الجمعة 9 ديسمبر 2022
كتاب الرأي

مَحمد المذكوري:  لماذا مناظرة وطنية (6)

مَحمد المذكوري:  لماذا مناظرة وطنية (6) مَحمد المذكوري

حوار وطني حول حق العطلة الجماعية المنظمة

 

هنا لجنة استطلاع وهنا لجنة تفتيش وهذا تقرير مجلس وهذا تقرير صحفي، هناك تغطيات أنشطة وهذه زيارات من مستوى كذا وزيارات من مستوى كذا ونصف وتقارير داخلية وتقارير شفوية وأخرى واتسابية؛ تلتقي كلها - عدا التلفزية البروتوكولية – في أنه كان هناك خلل أو خطأ أو اختلال، تتم مقاربته أو تجاوزه بحلول و- فتاوي - وآراء مباشرة للحدث زمنيا ولا تتجاوزه الى جذوره ومسبباته وأصله، والبحث عن أسبابه البنيوية والهيكلية يتم تأجيله ثم نسيانه،  

ليست ملاحظتنا قطعية وتعليقنا ليس شمولي، ولكن جئنا بها اليوم لنشير الى أن الوقت قد حان للقيام بوقفة ومراجعة وضبط المخططات والبرامج على إيقاع المغرب الجديد مغرب يستفيد بعد الخروج من الجائحة من جهة ومن البناء الاجتماعي لدولته وتطوير آليات تنمية بشرية تضع في الحسبان الانسان حاليا ومستقبلا، والطفولة حاليا ومستقبلا تحتاج الى معالجة كل القضايا المتعلقة بها بنفس الوثيرة ونفس الإحساس بالمسؤولية وباندماج مختلف الاختيارات وانسجامها، ومنها بكل تأكيد كيفية قضاء وقت فراغها وعطلها الذي يشكل عائقا في وجه التنشئة الاجتماعية التي تقوم بها المدرسة والأسرة.

 

معضلة العطلة والمخيم

لقد أصبح تأثيث الوقت الحر معضلة مجتمعية لأنه لا تستقيم فيه البرامج الخاصة بالأطفال والشباب بالأساس على أساس مندمج من تطلعات المعنيين بالمتعة والراحة وضرورة الاستفادة من هذا الوقت ومأسسته كوقت منتج مفيد كوقت مؤطر وتكويني مكمل للعمل التربوي للمدرسة والاسرة وليس نسخة له، تستعمل فيه وسائل متطورة ومتكاملة ومنفتحة على رغبات المعنيين وحديثة كالوسائل الالكترونية والتي تحمل في طياتها حدا مميتا يتمثل في الإدمان والاستعمالات العشوائية والخبيثة ويعرض فيه الأطفال والشباب الى فراغ وضياع، ولقد أكد المخيم التربوي الجماعي المنظم كمؤسسة مجتمعية منذ عشرات السنين على دوره المساهم في حل مشكلة العطلة والسفر من جهة وعلى قدرة تعبئة وقت المتعة والراحة مع الاستفادة والتكوين وعلى مساهماته الواضحة في التنشئة الاجتماعية، وتطور هذا القطاع بشكل جره الى مواقع غير تربوية تستقصي الربح والربح السريع، وتنوعت أشكاله وأنواعه، وتراجع الجزء الرئيسي منه وهو القطاع الرسمي الذي يشتغل بمعية قطاع واسع تمرس في الميدان والذي بنى أسس مجتمع مدني فاعل وأقصد بذلك الجمعيات والهيئات التربوية المهتمة بالتخييم التربوي لجماعات الأطفال والشباب المنظم؛ تراجع من حيث المستفيدين المباشرين بأن تجاوزته قطاعات أخرى شبه حكومية وتجارية مضاربة خاصة تنمو وتتكاثر مثل الفطر والطحالب – منها ما هو صالح ومنها ما هو سام-

