السبت 25 مايو 2024
فن وثقافة

الجوهري: للكشف عن وضاعة الآخرين إقرأ رواية "كلهم على حق"

 
 
الجوهري: للكشف عن وضاعة الآخرين إقرأ رواية "كلهم على حق" عبد الاله الجوهري وغلاف رواية "كلهم على حق"
كنت معجبا بالإيطالي باولو سورينتينو كمخرج، لكن قراءة روايته "كلهم على حق" جعلتني أكاد أكفر بعوالمه السينمائية، وأؤمن ايمانا مطلقا بعبقريته الأدبية المتفردة ...

صحيح أن أفلاما ك"الجمال العظيم"، تفرض عليك الخشوع والرضوخ لفتنة القص السينمائي ونبوغ صاحبها، وتدفع بك للبحث عنها لمشاهدتها، لكن رواية "إنهم على حق"، ومنذ صفحاتها الأولى، تدفعك بأن ترفرف دون جناحين، وتعانق الكلمات المختبئة بين الصفحات، الكلمات المختارة بكثير من البراعة في وصف حالات فنان استثنائي/ إيطالي/ نابوليتاني متمرد / متفرد، اسمه أنطوني باغودا..
 
أنطوني مغني مدمن على كل أنواع الآفات،  ومرتكب كل المعصيات، مدار الحكي الروائي ومنطلق/ منتهى مجمل الأحداث، في نفس الآن. يجعلك تفقد الثقة في قيمة الحياة لأنها لا تستحق أن تعاش، وينصحك بأن تعيش كما اتفق بعيدا عن البشر السطحي السخيف، لا يتورع في هلوساته عن إنكار كل فضيلة للوجود والتمني بعدم وجود الموجود: "من خلق الحياة؟.. إنه سادي مدمن على أردئ أنواع المخدرات".
 
هكذا يرى باغودا خالق الكون، وعلى الرغم من كونه شخصا يحب الحياة لكن  يكرهها، يسب الرب ليلا لأنه يعيش عيشة الكلاب والمفارقات الضاجة بكل أنواع الموبقات، لكنه يسبح بحمده صباحا لكونه لم يقتل في زاوية أو شارع مليء باللصوص والقتلة. استطاع البقاء حيا في مدينة نابولي السيئة البشعة والغارقة في المجون وسيطرة عصابات القتلة.
 
"بوسعك أن ترتكب أي جريمة في حق اخيك الإنسان، ولكن؛ إياك أن تمس تفاهته. فحينها يتحول إلى جاموس ثائر، يهوى الإنتقام، ويتوحش كضبع، لا يرفع رأسه إلا حين ينهش آخر عظمة من ظلك على ذلك البساط الشرقي".
 
رواية "إنهم على حق" لا تستحق القراءة مرة واحدة فقط، بل القراءة والقراءة إلى ما لا نهاية لأنها قادرة أن تكشف لك مدى وضاعة الآخرين نحوك، ومستوى عبقريتك لأنك إنسان مكروه من التافهين، فقط لأنك مختلف عنهم ومتفوق عليهم  ...