الأربعاء 17 يوليو 2024
سياسة

في الذكرى 60 للاتحاد الإفريقي: إفريقيا.. انشغال مغربي بامتياز

في الذكرى 60 للاتحاد الإفريقي: إفريقيا.. انشغال مغربي بامتياز من محمد الخامس إلى محمد السادس، ظلت إفريقيا هاجس ملوك المغرب
بحلول  25 ماي 2023، تكون قد مرت 60 ينة على ميلاد منظمة الوحدة الافريقية( حاليا اسمها: الاتحاد الإفريقي). وهي مناسبة تستحضر فيها "أنفاس بريس"، بصمات المغرب في التأسيس، والتموجات التي طالت مسار علاقة المغرب بالمنظمة الإفريقية قبل أن يعود المغرب لشغل مقعده بالاتحاد الإفريقي:
 
لعب‭ ‬المغرب‭ ‬دورا‭ ‬محوريا‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الوحدة‭ ‬الإفريقية،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬استرجاع‭ ‬استقلالها،‭ ‬وفق‭ ‬مبادئ‭ ‬سيادية‭ ‬جديدة‭ ‬تقطع‭ ‬مع‭ ‬الاستعمار‭ ‬وتدفع‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬تحرير‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬الإفريقية‭ ‬دون‭ ‬استثناء،‭ ‬حيث‭ ‬احتضنت‭ ‬مدينة‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬1961،‭ ‬اجتماعا‭ ‬تاريخيا،‭ ‬شكل‭ ‬حسب‭ ‬مؤرخي‭ ‬إفريقيا‭ ‬المعاصرة،‭ ‬أول‭ ‬خطوة‭ ‬عملية‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬تأسيس‭ ‬منظمة‭ ‬الوحدة‭ ‬الإفريقية؛‭ ‬وهو‭ ‬الاجتماع‭ ‬الذي‭ ‬ترأسه‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬الخامس،‭ ‬وشارك‭ ‬فيه‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القادة‭ ‬الأفارقة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسهم:‭ ‬المالي‭ ‬موديبو‭ ‬كيتا،‭ ‬والغيني‭ ‬أحمد‭ ‬سيكو‭ ‬توري،‭ ‬والمصري‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر،‭ ‬والغاني‭ ‬كوامي‭ ‬نكروما،‭ ‬والإثيوبي‭ ‬هايلي‭ ‬سيلاسي،‭ ‬والجزائري‭ ‬فرحات‭ ‬عباس‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬المؤقتة،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬الليبي‭ ‬عبد‭ ‬القادر‭ ‬العلام‭ ‬الذي‭ ‬مثل‭ ‬الملك‭ ‬الليبي‭ ‬آنذاك‭ ‬محمد‭ ‬إدريس‭ ‬السنوسي‭.. ‬
وقد‭ ‬انتهى‭ ‬هذا‭ ‬الاجتماع‭ ‬إلى‭ ‬توقيع‭ ‬ميثاق‭ ‬ضم‭ ‬قرارات‭ ‬ومبادئ‭ ‬أساسية،‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تحرير‭ ‬الأراضي‭ ‬من‭ ‬الاستعمار،‭ ‬التضامن‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬الافريقية‭ ‬كلها،‭ ‬تنظيم‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والثقافي‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬القارة؛‭ ‬وهي‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬توجت‭ ‬بانعقاد‭ ‬مؤتمر‭ ‬أديس‭ ‬أبابا‭ ‬الذي‭ ‬أسفر‭ ‬عن‭ ‬ميلاد‭ ‬"منظمة‭ ‬الوحدة‭ ‬الإفريقية"،‭ ‬في‭ ‬25‭ ‬ماي‭ ‬1963،‭  ‬بحضور‭ ‬32‭ ‬دولة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬المغرب‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يقوده‭ ‬آنذاك‭ ‬الملك‭ ‬الحسن‭ ‬الثاني،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تلتحق‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬بعد‭ ‬حصولها‭ ‬على‭ ‬الاستقلال،‭ ‬مثل‭ ‬غينيا‭ ‬بيساو،‭ ‬وانغولا،‭ ‬وموزمبيق،‭ ‬وروديسيا،‭ ‬ونامبيا،‭ ‬وجنوب‭ ‬افريقيا‭. ‬
