الخميس 30 يونيو 2022
كتاب الرأي

محمد كلاوي: حقوق الإنسان وواجبات الدولة.. قراءة سياسية

 
محمد كلاوي: حقوق الإنسان وواجبات الدولة.. قراءة سياسية محمد كلاوي
" الديمقراطية هي أسوأ نظام، باستثناء كل الأنظمة الأخرى"
تشرشل
منذ تنصيب حكومة عزيز أخنوش في شتنبر 2021 تناسلت العديد من التساؤلات والانتقادات حول مصداقيتها وأهدافها، خصوصا بعدما تقلصت في ظلها شروط احترام الحريات الفردية والجماعية، التي بلغت مداها بمصادرة الحق في الرأي والتعبير، والذي نجمت عنه العديد من الاعتقالات، التي وصفت احيانا بالتعسفية، في حق بعض الصحفيين والمدونين والذي كانت نبيلة منيب أكبر ضحاياه، لأن قرار منعها من الولوج إلى البرلمان فيه ضرب، لا يقبل أي تبرير، لإرادة الناخبين الذين منحوها أصواتهم. فقال بعض المتتبعين إن هناك تراجعا في مجال حقوق الإنسان، بينما أنكر آخرون هذا الطرح مؤكدين ان التردي لا يصح حينما تنعدم أصلا هذه الحقوق. أما الحكومة حسب بعض المحللين، فقد اعتبرت ضمنيا أن مسألة هذه الحقوق طويت منذ أن تم إجبار الضرر بالنسبة لضحايا تازممارت التي أنشئت من أجلها هياة الانصاف والمصالحة في عهد الملك محمد السادس. لكنها تغافلت بأنها حقوق لا تنفك تتطور وتتحرك ولكنها لا تنتهي. إضافة إلى ذلك، فقد اكدت الهيأة في مقترحاتها أن الغاية في آخر المطاف هي التزام السلطة بضمان عدم تكرار ما جرى ومحو آثار الانتهاكات واسترجاع الثقة في حكم القانون واحترام حقوق الانسان.
ففي الغرب وهو منبع الديمقراطية المعاصرة لم يتوقف الكفاح من أجل ترسيخ المبادئ والممارسات اليومية التي تؤسس هذه الحقوق. أما في الدول المنضمة حديثا إلى حظيرة الأمم ذات التوجه "الديمقراطي" حيث عادة ما تكون هذه الحقوق مهددة باستمرار او يتم خرقها علانية، لاعتبارات دينية أو عرقية أو قبلية... فقد وجب أن يكون هذا النضال ثورة مستمرة ومتجددة لأن المعركة من أجلها تمارس في مناخات اجتماعية وسياسية واقتصادية ضاغطة كثيرا ما تحد من فاعليتها. فجل الدول العربية والإسلامية تضع تحفظات لا حصر لها على عدد من بنود المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تقبل الانضمام إليها بسبب تعارضها مع الشريعة الإسلامية، وقد ترفضها كلية تحت ذريعة "الخصوصية" وكأنها تقول للعالم نحن لم نصل بعد مرتبة الإنسان. صحيح أن قانون المعاهدات كما جاء في اتفاقية فيينا لسنة 1969 يجيز التحفظات على المعاهدات متى لم تحظر صراحة التحفظ على أحكامها مع وضع شروط موضوعية وشكلية لصحتها، غير أنها تفرغ وحدة الاتفاقيات من مضمونها وتتناقض مع الطبيعة الموضوعية لها إذا ما وقع التمادي في استغلالها. فإذا كانت سلطة الدولة في الماضي مطلقة فيما يخص حرية الأفراد وحقوقهم باعتبارهم مجرد مكونات داخل الجماعة-القبيلة، فإن القانون الدولي قد وضع جملة من القيود والواجبات على الدولة بعد ما تم الاعتراف بفردانية الأنسان. وهكذا حرمت الاتفاقيات الدولية التحفظ أو مخالفة ما يخص الحق في الحياة والحق في حرية الفكر والرأي والحق في حرية المعتقد والحق في عدم الخضوع للتعذيب والمعاملة الحاطة بالكرامة ْوفي عدم جواز رجعية القوانين الجنائية وفي احترام مبدأ قرينة البراءة...
ومع ذلك، وبالرغم من غياب أي قواعد ملزمة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لأنه كما أكدت رئيسة لجنة صياغة الإعلان "ليس اتفاقا أو معاهدة، وليس له قوة القانون"، فإن مسألة تحديد ما إذا كان يتوجب إيلاء الأسبقية للاقتصادي على الحقوق المدنية الأساسية ظلت لأسباب سياسية واقتصادية موضع تجاذب، ليس فقط في دول الجنوب بل وحتى في الدول المتحضرة. فأصحاب الطرح الذين يعتقدون بأن الدول الفقيرة مطالبة قبل أي شيء آخر بقصر كل اهتمامها على التنمية ولو اقتضى الأمر تضييق هامش الحريات السياسية ليسوا مصيبين سوى ظاهريا. فهم يغفلون بأن الجيل الأول المنبثق عن ثورة 1789 الفرنسية تقر ان أحسن وسيلة لصيانتها تكمن في إحجام الدولة عن التدخل فيها لأنها قوانين ترتبط طبيعيا بكيان الإنسان وتشكل جزءا لا يتجزأ منه. فهي حقوق طبيعية بمقتضى البند 30 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948. ومما قد يثير بعض الاستغراب أن يكون الرجل الذي عبر بنباهة وذكاء عن ثنايا هذه المفارقة هو الرئيس الاشتراكي التنزاني السابق يوليوس نييريري في إحدى تدخلاته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث يقول: "الحرية والتنمية مرتبطان ارتباطا وثيقا مثلما ترتبط الدجاجة بالبيضة. فبدون الدجاجة لن تكون هناك البيضة وبدون البيضة لن توجد الدجاجة. وبنفس الشكل، بدون حرية لن تكون هناك تنمية وبدون تنمية نفقد الحرية سريعا".
