الثلاثاء 16 يوليو 2024
مجتمع

السجناء الأفارقة بالمغرب.. شمس تشرق فـي أحشاء السجون!

السجناء الأفارقة بالمغرب.. شمس تشرق فـي أحشاء السجون! يتمتع السجناء بجميع الحقوق
لم تعد المؤسسات السجنية في المغرب فضاءات لممارسة القوة على النزلاء الذين يصنفهم القانون كأشخاص مائلين ومنحرفين أو مجرمين يتعين ضبطهم بالاحتجاز والمراقبة، بل أصبحت أساسا فضاءات للإصلاح والإدماج والتكوين والتثقيف، وتمرين للعودة إلى الحياة الطبيعية.
وقد تطور هذا الاختيار حين بدأت هذه المؤسسات تركيبة أخرى من النزلاء، ترتبط بالاختلاف الثقافي والديني، وأيضا في التوجهات الفكرية العامة؛ ويتعلق الأمر بالنزلاء الأجانب، حيث تشير التقارير إلى أن حوالي 1400 سجين أجنبي يوجدون بالسجون المغربية، خاصة من دول جنوب الصحراء وآسيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا.
ويشكل السجناء المنحدرين من دول جنوب الصحراء الأغلبية الساحقة، حيث يمثلون أكثر من 74% من مجموع السجناء الأجانب، وذلك بسبب تحولات الهجرة التي جعلت المغرب ينتقل من «بلد عبور» إلى «بلد إقامة» بالنسبة إلى عدد كبير من هؤلاء المهاجرين القادمين من مختلف بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، في سياق ما بات يعرف بالهجرة جنوب-جنوب، التي ظهرت كسبيل لتجاوز المشاكل الاجتماعية التي يعيشها هؤلاء في بلدانهم الأصلية، وكبديل عن الهجرة جنوب- شمال.
وتبعا لذلك، يرتبط ارتفاع عدد السجناء الأفارقة دول جنوب الصحراء بتحول المغرب إلى بلد استقرار مؤقت، وإلى بلد استقرار قسري، بحكم اضطرار أعداد كبيرة من المهاجرين إلى الاستقرار فيه، وتحيّن الفرصة للعبور إلى أوروبا، مما فرض على المؤسسة الأمنية المغربية، بما فيها المندوبية العامة للسجون، التعامل مع معطى جديد يتعلق بما يسمى "المهاجرون-اللاجئون" على اختلاف جنسياتهم وثقافتهم وديانتهم وطباعهم الاجتماعية، خاصة أن هؤلاء يعيشون في وضعية "هشاشة كبيرة" تؤهلهم للارتماء في حضن الجريمة، وعلى رأسها السرقة والنصب والاحتيال، بل إن بعضهم أصبح مرتبط بشبكات تهجير متطورة متخصصة في الاتجار في البشر.
ويتعرض هؤلاء السجناء الأجانب، وتحديدا المنحدرون من جنوب الصحراء، إلى مشاكل متعددة، من بينها تلك التي ترتبط بالإعاقة اللغوية، مما يؤدي إلى عدم التواصل اللغوي مع باقي السجناء المغاربة، بل أيضا مع الحراس. كما أن هناك مشاكل أخرى ترتبط بالجانب الثقافي، على مستوى «المطبخ» و«المعتقد»، والروابط الإنسانية، فضلا عن الجهل بالحقوق التي يوفرها لهم التشريع كسجناء في دولة صادقت على مجموعة من الاتفاقيات الدولية الأممية لحقوق الإنسان. ومع ذلك، فإن المندوبية العامة للسجون، وإيمانا منها بدور المؤسسة السجنية في الإدماج، عملت على تنزيل مجموعة من البرامج لفائدتهم بغاية إعادة تأهيلهم وامتصاص الطاقة السلبية للاحتجاز لديهم ومساعدتهم على التحول إلى قوة إنتاج وإبداع، على المستوى الثقافي والفني والرياضي، وأيضا إلى السماح لهم بأن يتعرفوا على القدرة الخاصة لتغيير مصائرهم بأيديهم.
إن وظيفة السجون كما تعمل إدارة السجون على تكريسها عبر جملة من البرامج «المهرجان الثقافي لفائدة السجناء الأفارقة» برنامج الثقافة والدارجة المغربيتين لفائدة السجناء الأجانب- برنامج الدعم الروحي- المنتدى الإفريقي لتعزيز قدرات المؤسسات السجنية المشتركة)، تؤسس وجودها على ضمان حقوق السجناء الأجانب بالمغرب. فبالإضافة إلى هذه الوظيفة الإدماجية التي تؤكد توجه الإدارة نحو أنسنة السجون وتحويلها إلى مجال للتثقيف والتكوين، هناك شراكات مع منظمات المجتمع المدني على أكثر من مستوى، وعلى رأسها المرصد المغربي للسجون الذي أعد «دليل السجناء والسجينات الأجانب بالمغرب»، وقدمه باللغات الفرنسية والعربية والإنجليزية، وأيضا باللغة الإسبانية، حتى يتسنى لهؤلاء السجناء الوقوف عن قرب على حقوقهم كما ينص عليها القانون.
ويهدف هذا الدليل إلى «تقديم إرشادات عملية للسجناء والسجينات الأجانب بالمغرب، بشأن الإجراءات الواجب اتباعها من أجل التمتع بحقوقهم الأساسية»، وأيضا من أجل «تيسير تواصلهم مع محيطهم السجني، والعالم الخارجي، وضمان وصولهم إلى المعلومات».
ومن أهم الإرشادات التي يحددها هذا الدليل، التنصيص على الحقوق غير القابلة للتقييد، مثل الحق في الحياة والحرية والسلامة الشخصية، وعدم التعذيب ولا التعرض للمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة، والحق في معاملة السجناء «معاملة يكون هدفها الأساسي إصلاحهم وإعادة تأهيلهم الاجتماعي»، إضافة إلى حقوق مدسترة ومقنّنة مثل «الاعتقال في ظروف ملائمة للصحة والسلامة»، وإمكان استفادة كل شخص سجين من "برامج للتكوين وإعادة الإدماج".التوجه الذي تلتزم به المديرية العامة للسجون عبر برامج التأهيل و«إعادة الإدماج»، من خلال تشجيع السجناء الأجانب على الانخراط في أنشطة تعليمية وتكوينية ودينية وثقافية وترفيهية، وهذا هو التوجه الذي جعل هؤلاء يعبرون في شهادات تضمنتها مجموعة من التقارير عن رضاهم عن المعاملة التي يتلقونها من طرف الإدارة رغم وجودهم في فضاءات الاعتقال.