الأحد 2 أكتوبر 2022
كتاب الرأي

الحمداني: فن الدبلوماسية ولغة الجسد

الحمداني: فن الدبلوماسية ولغة الجسد سعدون بن حسين الحمداني
يؤكد خبراء علم النفس الاجتماعي أن الوجه لا يستطيع أن يكذب مهما حاول صاحبه إثبات عكس ذلك، لأن تعابير الوجه تتغير بوضوح عندما يبدأ الإنسان بالكذب، وتظهر بعض العلامات على الوجه.. 

تعرف لغة الجسد بأنها “مجموعة من التصرفات الحركية والسلوكيات الصادرة من اليد والوجه والعين والحواجب والأقدام، ونبرات الصوت والأكتاف والرأس، التي تستخدم ليفهم الطرف الآخر الرسائل بشكل أفضل، وهي غير لفظية ذات معنى ودلالة، سواء إيجابية أو سلبية تعكس أفكار الفرد الباطنية عن طريق حركات الجسد”.

أما فنُّ الدبلوماسية وعلاقته بلغة الجسد فهو الفنُّ الذي يدرس هذه الحركات ويحللها ويترجمها لمعرفة كاريزما وشخصية المفاوض أو الزائر معتمدًا على أبعاد وتغييرات تعبيرات الوجه، العيون، الحواجب، الإيماء بالأيدي والأصابع، الذراعين والساقين، الجلوس، المساحة الشخصية بين الأشخاص، المشي، نبرات الصوت، المصافحة.. وغيرها من الأمور الأخرى.
كما أن أهم مهارات عِلم الجسد هو التحكم عند الانفعال أو المبالغة في السلوكيات، مثال على ذلك: رفع نبرة الصوت لغرض السيطرة على الطرف الثاني، الابتسامة ووقتها ومناسبتها؛ لأنه قد تعطي معنى سلبيًّا وهو الاستهزاء، إذ استخدمت من باب الأنانية والسيطرة والتقليل من الطرف الآخر، مهارة التحكم في تعابير الوجه، مهارة استخدام اليدين والأذرع والأصابع، مهارة السيطرة على المشاعر والأحاسيس.

يقول علماء الطب: إنَّ العين هي مستلمة للحدث الصامت والناطق في آنٍ واحد، وعليها تنطبق النظرية الفيزيائية (لكل فعلٍ ردُّ فعل).. فسبحان الخالق الذي جعل العيون مرآة لمشاعرنا وأحاسيسنا وانفعالاتنا اللاإرادية، والأصح أن هذه الانفعالات حول شكل العين والدموع تأتي من إشعارات دماغية إلى القناة الدمعية تحدد حسب الحدث ونوعه، وتعطي الإيعاز إلى العين لتعبر عن الحدث، سواء كان (حزنًا أم فرحًا أم تعجّبًا أم استهزاءً أم بؤسًا أم مرضًا).

تعول المدارس الدبلوماسية كثيرًا على انفعالات العيون، وخصوصًا في موضوع الاجتماعات الرسمية واستقبال كبار الشخصيات على مستوى (الرؤساء، السلاطين، الملوك، الوزراء ومن هم بدرجتهم)، وهنا تكون اللغة الدارجة والمعمول بها بين هرم الدولة ورئيس المراسم هي (لغة العيون)، وكذلك بين رئيس دائرة المراسم وموظفيه لتفادي أي خلل أو تعديل على الخطة في الاستقبال.

إنَّ نظرات وأشكال العيون لها دلالات نستطيع التعرف على نفسية الشخص، وكذلك الموقف الذي هو فيه، بالإضافة إلى أنها تعكس طبيعة شخصية الإنسان. يقول علماء النفس: باستطاعتنا أن نكشف ما في داخل النفس ونحن صامتون، فعيوننا من غير أن نشعر تقوم بعملية استباقية مع خلايا الدماغ بأجزاء الثانية لإيصال ما يدور في أذهاننا حتى وإن لم ننطق بحرف. سوف نتطرق إلى أهم أشكال وانفعالات العيون التي تعكس مشاعرنا وهي كما يلي:

الخوف: اتساع حدقة العين وجحوظها مع ارتفاع الحاجب، كأنها توَدُّ أن تتجنب الخطر. التأمل أو الأمل: ترتفع عدسة العين إلى الأعلى مع الاسترخاء والهدوء كأنه بانتظار خبر جيد. القلق: العدسة تنظر إلى أحد الجانبين مع تقعر الحدقة وتتحرك بخوف وحذر بنوع من الترقب لأي حدث. الراحة: نظر العين إلى شيء مع ارتخاء قليل في الجفن كأنه لا داعي للنظر لأي شيء لأن الأمور على ما يرام. التفكير: نظرة شبه جانبية مع ثبات العدسة وارتفاع طرف الحاجب قليلًا.
 
الغضب: ارتفاع الحاجب واتساع الحدقة، وتكون عدسة العين ثابتة النظر إلى الشخص المغضوب عليه كنوع من التحدي. السعادة: ارتفاع كل الحاجب بصورة متساوية مع شد أجزاء العين وتحرك العدسة بحرية.
الحزن: نظرة منكسرة إلى الأسفل مع ضيق في حدقة العين وثبات العدسة دليل على أن الأمور سيئة ومتدنية. التعب أو المرض: تكون العدسة مرهقة وتميل إلى الإغلاق لتوفير الجهد مع احمرار جوانب العين.

أكدت آخر التجارب في المدارس البريطانية الدبلوماسية والتي تهتم كثيرًا بموضوع لغة الجسد معتمدين على نظريات علم النفس، حيث إن الإنسان بمجرد أن يبدأ بالكذب ترفُّ عينه بطريقة غير مألوفة وتبدأ عدسة العين بالاتساع قليلًا لتضيف شيئًا ما لإيصال الفكرة الصادقة، وإن لم تكن للطرف المقابل عن طريق الإيحاء بالعين وحركتها قال تعالى:(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر ـ 19)، و(خائنة الأعين) تعني: رفة العين وحركاتها التي تخدع الناس. وبصفة عامة يؤكد خبراء علم النفس الاجتماعي أن الوجه لا يستطيع أن يكذب مهما حاول صاحبه إثبات عكس ذلك، لأن تعابير الوجه تتغير بوضوح عندما يبدأ الإنسان بالكذب، وتظهر بعض العلامات على الوجه، سواء الاحمرار أم حك الذقن والأنف ووضع اليد على الفم والعين وأحيانًا تمرير اليد على الشعر، حيث يقوم الجانب الأيمن من المخ المسؤول عن التعامل مع الأشياء الخيالية غير الحقيقية بإجبار أعضاء الكلام والحنجرة واللسان على الكذب فتتحرك اليد تلقائيًّا مع رفَّة العين واتساع حدقتها لتقنع المقابل بالكلام بأنه حقيقة ولكنه ملفق وغير صحيح وترف العين وتتغير فجأة أثناء الكذب.

وفي الختام، فالعين تنطق بكل لسان ولا تحتاج إلى ترجمان بين الأعمار والأجناس والقوميات أو المناصب فهي تخاطبك وتباحثك فتوحي إليك في لحظة ما لا يستطيعه اللسان في أيام، وأشكال العيون جعلها الله سبحانه وتعالى علامات مميزة للأقوام والأجناس.

وقال أحد الشعراء:
فالعين تنطق والأفواه صامتة
حتى نرى من صميم القلب تبيانا