الأحد 28 نوفمبر 2021
كتاب الرأي

سعيد اكدال: الدار البيضاء ونظام الحكومة المحلية.. أسلوب تدبير بديل من أجل كسب الرهانات

سعيد اكدال: الدار البيضاء ونظام الحكومة المحلية.. أسلوب تدبير بديل من أجل كسب الرهانات سعيد اكدال

لم تكن التعديلات المتكررة التي عرفتها مدينة الدار البيضاء على مستوى تقطيعها الترابي كافية لمواجهة مختلف المعضلات الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية والبيئية. كما أن توالي الولاة والعمال ورؤساء الجماعات والمقاطعات على تدبير شؤون هذه المدينة الميتروبولية لم يسمح بالانتقال إلى وضع يلمس المواطن من خلاله تحولا من حيث مستوى تقديم الخدمات أو تحسنا لإطار العيش. فالوضع الحالي أصبح يبعث على القلق إلى درجة أن الكثير من سكان المدينة باتوا يفضلون الانتقال إلى مدن أخرى أقل صخبا ومعاناة بحثا عن الراحة النفسية.

 

لقد عرفت مدينة الدار البيضاء منذ الاستقلال تحولات عميقة وسريعة على أكثر من صعيد ووقفت الأجهزة المسؤولة عن تدبير الشأن المحلي عاجزة كل العجز عن مواجهة القضايا الحضرية المتحورة وفشلت بالتالي في معالجتها.

 

فعلى المستوى المجالي تطورت مساحة المدينة بشكل مهول. فبعد أن لم تكن تتجاوز 50 هكتارا في بداية القرن العشرين، فاقت في بداية القرن الواحد والعشرين 000 20 هكتار وذلك بسبب دينامية قطاع التعمير وتضاعف المساحات المبنية على حساب الأراضي الفلاحية الضاحوية. بحيث نلاحظ أن المدار الحضري للمدينة تمدد بما يفوق 430 مرة خلال فرن من الزمن.

 

وعلى المستوى الديمغرافي نجد أن مدينة الدار البيضاء تحتضن ما يناهز خمس الساكنة الحضرية المغربية. فبعد أن لم يكن عدد قاطنيها يتجاوز 000 20 نسمة في بداية القرن الماضي، وصل في بداية هذا القرن إلى 4 ملايين نسمة.

 

ومن الناحية الاقتصادية نلاحظ أن المدينة تحتكر معظم الأنشطة التجارية والخدماتية والصناعية بالمملكة. إذ يتمركز بها 29%  من مجموع الشبكة الوطنية للأبناك والتأمينات وما يفوق 60% من القيمة المضافة الوطنية. كما أنها تحظى بوجود ميناء يعد من أكبر وأنشط الموانئ الإفريقية وأضخم تجمع صناعي وطني.

 

وعلى المستوى الصحي يوجد بالمدينة أكبر عدد من المؤسسات الاستشفائية الوطنية.

 

كما أن حظيرة السيارات تقارب نصف الحظيرة الموزعة عبر مجموع التراب المغربي.

 

إن مدينة عملاقة بهذا الشكل باتت اليوم تصنف ضمن كبريات المدن العالمية، ليس فقط من حيث امتدادها الجغرافي وحجمها الديمغرافي، ولكن أيضا من حيث أهميتها الاقتصادية وإشعاعها الإقليمي والدولي ومكانتها المتميزة داخل شبكة التبادل العالمي.

 

وبناء على ذلك، يتضح أن الوضع الحالي للمدينة يستدعي التفكير منذ الآن في إعادة النظر في أسلوب التدبير المحلي المعتمد بعد أن لم تنجح الأساليب السابقة في تجاوز المعضلات المختلفة التي تظل المدينة تجترها من عدة عقود.

 

فبعد الاستقلال أضحت الدار البيضاء تمثل جماعة حضرية واحدة تطابق البلدية الموروثة عن فترة الاستعمار(وفق الظهير الصادر بتاريخ 23 يونيو 1960). وبموجب ظهير 30 شتنبر 1976 تم تقسيم مدينة الدار البيضاء إلى خمس جماعات حضرية وذلك في إطار نظام المجموعة الحضرية. وفي مطلع ثمانينات القرن الماضي تم تقسيم المدينة إلى أربع عمالات، لينتقل العدد إلى خمسة في سنة 1985 ثم ستة في سنة 1990 فسبعة في سنة 1994 ليصل إلى ثمان عمالات مقطعات حاليا بعد اعتماد نظام الجماعة الحضرية الواحدة و16 مقاطعة منذ سنة 2002.

 

إن كل هذه التعديلات الترابية لم تكن إذن كافية لمعالجة الاختلالات التي تعاني منها العاصمة الاقتصادية. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن الضرورة أصبحت تلح اليوم على ابتكار نظام تدبير يتلاءم والوضع الراهن للمدينة وللمتغيرات التي يشهدها العالم.

 

ولعل أسلوب الحكومة المحلية المعمول به على مستوى العديد من دول العالم يعتبر النموذج الأنسب الذي يطرح نفسه أمام المسؤولين ويدعوهم إلى اعتماده كنظام بديل بالنسبة لمدينة الدار البيضاء.

 

وقد لا نجانب الصواب إذا قلنا إن الخصوصيات التي تميز مدينة الدار البيضاء عن باقي المدن المغربية تقتضي تمييزها أيضا بنظام تدبير مختلف يتماشى مع هذه الخصوصيات. فالواقع المعاش يؤكد بأن قضايا الشأن المحلي التي ترهق كاهل المدينة أضحت معقدة جدا ولا يمكن أبدا معالجتها بأسلوب تدبير مماثل لباقي الجماعات الترابية المغربية.

 

إن نظام وحدة المدينة والمقاطعات الجماعية قد بدا عاجزا عن تجاوز المعضلات ولم يحقق المبتغيات، بحيث يظل المواطن يعاني من الأزمات الحضرية التي مع الأسف لم تجد طريقها نحو الحل، بل إنها تفاقمت إلى درجة أنها باتت من الثوابت التي تميز مدينة الدار البيضاء منذ عدة عقود.

 

لقد آن الأوان للتفكير في أسلوب تدبير بديل. ولعل نظام الحكومة المحلية هو الحل الأنسب لما له من إيجابيات تأكدت من خلال اعتماده على مستوى بعض البلدان الغربية.