غير أن الواقع الفعلي لكل الدول العربية والإفريقية، بحكم قلة اكتراثها بالكرامة الإنسانية، لا هي صانت البيضة ولا رحمت الدجاجة...
صحيح أن حقوق الإنسان، وإن كانت شمولية، فهي ليست ذات طبيعة واحدة ولا تشتمل على نفس الأحكام. فالحق في التنمية مثلا ليس على نفس القدر مع الحق في الأمن كما أن معاقبة الإخلال بالحق في العيش الكريم لا تتطابق مع عقوبة التعذيب. غير أن طرح السؤال في بيئتنا يمر حاليا بمرحلة جد عصيبة تتسم بتشدد تصاعدي للسلطة. الشيء الذي يولد الكثير من علامات استفهام حول طبيعة وغايات هذه الصرامة من قبل أجهزة الدولة والخوف من أن يتم استغلال هذا التوجه لأغراض ليست على القدر الكافي من الشفافية. فهناك من جهة احتمال تجاوز الحدود القانونية المشروعة في العمل الحكومي، مما يثير زوبعة من الانتقادات من طرف الرأي العام الداخلي والأجنبي، وبالأخص الصحافة الدولية والمنظمات الحقوقية التي كثيرا ما تنظر للتوجه الأمني للدولة كبتر لمسلسل الانفتاح الذي كان قد خطه النظام منذ بداية التسعينيات. بالمقابل، هناك رؤية الذين يحلمون بتأسيس جسد اجتماعي موحد لا يحتمل الاختلاف ويريدون تسييج الناس في إطار نظام واحد قائم على الرقابة الذاتية ولا يجيز أي تمييز بين القانون والأخلاق، بين القيم الإنسانية والركض نحو الربح حتى ولوكان فيه ضرب صارخ لمبادئ الديمقراطية. كنموذج ما تفوه به جهلا أو تجاهلا رئيس مجلس النواب حينما "اختلق" تعريفا جديدا لمفهوم الديمقراطية التي نفى عنها ركيزتها الأساس أي الاختلاف، وعوضها بفكرة التوافق كبديل. مثل هذه الأفكار لا تتناقض فقط مع مبادئ الحزب الحاكم المفروض فيه أن يكون حزبا ليبراليا يؤمن بالتعددية والحرية والمساواة، بل تهد من الأصل الهدف الرامي إلى الانتقال بالإنسان من طور الرعية إلى طور المواطنة.
من هنا نعتقد أن مزاولة الدولة للعنف لا يجب أن يخرج عن نطاق الشرعية باحترام وصيانة حقوق الإنسان مهما تعددت أصنافها. إن التقدم الغربي في مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والعلمية ... خلال القرن التاسع عشر ما كان ليتأتى لها لولا احترام المواطن والحاكم للقانون والمؤسسات الدستورية وتوفير الأمن في صفوف المواطنين وإرساء دعائم الدولة على الحرية والعدالة والمساواة.
لا شك أن الديمقراطية الغربية لم تنشأ سلميا لأنها تأسست على الثورات. ويكفي أن نراجع ما كتبه أليكسيس دو نوكفيل في كتابه "النظام القديم والثورة" الصادر في سنة 1856 الذي يؤكد من خلاله بأن الثورة لم تشكل قطيعة مع النظام القديم لأن كل ما اعتبره المؤرخون آنذاك قطيعة لم يكن في نظر المعاصرين سوى استمرارية لم يكن فيها للثورة دورعدا مطابقة الأفكار مع الافعال. أما الثوري بلا نكي فقد هب لحد وصف الشعب بالغوغاء والثوريين بالإرهابيين... كل هذا لنتيقن من مدى التضحيات التي رافقت قيام الديمقراطية في فرنسا وانكلترا وأمريكا.... لكننا هنا والآن في المغرب نحظى بدرجة كبيرة من الاستقرار السياسي. فالعنف الدولتي، المادي والمعنوي، الذي تمارسه الحكومة بضربها عرض الحائط للقوانين الرادعة للشطط في استعمال السلطة والتي تضمن نسبيا أمن الانسان المغربي وحرياته، لن تولد غير العنف لأن "القوة كما يقول روسو لا تخلق الحق" فهناك قاعدة لم يعد ينكرها أحد مفادها أن استقرار الأنظمة الغربية هي قدرتها على صيانة الحقوق الإنسانية مهما اشتدت الأزمات، لأن المواطن هو من يقوم بحمايتها، ولنا في التاريخ القريب لإسبانيا مثالا دالا على هذه القاعدة حينما انتفض الشعب ممثلا في أعضاء الكونغريس في 23 فبراير من سنة 1981 ضد جماعة من الحرس العسكري الراغبين في إعادة النظام الفرنكوي دفاعا غلى العرش رمز استمرارية ووحدة البلد، ضد من يسعى "لإيقاف المسلسل الديمقراطي بالقوة" كما جاء في كلمة الملك خوان كارلوس.
وقذ يعيدنا هذا إلى عهد اعتقدنا أنه مضى، عهد السلطة الشخصية التي تتنافى مع دولة المؤسسات كما هو مسطر في بنود الدستور. نقول هذا لأن كل شيء في تصرفات الحكومة حاليا التي أصبحت توصف بالاستبدادية يوحي بأننا لم نخرج من ربقة المخزن حيث لا وجود لفصل السلط أو للمواطن.