الخميس 1 ديسمبر 2022
اقتصاد

بشري إكدر: أيدينا ممدودة للحوار في ملف أراضي أيتوسى

بشري إكدر: أيدينا ممدودة للحوار في ملف أراضي أيتوسى بشري إكدر ومشهد من احتجاجات بإقليم أسا الزاك

في هذا الحوار مع بشري إكدر، عضو تنسيقية الأطر للاستشارة القانونية والتتبع والمواكبة للجان الأرض، يتحدث عن خطوات الاحتجاج الذي تقوده اللجنة من أجل الحفاظ على أراضي ايتوسى في إقليم أسا الزاك.

 

+ عادت الاحتجاجات لإقليم أسا الزاك، وهذه المرة ذات طبيعة عقارية كيف تقرب لنا الصورة؟

- بداية أحييكم، وأجدني ممتنا لمنبر "أنفاس بريس" الأغر على إتاحته لي هذه الفرصة للتواصل مع الرأي العام حول موضوع الساعة وهو التحفيظ الجائر لأراضي قبائل أيتوسى.

وجوابا على سؤالكم قصد تقريب صورة ما يقع للمتتبعين أقول، إن إدارة المحافظة العقارية قامت بعملية تحفيظ جائرة لأراضي قبائل أيتوسى بمساحة تصل إلى 150 ألف هكتار أثناء فترة الحجر الصحي، التي كانت فترة استثنائية بكل المقاييس، تم خلالها توقيف كل المصالح وأغلقت المدارس والإدارات، وتم اعتماد العمل عن بعد، ولم يشرع التنقل بين المدن إلا بإذن السلطات، وهي معطيات غير خافية على المواطنين من شمال المغرب إلى جنوبه.

لكن سردها بتفصيل، إنما يتم بهدف تسليط الضوء على الخروقات والتجاوزات المسجلة على إدارة المحافظة العقارية حينها.

ومعلوم أن إجراءات التحفيظ العقاري تتطلب مسطرة من الإجراءات القانونية، تبدأ من نشر الإعلان عن عملية التحفيظ، مرورا بتحديد آجال التعرض لفائدة من يعنيهم الأمر في إطار القانون، مرورا بالتفاعل مع التعرضات القانونية المقدمة داخل الآجال، وصولا إلى عملية التحديد الإداري للمساحات المشمولة بمطالب التحفيظ وانتهاء بالإعلان عن التحفيظ، وهو ما تم خرقه خلال كل المراحل ليفاجأ الرأي العام المحلي باقتطاع 150 ألف هكتار وتحفيظها دون التزام بالإجراءات القانونية والمسطرية التي حددها القانون لذلك.

وخلال شهر يوليوز 2022 ستقوم إدارة المحافظة العقارية بطرح مطالب جديدة للتحفيظ العقاري تتجاوز مساحتها 300 ألف هكتار لصالح إدارة أملاك الدولة بسند ملكية عبارة عن شهادة إدارية مسلمة من السلطة المحلية في سنة 2022 تحت مسمى حيازة هادئة ومستمرة.

وبعد نشر المطالب في الجريدة الرسمية، تفاعلت مكونات قبائل أيتوسى مع الموضوع طبقا للقانون، وقامت بتقديم التعرضات من طرف المنتدبين لهذه العملية من قبل مكونات قبائل أيتوسى لدى مصالح المحافظة العقارية بكلميم.

وبالموازاة مع ذلك انطلقت عملية التوعية والتحسيس بهذه العملية الغريبة وغير المسبوقة لأراضي مكون قبلي صحراوي هو قبائل أيتوسى.

وكان لزاما أن يرافق الإجراءات القانونية والمسطرية التي يتيحها القانون، والمتمثلة في عملية التعرض تنظيم وقفات تنديدية بما يجري.

فكانت الانطلاقة بوقفة تنديدية يوم 10 غشت 2022 بأسا أمام عمالة إقليم أسا الزاك.

تلتها مسيرة بالسيارات صوب جماعة المحبس الحدودية متبوعة بوقفة حاشدة لقبائل أيتوسى يوم 4 شتنبر 2022 بالمحبس، مؤازرة في ذلك بمجموعات من مختلف القبائل الصحراوية وتنسيقياتها المتضررة من سياسة إدارة المحافظة العقارية في الجهات الجنوبية الثلاث.

وفي اليوم الموالي أي 5 شتنبر 2022 قامت جموع غفيرة من أبناء قبائل أيتوسى بالتعرض الميداني ضد عملية التحديد الإداري لتحفيظ الأراضي بمنطقة مزيريكة جنوبي جماعة الزاك.

