووسائل الراحة و الترفيه التي لن تقوم بغير الطاقة والمعادن وصناعة جد متطورة تدخل في صلبها الصناعة العسكرية والإلكترونية.
الوعي الأمريكي بأهمية السيطرة على مصادر الطاقة وسلاسل التوريد العالمية، على مستقبلها، أمريكا أولا، لم يات متاخرا كما يراه الكثيرون ، لقد شنت الحرب على العراق من اجل هذا الهدف من ضمن اهداف أخرى استراتيجية، تضييق الخناق على دول الخليج، تهديد جيرانها في القارة الأمريكية بالضم وتغيير الأنظمة السياسية في حال عدم رضوخها لتوجيهاتها الاقتصادية والسياسية. التدخل الأمريكي الخارجي اليوم، بصرف النظر عن القانون الدولي ، ليس الأول ولن يكون الأخير في ظل حروب رسم وترسيخ نظام عالمي جديد لن يتم بدون رسم خريطة جغرافية -سياسية للعالم وتوزيع الأدوار والمهام بين القوى العظمى وعلى رأسها أمريكا ومن تم توزيع الثروات، لكل حسب نفوذها وحاجته. أمريكا لم تعد تمانع في قطبية متعددة وهي بصدد تهيئة الأرضية والمناخ المناسبين. مصير السيد مادورو لا يختلف عن مصير نورييغا او صداع حسين او القذافي او بشار الاسد ، ولن يكون رئيس أوكرانيا مختلفا، بالنسبة لهذا الأخير كل الظروف مواتية ومهيئة ، فشل سياسي وعسكري ذريع ووحدة وطنية مهترئة، لا تختلف عما عاشته اوضاع بلدان الرؤساء المشار إليها أعلاه إلا في الشكل؛ وبدون شك قد يطال العقاب دولا أوروبية اخرى، في ظل الانقسام والخلاف الذي تعرفه هذه الأخيرة.
ما هو مصير إفريقيا في ظل هذا الوضع وهذا السياق التاريخي؟
في وقت انشغلت فيه الولايات المتحدة الأمريكية بالامن الأوروبي وامن إسرائيل وتقليم أظافر الدب الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وحماية منابع البترول الغاز في الشرق الأوسط ومراقبة الممرات المائية، عملت الصين في هدوء تام على مد جسور التواصل مع بلدان إفريقيا التي حققتها الدول الإستعمارية بسياسة استنزاف مواردها الطبيعية والتحكم في أنظمة الحكم السياسية فيها، وهي السياسة التي خلقت لدى شعوب القارة كراهية لتلك الدول ولمواليها ، وعلى رأس القائمة تأتي فرنسا التي ذهبت بعض الدول إلى حد قطع كل علاقة أمنية عسكرية معها. في ظل هذا الوضع اصبح الطريق سالكا إلى إفريقيا ، عسكريا وامنيا بالنسبة لروسيا واقتصاديا بالنسبة للصين. في هذا الإطار يجب الاهتمام بالحظور المتزايد للجماعات الإسلامية في دول الساحلي الافريقي ومحاولات تسللها إلى دول الشمال الإفريقي و دول جنوب الصحراء ، حظور ياتي بتزامن مع قوات شركات عسكرية خاصة مثل قوات الفاغنر، مع اخذ بعين الاعتبار اعتماد امريكا على الجماعات الإسلامية في النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط والشرق الأقصى وإفريقيا، لكنها لا تثق فيها إلا في حدود توظيفها في قلب أنظمة الحكم ثم التخلص منها لاحقا، كما حدث في العراق ويحدث اليوم في سوريا وبلدان اخرى.
إفريقيا اليوم هي محط انظار العالم، لازالت بكرا، ما تم استنزافه من خيراتها بالرغم من ضخامته لم يتعدى حدود السرقة؛ الحاجات الصناعية والتكنولوجية لم تكن بالامس على درجة من الاهمية كما هي عليها اليوم في ظل التطور الصناعي و التكنولوجي والنمو الديموغرافي، من الطبيعي ان تصبح ساحة صراع على كل المستويات ،توظف الرأسمالية المتوحشة من أجل السيطرة عليها كل الادوات والوسائل، بما فيها العنف القوة والعنف.
الوحدة الوطنية هي صمام الأمان ضد كل تدخل أجنبي
المعركة هي معركة وجود. علمنا التاريخ بان الخطر الخارجي يبقى خارجيا إلى حين يترجمه خونة الداخل إلى مشروع لهدم الدولة عبر التسلل إلى مشاعر الجماهير ودغدغتها بشعارات براقة خادعة تمتح من الدين ومن الفكر الإنساني السامي، ويبدا المشروع في الغالب بزرع ثقافة الجشع المادي وتشجيع التسلق الاجتماعي ومنح الامتيازات للوصوليين والانتهازيين وخلق الفوارق الطبقية الفاحشة وضرب مبدأ تكافؤ الفرص والتوزيع العادل للثروة الوطنية، هذه واخرى عوامل تمهد الطريق لبداية الحقد على النظام وشرعنة حق اليد، حينها يستشري الفساد ويتعرض الامن للاهتزاز فتظهر للعلن شعارات واصوات تناصر قضايا خارجية على حساب قضايا وجودية للوطن، فيحل الوطن في الصف الثاني او الثالث ، خلف المصالح الخاصة و خلف مصالح جماعات دينية أو عرقية، عائلية، قبلية، قومية وغيرها، وحتى مصالح طبقية مادية صرفة تسوقها احزاب و نقابات قطاعية ومهنية ترى في كل إصلاح تهديدا لمصالحها في تغييب تام للمصلحة العامة.