الجمعة 12 أغسطس 2022
فن وثقافة

لحسن العسيبي: فائض الطموح وفائض الصدق والوفاء في شخصية عبد الرحيم أريري

لحسن العسيبي: فائض الطموح وفائض الصدق والوفاء في شخصية عبد الرحيم أريري عبد الرحيم أريري ولحسن العسيبي(يسارا)
على هامش تكريم مقاطعة المعاريف بالبيضاء للزميل عبد الرحيم أريري، مدير موقع "أنفاس بريس" و"الوطن الآن"، في حفل احتضنه أحد فنادق المدينة يوم الجمعة 6 ماي 2022، أدلى الزميل لحسن العسيبي( الصحفي بيومية الاتحاد الاشتراكي) ، بشهادة في حق المحتفى به، ننشرها كاملة :
 
بداية شكرا لجماعة المعاريف رئيسا ومنتخبين وأطرا على جميل الدعوة وكذا على مبادرة تكريم واحد من أعمدة الصحافة بالمغرب من الجيل الثالث لأجيال الصحفيين المغاربة، الأخ عبد الرحيم أريري.
الحقيقة ثمة مداخل عدة لمقاربة شخصية أخي وصديقي عبد الرحيم، أود أن أتوقف عند ثلاثة منها تحديدا. مع الإشارة بداية إلى أن صداقتي معه تعود إلى أكثر من 34 سنة، فهي عمر بكامله، ذلك أن قدرنا معا شاء أن نبدأ رحلتنا المهنية في مجال الصحافة المغربية في نفس اليوم، وكان ذلك، وأنا أذكر التاريخ جيدا، يوم الإثنين 15 غشت 1988، حيث التقيته صباحا بباب جريدة "الإتحاد الإشتراكي" ب 33 زنقة الأمير عبد القادر الجزائري بعين برجة بالدار البيضاء، واستقبلنا مديرها حينها الأستاذ محمد البريني، لتنطلق رحلتنا المهنية والأخوية والإنسانية من حينها ولم تنقطع أبدا إلى اليوم ولله الحمد.
 
المدخل الأول لشخصية أريري، هي طبيعة مزاجه الشخصي في ممارسة الحياة. ذلك أنه عكس ما يحرص هو على أن يقدمه للناس في مظهره الخارجي على أنه فوضوي، فهو رجل جد منظم وله خلفية معرفية سلوكية خاصة به في الحياة. ولو شئت أن أضع لها عنوانا، لقلت إن عبد الرحيم ينتصر للوظيفي في الأشياء وفي الأمور وليس للجمالي. وما أقصده بالتحديد، هو أن الرجل براغماتي بالدرجة الأولى، وهو بذلك ينتمي فكريا وسلوكيا، إذا شئنا، إلى المدرسة الأنغلوساكسونية في توجهها الأمريكي وليس إلى المدرسة الأروبية في شقها الفرنسي أو الإيطالي، حيث الإنتصار للجمالي سابق على الوظيفي. حتى أفسر الأمر أكثر ببساطة، فإن أريري حين يريد مثلا أن يشتري حذاء فهو لا يهتم أبدا بنوع الحذاء وما قيمته الجمالية وإلى أي تيار من الموضة ينتمي، ولا إلى نوع ديزاينه، أو قيمة ونوعية الجلد المصنوع منه. ما يهمه بالدرجة الأولى هو أنه حذاء سيحميه من أن يمشي حافيا. بالتالي فما يهمه بالدرجة الأولى هي وظيفة الحذاء وليس شكله أو جماليته.
 