وتم توقيف العملية، ولم تقدم الجهات المكلفة بالتحديد المحضر السلبي للمتعرضين رغم وعدهم بذلك..

المحبس، رأس اومليل، تلمزون، بروكسيل.. من داخل المغرب وخارجه، تم تنظيم وقفات احتجاجية لقبائل ايتوسى، أيت لحسن، يكوت، وتنسيقية للوديان الثلاث.. كيف وصل الأمر لهذا الحد حول ملف تحفيظ الأراضي؟

بداية لا بد من التذكير بأن الوقفات الاحتجاجية انطلقت من مدينة أسا حاضرة إقليم أسا الزاك يوم 10 غشت 2022 تحت شعار أرض أيتوسى خط أحمر.

وتلتها وقفة احتجاجية يوم 4 شتنبر 2022 بالمحبس، ثم تمت عملية التعرض الميداني ضد عملية التحديد الإداري يوم 5 شتنبر أمام لجنة التحديد الإداري المختصة بمنطقة "مزيريكة" جنوبي جماعة الزاك.

بعد ذلك توالت الوقفات هنا وهناك من طرف مجموعة مماثلة من القبائل الصحراوية المتضررة وصولا لوقفة احتجاجية للجالية الوادنونية بالعاصمة البلجيكية بروكسيل.

وهنا وجبت الإشارة إلى أن هذه الوقفات الاحتجاجية التي تلت وقفات أسا والمحبس وعملية التعرض، كانت مختلفة من حيث المطالب؛ فإلى جانب مشكل التحفيظ العقاري الجائر تراوحت مطالب الفعاليات الاحتجاجية بين رفض التقسيم الإداري بجماعة راس اومليل، إلى التنديد باستنزاف الفرشة المائية بحوض وادنون.

وفيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال، أعتقد أن الأمر وصل إلى هذا الحد نتيجة لسياسة صم الآذان من قبل السلطات الولائية لولاية جهة كلميم واد نون، وكذا السلطات الإقليمية لأسا الزاك فضلا عن غياب آلية الحوار سواء من طرف مصالح وزارة الداخلية أو المحافظة العقارية.

فكما تعلمون أن المجتمع الصحراوي بالجهات الجنوبية الثلاث، مجتمع متماسك ومترابط، ويتأثر إيجابا أو سلبا بكل المستجدات والوقائع على الأرض.

لذلك كان طبيعيا أن تكبر كرة الثلج، وتتسع تبعا لذلك الهوة بين المواطنين المحتجين والإدارة.

ولأن قبائل أيتوسى كانت السباقة للاحتجاج السلمي والمنظم فقد أصبحت تجربتها في الدفاع عن أراضيها بشكل حضاري ملهما لباقي القبائل الصحراوية المتضررة.

وما كان للأمر أن يصل هذا الحد لولا توافر سببين أساسيين:

أولهما غياب الإرادة لدى المسؤولين الترابيين لحل الأزمة عبر تغيبب فضيلتي الإنصات والحوار لرعايا الملك محمد السادس بهذه الربوع الغالية والمجاهدة من الوطن.

وثانيهما، يتمثل في تعطيل دور مؤسسسات الوساطة المتمثلة في آلية المجالس المنتخبة.

وهنا تحول بعض المنتخبين بهذه المناطق من جزء من الحل يعي أدواره الدستورية التي خولها له القانون، إلى جزء من المشكل عبر تبني وجهة نظر السلطة وإدارة المحافظة العقارية بوعي أو عن غير وعي.

وهنا، وأمام تعنت مسؤولي الإدارة الترابية، وتقاعس بعض المنتخبين عن الاضطلاع بأدوارهم الطبيعية والمنسجمة مع المسؤولية الملقاة على عاتقهم، أخذت الجالية المغربية بالمهجر زمام المبادرة كنبض للشارع المحلي، وصدى لما تشهده المدن والمداشر والواحات الصحراوية وقامت بتنظيم وقفة احتجاجية أمام سفارة بلادنا ببروكسيل، لإيصال صرخة القبائل الصحراوية المتضررة.

