الأحد 14 أغسطس 2022
مجتمع

أي تأثير للسياسات العمومية على مهنة المحاماة؟ سؤال يجيب عنه النقيب بيرواين

أي تأثير للسياسات العمومية على مهنة المحاماة؟ سؤال يجيب عنه النقيب بيرواين حسن بيرواين، النقيب السابق لهيئة المحامين بالدار البيضاء

قال الأستاذ حسن بيرواين، النقيب السابق لهيئة المحامين بالدار البيضاء، إن الأزمة التي تعيشها مهنة المحاماة، لا تنفك عن الأزمة التي يعيشها المجتمع المغربي عموما والذي أصبحت بنيته التراكبية هشة بفعل التحولات الكبرى التي تعرضت وتتعرض لها بنياته التقليدية، مما أدى إلى فقدانه لقيمه ومعالمه التقليدية في غياب مشاريع مجتمعية متكاملة تكون موضوع حوار وتوافق ما بين مختلف نخبه.

جاء ذلك ضمن يوم دراسي نظمته هيئة المحامين بطنجة حول موضوع "تأثير السياسات العمومية على مهنة المحاماة"، وزاد النقيب في إعطاء تصور عام لمهنة المحاماة يتسم بالاضطراب وعدم الاستقرار وضبابية الأفق الذ منذ فترة في غياب الثبات اللازم لقيم المهنة وقواعدها.

وحول خصائص السياسات العمومية المؤسسة لأزمة مهنة المحاماة، قال النقيب بيرواين أنه في مجتمع تحتكر فيه السلطة السياسية القرار، تؤثر بشكل عام في عموم أنشطة المجتمع. بحيث يصعب عزل عوامل التأثير المنبثقة عن سياسة عمومية محددة او في مجال محدد. لذلك يمكن القول بان المحاماة تتأثر بمجمل السياسات العمومية للدولة..

فالأكيد أن التربية والتعليم والتكوين يؤثر في جميع مجالات المجتمع، خصوصا في بلد ما زالت الأمية تسجل فيه معدلات تقارب نسبة 40 في المائة (مع تفاوت جهوي ومجالي وتفاوت في إطار النوع الاجتماعي) والأكيد كذلك أن مهنة المحاماة باعتبارها مهنة تتطلب مستوى من التكوين والتعليم تتأثر بشكل واضح بالسياسات العمومية في مجال التربية والتعليم، من حيث نوعية التعليم وتكافؤ الفرص، ولغة التعلم وغيرها من محددات هذه السياسات.

الدراسات القانونية في بلادنا ما زالت بنسبة شبه مطلقة تتم في المؤسسات الجامعية التابعة للتعليم العمومي، التي تعتبر من ما يسمى مؤسسات الاستقطاب المفتوح، وهنا تبدأ أول إشكاليات السياسات العمومية في هذا المجال، فهذه المؤسسات تستقطب التلاميذ ذوي المستوى المتوسط، بعد ان يكون التلاميذ ذوي المستوى العالي قد اختاروا مسارات الاستقطاب المحدود والانتقائي (مسارات الهندسة والطب ومدارس التدبير والتسيير ومؤسسات التكوين العليا)، مع التأكيد على ان هناك اختلافا في الاستقطاب، بالنظر للغة التعليم، وهو اختلاف بدأ يتقلص بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. تستقبل كليات الحقوق (شاملة لشعب الاقتصاد) سنويا نسبة 55 في المائة من طلبة التعليم العالي بالمغرب حسب احصائيات رسمية.. هذا العدد المتزايد يشكل ضغطا غير مقبول على بنيات الاستقبال التي تظل في تطور بطيء وغير متوازن، مما يؤدي إلى ضعف التأطير الأكاديمي والاكتفاء بالدروس النظرية العامة. ومما زاد الامر خطورة تقليص مدة التكوين واختصاره في ثلاثة سنوات، مع تقليص مخل لعدد مواد التكوين.