إن الواقع لا ينبئ بكارثة، ولكنه يلامسها بشكل أو بآخر، ولذلك فهو يحتم تظافر كل الجهود لتفاديها ةتجاوزها، لاقتراح مبادرات شجاعة ومتفق عليها لتأكيد مكانة هذه المؤسسة المجتمعية ولتثمين ايجابياتها كوسيط بين الاسرة والمدرسة يساهم بشكل أو بآخر في التنشئة الاجتماعية لمختلف الأجيال ومن مختلف الأطياف، وكذا لتطوير هذا القطاع في إطار تشاركي بامتياز، إن حوارا صريحا وجديا وعموميا سيكون له بكل تأكيد نتائج في غاية الأهمية وسيساهم في تطوير آليات هذا العمل التربوي وترسيخ مكانته والاحاطة بكل الانزلاقات التي تسجل فيه وتقوية مكانة جزء كبير من المجتمع المدني في أدوار مباشرة له كفاعل ومتفاعل بامتياز في المجتمع ككل.

 

إطار دستوري للطفولة والشباب

لقد كان حريا معالجة هذا الموضوع في إطار مؤسسة قانونية دستورية تكون قادرة على سن خطة وطنية بأهداف واضحة بعيدا عن نزوات وانزلاقات موسمية، وتحفظ للجميع مكانته وموقعه، وتسهر على توزع المهام بين كل الهيئات، تتمتع بالقوة القانونية وتتمثل فيها الإرادات والفعاليات المعنية ومعترف بها كجهاز بجانب القطاع الحكومي المشرف على تربية الشباب والطفولة يعمل على بلورة اختيارات هادفة، وتضع خطة وطنية معلومة النتائج تبقي على كل الإيجابيات المسجلة وتطورها من أجل تعزيز مكتسبات وتراكمات نضال الحركة الجمعوية المغربية وتلغي وتقوم كل الاعوجاجات والسلبيات التي تعيشها المخيمات والتي من المقلق أنها قد تعرف ازديادا وتناميا مخالفا للآمال والعهود، وتعمل على تحليل الدراسات العلمية والسهر على تنفيذ المخططات والانضباط للمعايير الموحدة وتتبع مراحل التطبيق والتنفيذ والمحاسبة.

ففي الدول التي تنهج نهج تنمية بشرية حقة والاعتناء بمواردها الحالية والمستقبلية وتراهن على الاستثمار في المستقبل يؤسس الإطار تلو الآخر لرفع من مستوى معالجة مثل هذه القضايا ولتوسيع دائرة تمثيل المعنيين وللإكثار من منابر تبادل الأفكار، كإطار شامل لقضايا وشؤون الشباب والطفولة " مجلس وطني للطفولة والشباب"، الذي يكون الإطار القانوني الذي يمكن أن يشكل في جزء من اختصاصاته رافعة لقطاع التخييم، إطار يسمح بمشاركة كل الفاعلين وذوي الحقوق في رسم سياسة واختيارات وخطط متوسطة وبعيدة المدى في مقاربة مندمجة وتشاركية، إطار يسهر على ضبط المعايير التقنية والفنية والتربوية والبيئية والصحية ويسهر على مدى وضعها رهن التطبيق لدى كل الفاعلين كل بالشكل الذي اختاره لنفسه وكل بطريقته التي يرى أنه يبلغ بها أهدافه ومبادئه التربوية، وبذلك نحافظ على التنوع والاختلاف.

إن الإطار الدستوري الذي يمكن أن يكون رافعة لقطاع التخييم ليس مغامرة لوكالة تجارية أو تغليف للفعل المباشر الذي تقوم به الدولة حاليا - مثلما تقوم به في ميدان السياحة الشبابية مثلا -، ولا هو كذلك مؤسسة تسعى لأن تحصر الجميع ضمن توجه شمولي ضمن توجهات وحيدة، وألا يجعل جهازا استشاريا لا غير أو مكملا لضعف إداري معين، بل انه إطار يسمح بمشاركة كل الفاعلين وذوي الحقوق في رسم سياسة واختيارات وخطط متوسطة وبعيدة المدى في مقاربة مندمجة و تشاركية، إطار يسهر على ضبط المعايير التقنية والفنية والتربوية والبيئية والصحية ويسهر على مدى وضعها رهن التطبيق لدى كل الفاعلين كل بالشكل الذي اختاره لنفسه وكل بطريقته التي يرى أنه يبلغ بها أهدافه ومبادئه التربوية، وبذلك نحافظ على التنوع والاختلاف. وقد يكون موقع القطاع داخل جهاز دستوري عام كفيل بضمان حق تمثيلية لائقة بالمخيم كوسيلة تربوية ومؤسسة ضمن قضايا للطفولة والشباب.