كيف تتصورون أفق حل هذا المشكل؟ وهل تملك مايسمى تنسيقية الأطر تفويضا من الساكنة للحديث باسمها؟

أعتقد أن أفق الحل يتكون من شقين:

1- شق سياسي؛ ويتمثل في الإرادة الصادقة والجادة للإدارة الترابية، وكذا الإرادة المركزية للحكومة عبر آلية الحوار مع ممثلي القبائل الصحراوية ولجانها وتنسيقياتها المعتمدة، للبحث عن حل عادل ومنصف للأزمة الواقعة حول الأرض.

وهنا وجب التذكير أن سياسة صم الآذان من طرف المسؤولين الترابيين، وعدم تقدير الوقائع على الأرض حق قدرها، هو السبب المباشر في تفاقم الأزمة فضلا عن وجود خروقات قانونية

ومسطرية لإدارتي المحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية.

وهنا تجب الإشارة إلى أن كل الوقفات الاحتجاجية والمحطات النضالية السلمية لقبائل أيتوسى اتسمت بسمتين أساسيتين تمثلتا في الالتزام بالقانون والانضباط في الفعل، بعيدا عن المنزلقات التي من شأنها التشويش على المطالب المشروعة للمواطنين في بلدهم وفي إطار دولة الحق والقانون والمؤسسات.

2- شق إداري: ويتمثل في إلغاء مطالب التحفيظ الجائر لأراضي قبائل أيتوسى، والبحث عن حل عادل ومنصف على قاعدة رابح رابح.

أما فيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال، فكما تعلمون أن قبائل أيتوسى اعتمدت منذ سنوات شكلا متقدما للتعاطي مع ملف الأرض، وهو المتمثل في انتداب لجان تمثيلية عن كل مكون من مكونات قبائل أيتوسى، عبر آلية لجان الأرض التي تملك تفويضا مكتوبا ومعتمدا من كل مكونات قبائل أيتوسى، للنيابة عنها والتحدث باسمها في كل ما يتعلق بملف الأرض.

وبعد نشر مطالب التحفيظ العقاري، تطوعت ثلة من أبناء قبائل أيتوسى، وهي مجموعة من الأطر العليا من خريجي الجامعات والمعاهد المسلحة بثقافة قانونية وخبرة حقوقية وتجربة مشهودة في العمل المدني والإداري والمؤسساتي، تضم في عضويتها دكاترة ومحامين ومختصين في القانون والمهن القضائية، وباحثين في العلوم الإنسانية والحقة والتأمت في شكل: "تنسيقية الأطر للاستشارة القانونية والتتبع والمواكبة للجان الأرض"، ووضعت نفسها وإمكانياتها وخبراتها رهن إشارة لجان الأرض للمساعدة، وتقديم الاستشارة القانونية ابتغاء الوصول بالحراك إلى بر الأمان في إطار القانون ودولة المؤسسات.

وهنا لا بد من توضيح بخصوص ما سميتموه بتفويض الساكنة، فكما تعلمون أن قضية أراضي قبائل أيتوسى موضوع مطالب التحفيظ الجائر، لا تخص فقط ساكنة إقليم أسا الزاك، وإنما تخص أبناء قبائل أيتوسى داخل الوطن وخارجه.

كما أن المتعارف عليه في كل التجارب، أن طبيعة عمل التنسيقيات والسكرتاريات، وما شابهها من اللجان التي تنبثق في خضم أي حراك تكون قائمة على التطوع والمساعدة في البحث عن مداخل قانونية وحقوقية للحل.

وهنا أستطيع التأكيد أن تنسيقية الأطر للاستشارة القانونية والتتبع والمواكبة للجان الأرض باعتباري أتشرف بالانتماء إليها والعمل في إطارها، أنها تعمل في إطار ثلاثة ثوابت/محددات أساسية:

1- محدد الانتماء : باعتبارها جزء لا يتجزأ من مكونات قبائل أيتوسى.

2- محدد طبيعة عملها: باعتبارها مساعدا ومنسقا للجان الأرض وتحت إشرافها ورهن إشارتها.

3- محدد المرجعية: حيث تشتغل في إطار القانون، وتسخر جهودها وإمكانياتها المعرفية والثقافية لإيجاد مخرج للأزمة الواقعة، كما أنها لا تتحدث باسم الساكنة، بل يرتبط عملها بلجان الأرض التي تعتبر الممثل الشرعي المفوض له الحديث باسم قبائل أيتوسى في ملف الأرض.

يمتد إقليم أسا الزاك على حوالي مليونين و700 ألف، كيف يمكن إثبات ملكية ايتوسى لكل هذه الأراضي، في الوقت الذي يتحدث فيه على أن جزء كبيرا منها هو خلاء؟

عمليا أراضي قبائل أيتوسى شأنها في ذلك شأن أراضي سائر القبائل الصحراوية لم تكن يوما أرضا خلاء.