وقد‭ ‬أعلن‭ ‬رؤساء‭ ‬الدول‭ ‬الإفريقية‭ ‬المجتمعين‭ ‬بأديس‭ ‬أبابا‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬"المنظمة"‭ ‬قاعدة‭ ‬قوية‭ ‬للتعاون‭ ‬المستمر‭ ‬والبناء‭ ‬بين‭ ‬دولهم‭ ‬وأنهم‭ ‬يرغبون‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يروا‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬الافريقية‭ ‬متحدة،‭ ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬لتحقيق‭ ‬السعادة‭ ‬لشعوبها،‭ ‬وأنهم‭ ‬عازمون‭ ‬على‭ ‬تقوية‭ ‬الروابط‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬بإنشاء‭ ‬مؤسسات‭ ‬مشتركة‭ ‬وتقويتها‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬الاهداف‭ ‬السامية‭ ‬المسطرة‭ ‬في‭ ‬الميثاق‭.‬
لقد‭ ‬ظلت‭ ‬الوحدة‭ ‬الإفريقية‭ ‬انشغالا‭ ‬مغربيا‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الملك‭ ‬الحسن‭ ‬الثاني‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬"المغرب‭ ‬شجرة‭ ‬جذورها‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬وأغصانها‭ ‬في‭ ‬أوروبا"،‭ ‬حيث‭ ‬تعرض‭ ‬الحسن‭ ‬الثاني،‭ ‬وهو‭ ‬يتحدث‭ ‬خلال‭ ‬المؤتمر‭ ‬الخامس‭ ‬بالجزائر‭ ‬باسم‭ ‬المؤتمرين،‭ ‬للقادة‭ ‬حول‭ ‬التوجه‭ ‬الإفريقي‭ ‬الوحدوي،‭ ‬رغم‭ ‬إخلال‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬بالمبادئ‭ ‬التي‭ ‬نص‭ ‬عليها‭ ‬ميثاق‭ ‬المنظمة: "إننا‭ ‬أمة‭ ‬واحدة،‭ ‬وأسرة‭ ‬واحدة،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬إمكان‭ ‬أي‭ ‬أحد‭ ‬منا‭ ‬أن‭ ‬يفر‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القارة‭... ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نعيش‭ ‬ونتعايش‭... ‬فلنفكر‭ ‬إذن‭ ‬في‭ ‬الوسائل‭ ‬التي‭ ‬تمكننا‭ ‬من‭ ‬العيش‭ ‬أولا،‭ ‬ثم‭ ‬من‭ ‬التعايش‭ ‬ثانيا"‭.‬
وظل‭ ‬الحسن‭ ‬الثاني‭ ‬متمسكا‭ ‬بالجذور‭ ‬الإفريقية،‭ ‬ومنافحا‭ ‬عن‭ ‬مؤسسات‭ ‬منظمة‭ ‬الوحدة‭ ‬الإفريقية،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تعرضت‭ ‬المنظمة،‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬سنة‭ ‬1983‭ ‬وبداية‭ ‬سنة‭ ‬1984،‭ ‬للتشويه،‭ ‬بعد‭ ‬قرار‭ ‬قبول‭ ‬عضوية‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بجبهة‭ ‬البوليساريو،‭ ‬بإيعاز‭ ‬من‭ ‬الجزائر‭ ‬التي‭ ‬ظلت،‭ ‬ومازالت،‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬إنهاك‭ ‬المغرب‭ ‬ومصارعته‭ ‬في‭ ‬معاقله،‭ ‬بالإرشاء‭ ‬واستعمال‭ ‬متحصلات‭ ‬الغاز‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬استمالة‭ ‬الدول،‭ ‬وإرغامها‭ ‬على‭ ‬تبني‭ ‬أطروحتها‭ ‬العدائية‭ ‬للوحدة‭ ‬الترابية،‭ ‬مما‭ ‬أرغم‭ ‬المغرب‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬موقف‭ ‬صارم‭ ‬(أنظر‭ ‬مقال‭ ‬مولاي‭ ‬المهدي‭ ‬العلوي)‭. ‬وجاء‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬للملك‭ ‬الراحل‭ ‬الحسن‭ ‬الثاني‭ ‬إلى‭ ‬نظرائه‭ ‬الأفارقة: "ها‭ ‬قد‭ ‬حانت‭ ‬ساعة‭ ‬الفراق‭ ‬بيننا،‭ ‬لقد‭ ‬صار‭ ‬لزاما‭ ‬على‭ ‬المغرب‭ ‬ألا‭ ‬يكون‭ ‬شريكا‭ ‬في‭ ‬قرارات‭ ‬ليست‭ ‬إلا‭ ‬مسلسلا‭ ‬لا‭ ‬رجعة‭ ‬فيه‭ ‬لاندثار‭ ‬الشرعية،‭ ‬وهي‭ ‬العنصر‭ ‬الحيوي‭ ‬لكل‭ ‬منظمة‭ ‬دولية‭ ‬تحترم‭ ‬نفسها،‭ ‬فازدراء‭ ‬وخرقا‭ ‬للمادة‭ ‬ـ‭ ‬4‭ ‬ـ‭ ‬من‭ ‬ميثاق‭ ‬المنظمة؛‭ ‬ارتكبت‭ ‬المنظمة‭ ‬الإفريقية‭ ‬خطأ‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬آثار‭ ‬بعيدة‭ ‬وغير‭ ‬متوقعة‭ ‬ومتكررة‭. ‬المغرب‭ ‬إفريقي‭ ‬وسيظل‭ ‬إفريقيا‭. ‬وعندما‭ ‬سيعود‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬إضلالهم‭ ‬إلى‭ ‬سبيل‭ ‬الحكمة‭ ‬الإفريقية‭ ‬من‭ ‬تلقاء‭ ‬أنفسهم‭ ‬سيتذكر‭ ‬المغرب‭ ‬المشبع‭ ‬بالتاريخ‭ ‬والتقاليد‭ ‬أن‭ ‬ديناميكية‭ ‬الحكمة‭ ‬تتفوق‭ ‬دائما‭ ‬على‭ ‬أخطاء‭ ‬وزلات‭ ‬الطريق"‭.‬
ورغم‭ ‬انسحاب‭ ‬المغرب‭ ‬من‭ ‬منظمة‭ ‬الوحدة‭ ‬الإفريقية،‭ ‬فإنه‭ ‬ظل‭ ‬حاضرا‭ ‬بقوة‭ ‬داخل‭ ‬القارة‭ ‬السوداء،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مساهمته‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬وأمن‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬أو‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬يبعث‭ ‬بها‭ ‬المغرب‭ ‬كلما‭ ‬تعرضت‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الإفريقية‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬أو‭ ‬كارثة‭ ‬إنسانية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬الشراكات‭ ‬الأمنية‭ ‬والعسكرية‭ ‬والاستثمارات‭ ‬المتعددة‭ ‬والمتنوعة‭ ‬والتبادل‭ ‬الثقافي‭ ‬والعلمي‭ ‬والأكاديمي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬المغرب‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الإفريقية‭ ‬والعمل‭ ‬الدبلوماسي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الروابط‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬لسنين‭ ‬طويلة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬مسلمي‭ ‬إفريقيا‭ ‬ومرجعية‭ ‬إمارة‭ ‬المؤمنين‭.‬
‭ ‬هذا‭ ‬المعطى‭ ‬القوي‭ ‬في‭ ‬تعدده‭ ‬وتنوع‭ ‬قنواته،‭ ‬جعل‭ ‬المغرب‭ ‬حاضرا‭ ‬بقوة،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬استثماره‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬"الاتحاد‭ ‬الإفريقي"‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬"عودة‭ ‬أحد‭ ‬المؤسسين‭ ‬إلى‭ ‬عائلته"،‭ ‬وقد‭ ‬دشنت‭ ‬هذه‭ ‬العودة‭ ‬القوية‭ ‬بالزيارات‭ ‬المكثفة‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الإفريقية‭ ‬(50 زيارة)،‭ ‬حيث‭ ‬وافق‭ ‬قادة‭ ‬39‭ ‬دولة‭ ‬على‭ ‬عودة‭ ‬المغرب‭ ‬إلى‭ ‬المنظمة‭ ‬عام‭ ‬2017،‭ ‬ليصبح‭ ‬العضو‭ ‬الخامس‭ ‬والخمسين‭ ‬بعد‭ ‬32‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬الانسحاب،‭ ‬وجاء‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬مغلقة‭ ‬في‭ ‬القمة‭ ‬الأفريقية‭ ‬الثامنة‭ ‬والعشرين‭ ‬المنعقدة‭ ‬في‭ ‬أدديس‭ ‬أبابا:‭ ‬وهي‭ ‬القمة‭ ‬التي‭ ‬تميزت‭ ‬جلستها‭ ‬الختامية‭ ‬بخطاب‭ ‬قوي‭ ‬للملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭  ‬خاطب‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬زعماء‭ ‬القارة: "كم‭ ‬هو‭ ‬جميل‭ ‬هذا‭ ‬اليوم،‭ ‬الذي‭ ‬أعود‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬البيت،‭ ‬بعد‭ ‬طول‭ ‬غياب‭. ‬(...) فأفريقيا‭ ‬قارتي،‭ ‬وهي‭ ‬أيضا‭ ‬بيتي‭. ‬لقد‭ ‬عدت‭ ‬أخيرا‭ ‬إلى‭ ‬بيتي‭. ‬وكم‭ ‬أنا‭ ‬سعيد‭ ‬بلقائكم‭ ‬من‭ ‬جديد"‭.‬