ضغط خريجي كليات الحقوق وأولويات السياسات العمومية الحكومية في مجال التشغيل بنهج سياسة تخفيف الضغط على الوظيفة العمومية، جعل السلطات العمومية توجه ذلك الضغط نحو المهنة القانونية الوحيدة المفتوحة الاستقطاب وهي مهنة المحاماة التي استقبلت خلال عقد من الزمن (ما بين امتحان سنة 2013 وسنة 2019) ما يفوق 8000 وافدا جديدا، أي ما يقارب 40 فب المائة من المنتسبين لها. وكل ذلك تحت مبرر كون الأمر يتعلق بمهنة حرة.

ويشكل المحامون مهنيو العدالة الأكبر عددا. هذا التطور العددي الهائل لا توازيه أية سياسات عمومية في مجالات التكوين والتدريب، أو في مجالات توسيع مجال العمل وتحصينه. ولن ينكر أحد تأثير هذا التطور العددي من جهة على ظروف الاشتغال وانزياح قيم الممارسة المهنية لصالح تعميق عدة ظواهر سلبية. كما لن ينكر أحد تأثير ذلك على جودة الخدمة المقدمة لمرتفقي العدالة.

تركزت السياسات العمومية في توفير البنيات التحتية لاشتغال المحاكم، وتأهيل الموارد البشرية للعدالة من قضاة وموظفين، وتوفير وسائل العمل في المحاكم، مع تحديث الإطار القانوني وتشريع قوانين تساير هذه السياسات العمومية..

وقد تم إقصاء مهنة المحاماة من هذه البرامج، ولم تحظ إلا ببعض الهوامش في مجال التكوين والتدريب. مما أدى إلى فشل تنزيل مجموعة من هذه البرامج على ارض الواقع..

يشكل المحامون نسبة تقارب النصف من عدد المترددين على مختلف المحاكم (مع تفاوت يجعل النسبة امام المحاكم الإدارية والتجارية ومحكمة النقض تقارب 90 في المائة) فإنه من جهة لا زال المحامي مغيبا في المشاركة في هيئات التشاور المكلفة بإعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها. كما أن التوجه التشريعي المكرس من طرف القوانين المسطرية وقانون التنظيم القضائي والنصوص التنظيمية لا يأخذ بعين الاعتبار تنزيل هذه المبادئ..

إن مجال العمل القانوني والخدمات القانونية مجال غير محروس مشرع على عواهنه لممارسات تجارية من طرف شركات تجارية تعتدي على مجالات عمل مهنة المحاماة وتمارس منافسة غير مشروعة. وتصبح هذه المنافسة خطيرة جدا على مستقبل القطاع أمام خطرين رئيسين هما المكاتب الأجنبية التي أصبحت تنمو كالفطر بلا حسيب ولا رقيب، كأن البلد مشرع بدون قانون والتي تتعامل معها الدولة والإدارات والمؤسسات العمومية. ثم شركات التحصيل التي أصبحت تتجاوز مجرد التحصيل الودي إلى ممارسة مساطر قضائية.

يجب على السياسات العمومية أن تكون منسجمة ومتناغمة ومنطقية، وأن لا تعمل بشكل انتقائي متناقض ولا يعبر عن توجهات صحيحة.

مهنة المحاماة تعاني ما تعانيه جميع الطبقات الوسطى من ضغط ضريبي واعتماد أنظمة غير ملائمة. ورغم النداءات المتكررة لمؤسسات شبه حكومية، وخلاصات المناظرات الوطنية حول الضريبة، والتي تدعو لاعتماد نظام ضريبي عادل ومنصف، يلغي التحملات التي توازيها أية خدمات حقيقة (مثل الضريبة المهنية) وتخفيف الضغط الضريبي، وتشجيع مبادرات التشغيل والاستثمار، وخصوصا تمكين هذه الطبقات من خصم مصاريف الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وسكن باعتبارها خدمات كان ينبغي أن توفر الدولة حدها المعقول. فإن اعتماد إصلاح ضريبي ما زال غائبا عن أولويات السياسات العمومية، في مقابل الاستثمار في آليات التقصي والتتبع والتحري والمتابعة...