بل هي أراضي مملوكة لقبائل أيتوسى بموجب وثائق تاريخية منذ عقود من الزمن، وميدانيا وعلى الأرض توجد عشرات بل مئات الشواهد التي تثبت ذلك بدء من الاستغلاليات الفلاحية مرورا بالقبور والآثار من "مطافي" (جمع مطفية وهي خزانات إسمنتية للماء)، وصولا لعشرات المناطق (تلال، هضاب، سهول، وديان، عيون/عكل) التي حملت أسماء رموز وشخصيات من أسلاف وأجداد قبائل أيتوسى الذين عمروها وعمّروها منذ سالف العصور والأزمان.

كما أن عديد هذه الآثار شكلت إثباتات وشواهد ميدانية لتواجد قبائل أيتوسى ضمن هذا المجال الفسيح، وتبنتها بلادنا، واعتبرتها حججا وبراهين في مرافعاتها أمام هيئة الأمم المتحدة إبان عملية تحديد الهوية لقبائل أيتوسى.

وبالمناسبة فحدود تواجد القبائل الصحراوية جميعا تعتبر حدودا موروثة عن الاستعمارين الفرنسي والإسباني، وهي معروفة وموثّقة لدى كل القبائل الصحراوية، ولا يحادل فيها أحد على امتداد مجال تواجد القبائل الصحراوية من كْحال آركان إلى الكركرات.

وبخصوص علاقة القبائل بالدولة، فهي جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي للمجتمع الصحراوي المغربي، شأنها في ذلك شأن سائر القبائل المغربية في الشمال والوسط والشرق والغرب.

ولا أعتقد أنه يوجد اليوم من يقول ببقاء الدولة رهينة بيد القبائل في اعتراضها على التحفيظ.

فهو قول مجانب للصواب.

وهنا تجب الإشارة إلى أن الأزمة الواقعة حول التحفيظ الجائر لأراضي قبائل أيتوسى لا تتعلق بمشكل بين أيتوسى والدولة على الإطلاق، بل بمشكل بين القبائل الصحراوية ككل وقبائل أيتوسى جزء منها مع لوبي اقتصادي من رجال أعمال وفاعلين اقتصاديين مغاربة وأجانب.

وبالمناسبة يوجد الكثير من التفاصيل سيتم الكشف عنها قريبا خلال فعاليات "ملكى الأرض وصيانة العرض" المنظم من طرف قبائل أيتوسى بأسا.

وخلاله سيتم الكشف عن حقائق وأرقام حول حقيقة الاستثمار الموعود، وأنه في هذا الملف بالذات توجد حالات صارخة لتعارض المصالح وجب الوقوف عندها وتوضيحها، حتى لا يختلط الحق بالباطل.

لذلك فإن قبائل أيتوسى ومنذ اليوم الأول لانطلاق حراكها حول الأرض، ويدها ممدودة للحوار مع الفاعلين المؤسساتيين الاقتصاديين بوساطة الفاعل السياسي الترابي والمركزي، وتبحث بجدية عن حل عادل ومنصف لأبناء قبائل أيتوسى المجاهدة في أرضهم، وضمن وطنهم خدمة للتنمية الشاملة التي تحفظ كرامة وحقوق الإنسان، وتصون وتتصالح مع المجال.

هذا المجال الفسيح الذي دارت عليه رحى مختلف الحروب منذ معارك جيش التحرير، مرورا بمعارك حرب التحرير والوحدة وصولا إلى وقف إطلاق النار، وانتهاء بالجهاد الأكبر المتمثل في التنمية البشرية والمجالية الشاملة.

وأنا على يقين أنه حينما تتوفر الإرادة السياسية لدى المسؤولين وتتناسق مع الإرادة الشعبية للمواطنين سيتم التوصل لحل عادل ومنصف.

فقبائل أيتوسى وغيرها من القبائل الصحراوية المتضررة جزء لا يتجزأ من الدولة المغربية ومكون أصيل وفاعل من مكونات المجتمع المغربي المتماسك والمتطلع للعيش الكريم، في وطن حر وقوي ومتماسك يتسع لجميع أبنائه، ويؤمن بثنائية الحق والواجب، طبقا لأحكام الدستور المغربي والقوانين والأعراف الدولية لحقوق الإنسان ذات الصلة، وما ضاع حق وراءه مطالب.