الأربعاء 7 ديسمبر 2022
كتاب الرأي

خالد أخازي: خرافة تسريبات المخابرات الفرنسية أم صناعة "هواة" المخابرات الجزائرية...؟!

خالد أخازي:  خرافة تسريبات المخابرات الفرنسية أم صناعة "هواة" المخابرات الجزائرية...؟! خالد أخازي
ما إن تم تعميم ما سمي بخرافة تسريب وثيقة للمخابرات الفرنسية يزعم أصحابها أنها صادرة عن رئيس المخابرات الفرنسية نفسه عن سنة2021 حتى تم التعامل مها إعلاميا وسياسيا بحدة وثقة وجرعة وطنية عالية حد التخمة... وإن كان النخبة السياسية تناولت القصية في حدود وبحذر على أنها وثيقة رسمية فعلا ولا غبار عليها...
وكالعادة بعض الإعلاميين والمحللين لهم إيقاع أسرع من الدولة نفسها في تبني خطاب الرد والتحليل، وأسرع من الجهات الرسمية في الحسم في صدقيتها..وصحتها... فالمناسبة جيدة لبعض الاطراف لتقديم أنفسهم كفرسان الجبهات الحارقة للدولة..
هؤلاء أسسوا نقاشا حولها، وحلقات سياسية استغلها البعض لتقديم مزيد من الولاءات المزيفة والبعض لترسيخ صورة المحلل المحنك... والبحث عن شرعية جماهيرية إعلامية... والحقيقة أن الحكمة تفترض التريث ووضع الوثيقة البئيسة في سياقها الإقليمي والدولي وفي سياق ما يقوم به جنرالات الجزائر المصابون بمتلازمة كره المغرب لتفكيك تحالفات المغرب الخارجية وإبطاء التوجه الدولي نحو تبني الحل المغربي العقلاني والعادل لقضية الصحراء المغربية.
أولا لا يمكن للمخابرات الفرنسية أن تسرب وثيقة من هذا النوع، واللغة التي كتبت بها ليست لغة استخباراتية بل هي أقرب إلى خطاب إنشائي يغيب فيها العمق المنهجي الاستخباراتي ولغة التقارير ولو في حد الأدنى تقنيا...لدرجة أنه غدا أقرب لتنبؤات الكهان منه إلى تقرير استخباراتي...
فما جاء فيه من تحليل وخيارات مطروحة للحد من قوة المغرب ... يمكن لمواطن عاد أن يقدمه.... فلسنا في حاجة إلى عقلية " عميقة" ولا إلى لغة فخمة ولا إلى ترف لغوي لنعلم أن فرنسا تخاف من الوغل الاقتصادي المغربي بإفريقيا وأنها ستعمل المستحيل لإفشال الدينامية الاقتصادية الإفريقية المغربية، ببساطة والأمر لا يحتاج عبقرية ولا وطنية زائدة لأن المغرب هدد معاقل فرنسا الاقتصادية التقليدية، وفي السياق ذاته، فلا أحد ممكن ألا يتكهن بالمكانة التي حظيت بها إسبانيا عند المغرب في التعاون الاقتصادي والحد من تدفق الهجرة لأن المغرب ربط هذا التعاون بالوضوح السياسي حول قضية الصحراء المغربية، وموقف إسبانيا من الملف وفق الرؤية المغربية خطا بها خطوات بعيدة نحو المغرب بعيدا عن حليفه وشريكه التقليدي فرنسا..
وما إضافة "اعتراف إسبانيا بمشروعية الحكم الذاتي مقابل سبتة ومليلية المحتلين" إلا جملة مغرضة... حين نكشف مصدر صدور هذه الوثيقة المزيفة سيبدو لنا إقحام أن هذه المقايضة الوهمية على شاكلة التطبيع مع إسرائيل مقابل اعتراف أمريكا بسيادة المغرب على الصحراء نسخ هاو لخطاب الكراهية الجزائري ضد المغرب.. ولا يمكن اعتبار الوثيقة معلومة استخباراتية بل صناعة استخباراتية لخصم محتمل يريد توتير العلاقة مع فرنسا وصناعة غضب شعبي... وربطت الوثيقة الهاوية والتي لا يمكن أن تكون استخباراتية فرنسية، فشل خفض التأشيرات للضغط على المغرب بضرورة ضرب المصالح المغربية إفريقيا وفضح ملفات مالية وتجارية لمغاربة وفضح ملفات أخلاقية لرموز مغربية، والسماح للقضاء الفرنسي بمتابعة مسؤولين مغاربة ضمن قصايا حقوقية.
والحقيقة أن من يصدق هذا الأمر باعتباره عملا استخباراتيا فرنسيا وفي هذا الظرف والسياق الزمنيين عليه أن يتوقف عن التحليل وعلى الحديث باسم المغرب لتحقيق فتوحات سياسية وهمية....
فهذه الوثيقة كأنها حلم جزائري وضعت عليه " مخابرات فرنسية" ولأن المخابرات الجزائرية هاوية على عادتها فقد صنعت ما يشبه إنشاء تعليميا وقدمت معلومات من باب" الاجتهاد في المعلوم" وتقديم تهديد لا خصوصية له ويمكن أن يصدق على أي دولة.
الوثيقة بشكلها وتقادمها ولغتها وفي هذا الزمن هي صناعة لمخابرات جهة مناوئة للمغرب... تتوخى صناعة الوهم وتعقيد العلاقات الفرنسية المغربية والزيادة في التوتر...
لا أستبعد فرضية تدبيجها وتحريرها في مطابخ المخابرات الجزائرية، ولحد الساعة لا نعرف مصادر الموقع الوحيد الذي عممها أولا...
ليتوقف التحليل المتحمس باسم الوطنية الزائدة... ولنعد النظر في شكليات التقارير الاستخباراتية علما أن ما جاء في الوثيقة لا يعدو كونه كلاما سطحيا لا يرقى إلى مستوى الخطاب الاستخباراتي تقنيا وشكلا ومضمونا.. وهو عمل هاو أو صناعة إعلامية مضادة...
الوثيقة مزيفة... والرابح الأكبر في هذا النقاش الذي انطلق دون حزام للسلامة إعلاميا ومنهجيا هي الجزائر... فجنرالات هذا البلد يجيدون صناعة الوهم ولكنهم هواة في كل محطة... ويخذلهم الرؤية والمنهج...كل نقاش يعتبر الوثيقة فرنسية ولا يمنح مسافة للشك هو خطاب متسرع في غياب على الأقل خطاب رسمي للدولة التي لها الوسائل والإمكانات لتمحيص الوثيقة وتحديد مصدرها ومدى مصداقيتها..
هي وثيقة لا تستحق كل هذا النقاش...والهدف منها ربما إجهاض مبادرة شجاعة لفرنسا اتجاه وحدتنا الترابية... والجنرالات مرة يسقطون في المحظور بانكشاف كيدهم..
وبيننا الأيام...