الثلاثاء 24 مايو 2022
كتاب الرأي

شقران أمام: حكومة أخنوش..مائة يوم من العزلة

شقران أمام: حكومة أخنوش..مائة يوم من العزلة شقران أمام
عنوان يصح أن نختزل من خلاله، قراءة أولية لحصيلة عمل حكومة السيد عزيز أخنوش، بعد مائة يوم على تنصيبها، ارتباطا بما سبقها من تطلعات وانتظارات ومجهود تواصلي كبير، طيلة أشهر عديدة مهدت لاستحقاقات الثامن من شتنبر 2021، وبما صاحب ذلك من وعود وبرامج انتخابية، وتبعها من مشاريع إجراءات وبرامج معلنة أثناء تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان.
وإذا كان، من السابق لأوانه اليوم، تناول حصيلة هذه الحكومة في بعدها الاجرائي والعملي على أرض الواقع، بكثير من التدقيق والمقارنة مع ما جاء في برامج أحزابها الانتخابية وكذا برنامجها الذي وصفه رئيسها بميثاق شرف مع المواطنات والمواطنين، فإنه، ومن باب القراءة الموضوعية لفترة زمنية ذات أهمية في مسارات البداية لدى كل حكومة، سيكون من المفيد الوقوف عند عدد من الملاحظات التي، لا شك، لها أهميتها في استشراف القادم من عمر الأخيرة وتفاعلها مع بواعث قلق المواطنات والمواطنين. إذ الملاحظ من جهة أن هناك غيابا تاما لأثر هذه الحكومة في بعده السياسي والتعبوي المطلوب في الأسابيع الأولى من بداية تنزيلها لبرامجها، اللهم بعض الخرجات، غير الموفقة، لعدد من مكوناتها ممن لا يزالون يبحثون عن الفرجة في لحظة وطنية تستدعي كثيرا من المبادرة والاشتغال وطرح الحلول والبدائل للإشكالات الاجتماعية والاقتصادية التي تزيد جائحة كرونا واستمرار الإجراءات المرتبط بها من حدتها. فحكومة السيد عزيز أخنوش، و إلى اليوم، هي حكومة بمنطق تقني تدبيري لوضع يستدعي حضور تيمة السياسة في الخطاب المواكب للبرامج، بما يساعد في خلق أجواء من الثقة والتعبئة لإنجاح الإصلاحات الواعدة التي يشهدها المغرب في مجالات مختلفة، وبما يساهم في جعل الأمل أحد مداخل النجاح في مواجهة كثير من التحديات التي تواجهها بلادنا على مستويات متعددة .
ومن جهة ثانية، تستمر عدد من الأسئلة معلقة دون أجوبة عملية، خاصة ما يتعلق بالحلول الممكنة لعدد من الإشكالات الاجتماعية المتفاقمة بسبب تداعيات جائحة كورونا، والتي تستدعي إرادة سياسية حقيقية، ونوعا من الجرأة والمبادرة في التأسيس لبدائل تحد من الخسائر، في أفق التقليص منها ومعالجة الأوضاع المرتبطة بها كما يجب. ولعل أبسط مثال على ذلك ، ما يهم مسألة إغلاق الحدود المستمرة إلى اليوم ، و آثار ذلك على آلاف من المواطنات و المواطنين ، العالقين بعدد من الدول ، ممن يعانون الأمرين ، و ينتظرون ، فيما يشبه اليأس ، إقدام الحكومة على فتح الأجواء أو في أبسط الحالات السماح برحلات استثنائية تنهي معاناتهم المستمرة منذ أسابيع ، و كذا آثار ذلك على السياحة الوطنية و ما يترتب عنها اقتصاديا و اجتماعيا ، كعنوان لفعل الاستمرارية بنفس المنطق الذي تعاملت به الحكومة السابقة و كان موضع انتقاد واسع من المعارضة التي باتت تشكل الحكومة الحالية من خلال حزبين رئيسيين فيها .
والملاحظ من جهة أخرى ، وهذا ما يخلق نوعا من الشك في حقيقة الوعود و البرامج ، أن الحكومة الحالية ، وطيلة مائة يوم من عمرها ، لم تنجح في استثمار الثقة المفترضة في مكوناتها من خلال صناديق استحقاقات الثامن من شتنبر ، بالتأسيس لممارسة جديدة قوامها التواصل الجيد مع المواطنات والمواطنين ، واتخاذ القرارات المناسبة بخصوص عدد من القضايا التي لا تتطلب بالضرورة اعتمادات مالية استثنائية أو تحتاج إلى معالجة تشريعية قد تتطلب بعض الوقت لاستكمال المساطر بشأنها ، بقدر ما تتطلب نوعا من الاجتهاد والإنصات للوصول إلى حلول عملية ، مقبولة وفي صالح الوطن و المواطن ، من خلال التطبيق السليم للقانون و التعاطي المسؤول مع ملاحظات الفاعلين المجتمعيين في واجهات متعددة، منها على سبيل المثال لا الحصر التعاطي السلبي مع الارتفاع الكبير لأسعار عدد من المواد الاستهلاكية الأساسية ، مشاكل المقاولات الصغرى والمتوسطة مع الأبناء والصعوبات المتعلقة بالقروض و تمويل مشاريع الشباب ، دعم الفئات المتضررة بشكل كبير من تداعيات الاغلاق الناتج عن جائحة كورونا ، وغير ذلك مما لا يتسع المجال للوقوف عنده من خلال هذا المقال .
لكن ، والملاحظ أيضا ، وهو أمر لا شك يجب التنويه به ، يقف المرء عند انكباب الحكومة على تنزيل المراسيم التطبيقية الخاصة بتعميم التغطية الصحية و المعاشات في إطار تعميم الحماية الاجتماعية، والعمل على واجهة الاستثمار بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية ، والاجتهاد في إيجاد حلول عملية لإشكالية العطالة التي يعاني منها مئات الآلاف من الشباب، والتي يشكل برنامج أوراش أحد أمثلتها التي تستدعي وقفة تأمل و قراءة هادئة بحكم الطابع المؤقت لعقود الشغل المرتبطة بها و ما يمكن أن ينتج عن ذلك من إشكالات حقيقية في المستقبل .
والملاحظ في الأخير، وفي ظل إعادة التأكيد على أن الامر يتعلق بقراءة أولية لحصيلة عمل مائة يوم من عمر الحكومة، أن الغائب الأكبر طيلة هذه المدة هو ذلك الزخم المفترض حضوره كعنوان للنقاش المعبر عن التفاعل مع العمل الحكومي بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية، بسبب شبه غياب لرئيسها وعدد هام من مكوناتها، وسقوط عدد آخر في فعل الحضور كهدف في حد ذاته .. قد يقول البعض بأنهم يشتغلون في صمت، ولكن الأمر يتعلق بحكومة سياسية أحد ركائز نجاحها حسن التواصل بخطاب يزرع الأمل في ما ينجز و ما يرتقب إنجازه، لأن دائرة الشك تتسع في تماس مع حالة من اليأس لدى شرائح مجتمعية واسعة تعاني الأمرين ببلادنا، ولأن الأمر يظهر كما لو أن هذه الحكومة، التي يفترض أنها نتاج صناديق الاقتراع، عاشت مائة يوم من العزلة ... ولا تزال كذلك .