الأحد 14 أغسطس 2022
فن وثقافة

عبد الرحيم شرّاد يقتفي أثر المقاومة في الأغنية الشعبية "رْفَاﯕْتْ الرْجَالْ"

عبد الرحيم شرّاد يقتفي أثر المقاومة في الأغنية الشعبية "رْفَاﯕْتْ الرْجَالْ" عبد الرحيم شراد بجانب الشيخة فاطنة بنت الحسين

شذرات من أغنية : "رْفَاﯕَتْ الرّْجَالْ"

أَدَّاوْهَا بِالطَّعْرِيجَةْ حْتَى لْبِّتِيجَةْ

ما يشَدُّو لَقْنَاتْ غَا الْكَبَالاَتْ

عْلَى شْعَرْ الرَّاسْ الِّلي بْقَى فِي الْكَايَاسْ

سَعْدِي بِوْلَادِي رَاهْ قَتْلُو بَرْﯕَادِي

قُولِي لْخُوكْ يَعْـﯕَبْ رَا اَلطَّنْـﯕْ أَرْﯕَبْ

 

شارع محمد الخامس بمدينة سيدي قاسم، مكان يحيل الباحث عبد الرحيم شرّاد على أرض الأجداد ومعقل قبائل الشراردة، وكلما وقف في ليلها الذي يغري بالحكايات، يلملم في ذاكرته، بقايا شذرات نداء "اَلْعَيْطَةْ"، التي يعتبر كلماتها شاهدة على مجد من رحلوا، حيث يحلم بإعادة كتابتها، وصياغتها في قالب حكاية يتمنى إخراجها سينمائيا نظرا لحمولتها التاريخية والوطنية.

بالنسبة للأستاذ شرّاد، سيبقى يوم الثلاثاء 3 غشت 1954، شاهدا على هَبَّةْ المقاومة الوطنية بمدينة سيدي قاسم، حيث سيبادر الوطنيون إلى تعليق صورة السلطان رمز الوحدة، الملك محمد الخامس في الشارع العام. وسرعان ما سينتشر الخبر. علما أن ملك البلاد يوجد هو وأسرته بالمنفى، فصورته البهية تعتلى كل الرؤوس، والكل خرج من بيته وهبَّ يهتف بحياة محمد بن يوسف وينادي بعودته.

في سياق هذا الحدث الوطني الذي خطط له ونفذه رجال وطنيون يوم الثلاثاء 3 غشت 1954، يقول عبد الرحيم شرّاد: "لقد تملك الرعب أحد المعمرين حين رأى صورة الملك محمد الخامس معلقة أمام متجره. فحمل بندقيته، وأطلق الرصاص في الهواء لعلّه يخيف جموع المواطنين، لكن الحشود رفضت استفزاز المعمر الفرنسي...لعلع رصاص الجبان، وانطلقت شرارة أحداث دامية قادها الأبطال الشجعان من أبناء مدينة سيدي قاسم، على مدى عشرة أيام حضر فيها المقيم العام الفرنسي شخصيا لأنه أدرك أن المقاومة غيرت رقعة المواجهة" .

 لقد خلدت العيطة الشعبية "رْفَاﯕْتْ الرْجَالْ"، كل تلك الأحداث التي عاشتها مدينة سيدي قاسم مدة عشرة أيام، حيث تغنت أيقونة فن العيطة الشِّيخَةْ فَاطْنَةْ بَنْتْ اَلْحُسَيْنْ، بعد عِقدَيْن من الزمن، ببعض كلماتها التي تقول: "أَدَّاوْهَا بِالطَّعْرِيجَةْ حْتَى لْبِّتِيجَةْ". إن الحديث هنا ليس عن "شِيخَةْ" كما يمكن أن يتبادر للذهن، بل أن المقصود هو الإشارة لرجال المقاومة الوطنية، الذين حوَّلوا الأنظار إلى مدينة ( Petit Jean).

 وحسب الباحث عبد الرحيم شراد فقد كان التّكتيك والإستراتيجية بعد انتشار خبر عم مدن المغرب، يرتبط برؤية صورة محمد الخامس في القمر. مما دفع برجال المقاومة إلى استغلال الحدث من أجل ضرب السلطات الإستعمارية بكل قوة بعيدا عن مدن المركز، و لهذا تم اختيار مدينة سيدي قاسم بالضبط .

من شذرات هذه العيطة التي تغنت بها الشيخة فاطنة بنت الحسين ، نجد الإفتخار برجال المقاومة بقولة: "ما يشَدُّو لَقْنَاتْ. غَا الْكَبَالاَتْ"، (أي الرجال الأشداء الأقوياء وحدهم يتربصون بالأعداء). "عْلَى شْعَرْ الرَّاسْ الِّلي بْقَى فِي الْكَايَاسْ"، (إلى حدود اليوم تسمّي ساكنة سيدي قاسم إسفلت الشارع بـ "الْكَايَاسْ". أما قول: "شعَرْ الرَّاسْ" فهي إشارة لشعر المعمرين الذين قام الوطنيون بإضرام النار فيهم في الشارع العام . بالإضافة إلى شذرة "سَعْدِي بِوْلَادِي. رَاهْ قَتْلُو بَرْﯕَادِي". (إن الأولاد هنا هم رجال المقاومة). و "قُولِي لْخُوكْ يَعْـﯕَبْ. رَا اَلطَّنْـﯕْ أَرْﯕَبْ".

 إن الباحث الأستاذ عبد الرحيم شرّاد في منشوره الذي تناول فيه (عيطة) الأغنية الشعبية "رْفَاﯕَتْ الرْجَالْ" يروم إعادة كتابة المجد المنسي لكل من رحلوا من رجالات الوطن ، ومن حقه أن يتغنى بهذه الأرض الطيبة، حيث يستشهد في هذا السياق بقول الشاعر محمود درويش حين أنشد قائلا: "وليكن. لا بد لي أن أتباهى بك يا جرح المدينة. أنت يا لوحة برق في ليالينا الحزينة. يعبس الشارع في وجهي. فتحميني من الظل ونظرات الضغينة".