المدخل الثاني هو علاقته في المجال المهني الصحفي باللغة. أريري يضيق كثيرا بما كان يتهمنا به أننا نمارسه من "شقشقة" في الكتابة الصحفية، ويضيق من ما يسميه "التواشي". لأنه بالعودة إلى روح الصحافة نفسها سنجد أن ماهية الممارسة الصحفية قائمة في أننا كقبيلة من الصحفيين دورنا في مكان ما هو أنني نبيع الكلام للناس. فالصحفي علاقته بالمستهلك قائمة على اللغة، التي هي وسيلته للتواصل والتأثير في الناس وخلق الرأي العام. فالمضمون في الصحافة محمول بلغة في المقام الأول. بالتالي، فإن ما يمنح للواحد منا أن يتميز بشخصيته المهنية وباسمه المختلف ضمن قبيلة كاملة من الصحفيين، هو نجاحه في نحت لغته الخاصة أي أسلوبه الخاص. فاللغة والأسلوب هنا هما عنوان شخصية الصحفي، الذي تحوله إلى علامة وأيقونة ونموذج، إلى الحد أنك حين تقرأ مادة غير موقعة تقول هذا أسلوب فلان، كما لو أنك تقول هذه شخصية فلان المهنية. وأريري نجح بمسافات في خلق لغته وأسلوبه وشخصيته المهنية من زمان. بل أنني أكاد أجزم أنه قد خلق بدون مبالغة مدرسته المهنية الخاصة تقنيا وأسلوبيا ولغة، أنضجت نماذج مماثلة له في الجيل الحالي من الصحفيين المغاربة، وهذا واحد من ملامح قوته المهنية. بل إنني أجزم أنه بالعودة إلى دراسة الخطاب الصحفي بالمغرب من خلال منتوج جريدة "الإتحاد الإشتراكي" سنجد أن أسلوب ولغة الكتابة بها ما قبل 1988 هو غير ما بعد 1988، مع التحاق جيل أريري بها. فالرجل خلق لغته وأسلوبه وفرضه كتوجه في الكتابة الصحفية، متأسس على الجملة المباشرة، المكتفية بالبناء اللغوي للفعل والفاعل والمفعول به، بدون محسنات وبدون إطناب وبمباشرية غايتها تبليغ المعلومة عبر الخبر. وأنه ضمن ذلك كله ظل يبني خطابه الصحفي على منطق الإقناع الذي ينطلق من السبب ليصل بك إلى النتيجة، وأن الأرقام عنده مقالات قائمة الذات، وأنه يبني للأرقام والإحصاءات معاني وتفسيرا ينور الرأي العام بها ويوجهه. وهذه سلطة، نجح أريري أن يخلق بها شخصيته المهنية ضمن تاريخ الصحافة المغربية.
 
المدخل الثالث، هو ما يمكن أن أسميه "فائض الطموح" في شخصيته. وكان من حظي أنني سافرت معه كثيرا (بالخصوص خارج المغرب). وأذكر أنه مرة كنا في دورة تكوينية بدعم من المجموعة الأروبية سنة 1996، قبل تأسيس الإتحاد الأروبي، استفدنا فيها من تكوين حول صحافة التحقيق والتقصي بكل من جامعتي مارسيليا بفرنسا وجامعة برشلونة بإسبانيا. في الأولى تدربنا مع صحفيين من جريدة لوبروفانسال وفي الثانية بجريدة "لافانغوارديا" الكطلانية. في تلك الرحلة سيأخدني أريري بمغامرة إرادية لاكتشاف دهاليز برشلونة الأخرى، تلك البعيدة عن برشلونة الصور السياحية. وفي إحدى المرات استقبلنا مدير جريدة "لافانغوارديا" في مكتبه، وكان يجلس على مكتب خشبي قديم مطرز بالرسوم، وحكى لنا أنه كل صباح يتهب من الجلوس على ذلك المكتب لأنه مكتب أول مدير أسس تلك الجريدة الإسبانية منذ أكثر من 100 عام، وأنه يطرح دوما على نفسه سؤالا إن كان يستحق الجلوس عليه مهنيا، مما كان يشحذ دوما انتباهه المهني والصحفي ليكون منتصرا لشروط المهنة الواجبة برأسمالها الأساسي الذي هو المصداقية. والتفت أريري إلي وقال لي: "ذات يوم سأخلق مكتبي الصحفي أيضا"، ابتسمت وقلت له إنك تحلم يا ولد البرنوصي والخط 33، وأجابني: "سترى". وفعلا رأيت. فالرجل خلق "مكتبه الصحفي" بمعنى التوجه والقيمة المهنية ولا يزال، أنضجت مدرسة مهنية قائمة بذاتها في مجال الصحافة المعنية بالشأن الترابي والحقوقي بالمغرب وفي مجال صحافة التحري والتحقيق والتقصي.
 
أخيرا، لأريري خصلتان متميزتان كإنسان. أولها أنه أب فاضل أسريا، له حرص على المقاومة والتضحية من أجل أبنائه بدون أن يظهر ذلك عاطفيا ووجدانيا. وزريعته طرحت ولله الحمد نقلة جيدة مشرفة عنوانها ابنته البكر "رانية أريري" الإطار العالي بفرنسا اليوم ضمن مجالات علمية جد دقيقة ومتقدمة، يكفي أنها بكفاءتها العلمية جعلت الدولة الفرنسية تقرر بعثها لإتمام تكوين أكاديمي رفيع منذ سنوات في واحدة من أرقى جامعات العالم، هي جامعة بيركلي بمدينة سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية. ثانيها، أنه إنسان وفي للصداقات التي تستحق ثقته، وأنه من النوع الذي تعطيه ظهرك بأمان، فهو لن يغدرك أو يطعنك في ظهرك أبدا، وهذه للأسف خصلة نادرة وقليلة في قبيلتنا نحن الصحفيين.
 
شكرا أريري أنك موجود، أنك علامة مشرفة للصحافة المغربية، أنك تعلي ليس فقط من قيمتك المهنية، بل من قيمتنا جميعا نحن زملاؤك ورفاق طريقك.