 

مناظرة/ حوار / تفكير جماعي= تظافر الجهود

إن إعادة بناء التصور في موضوع مخيمات واصطياف الأطفال والشباب الجماعي المنظم، في حاجة إلى استخدام المهارات الفاعلة والى عملية استشارية تمتد لتشمل كافة القطاعات الحكومية والخاصة والجماعات المنتخبة والأحزاب والنقابات والجمعيات والشباب، هذه الاستشارة ستضع كل جهة أمام مسؤولياتها فيما يتطلبه العمل مع الشباب عموما وما نحن بصدده بالخصوص.

لقد تمت الدعوة الى مناظرة أو حوار انطلاقا من المسؤولية التاريخية الجماعية التي تتحملها الجمعيات والمنظمات التربوية العاملة في ميدان المخيمات التربوية بصفة خاصة والتنشيط التربوي لجماعات الأطفال والشباب بصفة عامة، واقترحت صيغ لذلك في إطار الشبكات والتنسيقيات التي تنتمي اليها من جامعة وطنية للتخييم واتحاد المنظمات التربوية المغربية ، وقد قامت الوزارة فيما مضى بعدة لقاءات تقييمية مع الأسف تتحول فقط الى تسجيل احصائيات وتثبيت معاملات وتواعد على أخرى، ولها معهد دراسات وآخر للتكوين وأطلقت دراسات لم تخرج من أدراج ورفوف بعض المكاتب داخلها، على نمط " شاورو ولا تعمل بريو"  ومعلوم لدى الجميع أن تبرير القرارات بدراسات يخفي من وراءه الرغبة في التخفي والتستر وتمرير مواقف وقرارات باسم الآخر، إن ممارسة "هات لي ساعتك اليدوية لأقول لك كم الساعة" ممارسة تجاوزتها الأبحاث والدراسات والعمليات التشاركية، فلدى الوزارة أطر وأساتذة وكفاءات ولدى البلاد قمم ومرجعيات في العمل الاجتماعي والثقافي والتنشيطي ولدى الجمعيات والهيئات تجارب وخبراء وممارسين، قادرون على التحدي وقادرون على التقدم قدما وعلى الابداع المغربي....    

 

الحاجة الى صياغة مفهوم جديد للمخيمات التربوية

أختتم هنا بتدوينة لأخي وصديقي الأستاذ مصطفى بنرهو فيما نحن بصدده في الموضوع لدلالاتها وقد جاءت من لدن خبير مارس في مستوى مراكز الوزارة ومتمكن بحكم انتمائه وقناعاته الجمعوية:

"ان الوعي بالتحديات التي تواجهها المنظومة التربوية تجعل القيمين على سياسة التخييم ببلادنا أمام مسؤولية كبيرة لتحويل الاهتمام إلى هذا القطاع الذي يجب ان يدبر برؤية سياسية استراتيجية واضحة، تتصدي لمجموعة من السلوكات الشائعة المرتبطة بالعقلية التي سادت لمدة عقود والتي لم تستطع أن تتخلص من نمط التدبير القائم على الرؤية الدونية لهذا القطاع التي لا ترفع من مكانته وتجعل حدا فاصلا بين هذه الأبواب المشرعة التي تبيح الولوج اليه لمن لا كفاءة ولا خبرة لهم بميدان التربية والتخييم. إن ضرورة الإصلاح أيضا تقتضي زيادة إيضاح الغرض من التنشيط التربوي بالمخيمات وكيف نصل إلى تحقيقه؟ وماهي الضمانات المؤدية لذلك؟ وحجم الميزانيات والفضاءات العامة المنتشرة عبر التراب الوطني ومدى جاهزيتها وتوفرها على شروط السلامة والأمن؟ ومدى توفر الجمعيات عن أطر مدربة ومتحمسة، ومضامين ومناهج تلبي احتياجات الأطفال والشباب، وضوابط وقوانين تحصن الممارسة التربوية لهذا النشاط الحيوي، مع توفر الإرادة السياسية على تحقيق الإصلاح والتطوير المنشود حتى تتبوأ المخيمات المكانة التي تليق بها؟"