الجمعة 12 أغسطس 2022
فن وثقافة

الدكتورمحمد مفتاح والرحيل الموجع

الدكتورمحمد مفتاح والرحيل الموجع الدكتورمحمد مفتاح
فقدت الساحة الأدبية والنقدية في المغرب والعالم العربي، أديبا كبيرا وناقدا ألمعيا وأكاديميا متوهجا، يغادرنا أستاذنا سيدي محمد مفتاح إلى دار البقاء وصورته لا تفارقنا.. عرفناه كطلبة منذ فترة سبعينيات القرن الماضي برحاب كلية الآداب بالرباط، أستاذا جليل القدر، عفيفا كريم النفس عزيزها، شامخ الكرامة قويا عند قول الحق، صريحا في كل تصرفاته وسلوكياته.. وكلها صفات كان يتمتع بها رحمه الله وطيب ثراه. وهي صفات تدل على ما كان يتمتع به من نضوج فكري وعقلية هادفة متزنة وبصيرة ثاقبة.. وهذه المقومات البشرية، لا يمكن إلا أن تهدي إلى الخير والفضيلة.
عرفناه أستاذا جادا، مؤدبا وهادئا صامتا، يفكر مليا قبل أي حديث، مرهف الحس، خفيف الروح، حلو النطق واللسان، سليم الطبع والطباع.
وإذ أنسى، لا أنسى معاملته الطيبة للطلبة سواء داخل مدرجات وفصول الكلية أو خارجها، هدفه تقديم كل ما لديه من علم ومعرفة .. يتألق في شرحه ومعالجته للنصوص الأدبية، تتدفق العبارات الرائقة على مسامع طلبته كتدفق السيل، حيث كانت له طريقة خاصة في الإلقاء، أساسها قوة الفطنة وقوامها ، ودقة الملاحظة .. يفهم الظروف التي تحيط بالقضايا التي تطرح في تلك النصوص، يدرك حجم وقعها ومؤثراتها .. هذا هو الأستاذ محمد مفتاح .. رافقته في المراحل الأولى من تعليمي الجامعي، ثم أكملت معه المسير في السلك الثالث، إلى جانب أستاذنا الجليل عميد الأدب المغربي الدكتور عباس الجراري حفظه الله وأبعد عنه كل مكروه .. دون أن أنسى كذلك أستاذنا المرحوم الدكتور محمد بنشريفة، وهي أسماء ستبقى خالدة في نفوسنا جميعا باعتبارها منبع الحكمة والعلم والمعرفة وموضع الثقة.. وهي مقومات لا يمتلكها إلا من ارتقت أخلاقهم، ونبلت سلوكاتهم، فهم مكان القدوة الحسنة والريادة والسيرة المضيئة.
كم هي جميلة ومفيدة وممتعة تلك الحصص الدراسية التي قضيناها مع هؤلاء الأساتذة الكبار .. نهلنا من علومهم وثقافتهم وفكرهم، فوجدنا فيهم الأب النصوح الحنون، والمربي الفاضل، والأديب المتواضع، والأستاذ المخلص، فعلى يدهم تعلمنا القدرة على التواصل والإسهام بفعالية في المحيط والمجتمع والناس من حولنا. فكانوا قدوة لنا في طلب العلم ونشره، وفي البحث عن خبايا اللغة والأدب والنقد .. استنهضوا هممنا، وفتحوا بصائرنا، فكانوا المنهل الذي لا ينضب .. وبذلك، أقاموا البرهان على عبقريتهم وشمول ثقافتهم ومعرفتهم الواسعة.
فرحم الله أستاذنا سيدي محمد مفتاح وأجزل له العطاء ، راجين له من العلي القدير ما هو عنده سبحانه خير وأبقى، فيساق إلى جنة النعيم " سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين "
وختاما، نسوق قول الحق سبحانه وتعالى: " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون ". هي فعلا فاجعة موجعة، لا يكبح لها جماح، ولا تضمد منها جراح .. وعزاؤنا واحد في فقدان أستاذنا سيدي محمد مفتاح أسكنه الباري تعالى فسيح جناته.