الأربعاء 6 يوليو 2022
فن وثقافة

الصحراء وكلية آداب الرباط.. الجهل المركب!

الصحراء وكلية آداب الرباط.. الجهل المركب! واجهة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط وغلاف كتاب الصحراء
بات يقينا لدى طيف واسع من المثقفين والباحثين الصحراويين أن بعض الجامعات المغربية لا تعدو كونها مرددة لصدى ما يتم تداوله خارج أسوارها عن الصحراء وأهلها بحسب الظروف والسياقات، والأحداث التي ترخي بظلالها على موقف مؤسسات البحث العلمي والأكاديمي ببلادنا، لاسيما حينما يكون التناول المناسباتي يحدد إطارا ضيقا للنقاش والحوار ويحصر الصحراء في قضية سياسية محسومة مسبقا لصالح الوحدة الترابية، وما عدا ذلك تفاصيل لا يجب أن تحوز اهتماما كبيرا من قبل جمهور الباحثين ومراكز البحث في الجامعات والكليات. 
قد يتساءل المرء ما المناسبة وراء كتابة تلك الأفكار ولماذا كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط على وجه الخصوص؟ وكيف لعاقل أن يربط مشتلا لنشر المعرفة بالجهل المركب في علاقة بالصحراء؟ وهل هذه الأخيرة تستحق اهتمام الباحثين في المؤسسات الجامعية وما جدوى دراستها والإلمام بتفاصيلها في ضوء بلد موحد وتعددي ومتنوع الثقافات في إطار التكامل؟
أمام هذا السيل الجارف من الأسئلة التي أعادت النقاش حول مستوى فهم الطبقة المغربية المثقفة لمجال الصحراء وثقافته، لا يسعنا إلا أن نؤكد أن ما تم تداوله مؤخرا في الصحافة الوطنية ومواقع التواصل الاجتماعي بمناسبة إصدار النسخة العربية لكتاب الباحث الإسباني "خوسي ماريا ليزونديا" المعنون ب "الصحراء، أفول الشمولية"، يبعث على الخجل ويسائل الفاعلين حول الجدوى من وجود مؤسسات جامعية ككلية آداب الرباط، خاوية على عروشها من الباحثين الجادين والخبراء الذين بإمكانهم الإسهام في تطوير البحث العلمي في العلوم الإنسانية ومجالات اخرى لا تقل أهمية، كالتأليف حول مختلف القضايا المرتبطة بملف الصحراء، لإسناد الموقف الرسمي والديبلوماسي بالرأي والبحث الأكاديمي الرصين.
ينبغي انخراط كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط في مجال الترافع عن مغربية الصحراء في مختلف المنتديات الوطنية والدولية، وما رافق ذلك من اتهامات بالإساءة لإحدى المجموعات القبلية المهمة المشكلة للنسيج الاجتماعي بتلك المنطقة، وتصنيفها بحسب أصلها لفئات تدعى "إمراكن"، وهي مجموعات بشرية خضعت في فترات من الزمن لسيطرة وشروط القبائل المنتصرة في الحروب والنزاعات زمن السيبة، لا يجب أن يمر مرور الكرام لأن مثل تلك الأخطاء الجسيمة كادت أن تعصف بالسلم الاجتماعي في الصحراء لمجرد جهل المترجم بثقافة وتاريخ أهل الصحراء، ناهيك عن التصرف في نص لا يزال مؤلفه موجودا دون تحمل عناء البحث والتواصل مع كاتب النص الأصلي. 
إن هذا السباق نحو الريادة في إنتاج الرداءة بأعرق مؤسسة جامعية بالمغرب، يبعث على القلق حول مستقبل البحث العلمي ويشكك في كفاءات المسؤولين عن البنيات البحثية بتلك الكلية، بفعل تهميش ومحاولات إقصاء كفاءات مشهود لها بالجدية والمكانة العلمية، كحالة الدكتورة يامينة القيراط، المستشارة الدولية في مجال التعليم العالي، و الباحث والكاتب في تخصص السيميائيات سعيد بنكراد، يظهر بما لا يدع مجالا للشك التخبط الحاصل في تلك المؤسسة، ضدا على ترقية أعرق مؤسسة جامعية بالمغرب وحماية رصانتها بخصوص البحث العلمي وجعلها مواكبة لمواقف المغرب الرسمية في علاقة بقضاياه المصيرية.    
أليس من الغريب أن يستنكر أصحاب الشأن جهل أكاديمي نالته من السنون في رحاب الجامعة، أنجز ترجمة ركيكة لمؤلف إسباني يتناول قضية الصحراء وأهلها وثقافتهم وتاريخهم المضيء، وأخرجته من سياقه وكان قاب قوسين أو أدنى أن يعصف بجو التعايش المؤسس على توازنات لا يمكن القفز عليها، لولا توضيح كاتب النص الأصلي حول مسؤولية الأستاذ الجامعي عن الخطأ الجسيم وجهله بالمفاهيم التي يحويها كتابه وبثقافة وتاريخ مجموعة بشرية، أكد السيد "خوسي ماريا ليزونديا" أنه يجل تاريخها ويعرفه حق المعرفة، عكس المترجم الذي خانه التعبير وحاد عن رسالته النبيلة في إيصال المعنى على حد قول المؤلف.
ختاما، لم أجد مثلا أكثر انطباقا على تلك الفاجعة سوى "أن تسمع المعيدي خير من أن تراه'"، ومفاده أن تتعلم الاسبانية وما تتطلبه من جهد لقراءة الكتاب خير من أن تقرأ لباحث جامعي بحسب موقع كلية آداب الرباط، لا يحسن سوى اغتنام الفرص للظهور بشكل قبيح وإن كان ذلك على حساب الكفاءة والخبرة والتراكم المعرفي الواسع والمطلوب في هكذا قضايا حساسة بطبيعتها.