الاثنين 29 نوفمبر 2021
كتاب الرأي

سعيد أكدال: البعد السلوكي في العمل الجماعي

سعيد أكدال: البعد السلوكي في العمل الجماعي سعيد أكدال
إن تدبير الشأن المحلي بالمغرب لا زال يتم مع الأسف بطرق كلاسيكية وبوسائل تدبيرية أصبحت متجاوزة. فسواء تعلق الأمر بالأبعاد الجغرافية أو الاقتصادية أو بالخصوصيات الاجتماعية والثقافية، وما لها من ارتباط بالتحولات العالمية، فإن أوضاع الجماعات المحلية لم تظل جامدة دون تغير، وإنما تعرضت لتحولات عميقة أضحت تستدعي ابتكار أدوات عمل وأساليب تسيير علمية حديثة.
فيجب أن نعلم بادئ ذي بدء أن تدبير الشأن المحلي ليس أمرا مرتبطا بتنفيذ قوانين أو بالحرص على صرف ميزانية، كما أنه لا يعني التعامل مع المجال والمجتمع انطلاقا من منظور تقني صرف. فتلك كلها اعتبارات منبثقة عن التدبير الكلاسيكي الروتيني للجماعات المحلية.
فمما لا يقبل الجدال هو أن الجماعات المحلية هي كيانات ترابية أحدثت في الأصل من أجل خدمة المواطن في جميع القطاعات. ويمكن القول إن العنصر البشري هو مركز اهتمام مسألة تدبير الشأن المحلي. وهذا العنصر البشري له سلوك يختلف حسب الزمان والمكان، وأيضا وفقا للعديد من المحددات التي تتحكم في نوعية السلوك وتجعله أحيانا متشابها لدى مجموعة من الأشخاص ويتكرر بينهم، وأحيانا متناقضا تتمايز به الشرائح المجتمعية عن بعضها البعض.
لذلك، فإن السلوك الصادر عن أفراد أو مجموعات لا يمكن ألا يؤخذ بعين الاعتبار في مسلسل اتخاذ القرارات داخل الإدارات المحلية والتي تهم المواطن بالدرجة الأولى.
إن علم السلوك أصبح اليوم في الدول المتقدمة يمثل إحدى أدوات التدبير العلمي التي تدمج في كلما له ارتباط بالعمل الجماعي.
فماذا يعني علم السلوك؟
كانت البداية الأولى لهذا العلم في نهاية القرن 19 على يد الطبيب الروسي " بافلوف"، ولكن المؤسس الحقيقي هو "جون واسطن" الذي وضع اللبنات الأولى لما سمي " behaviorisme " وذلك سنة 1913.
وهذا العلم يهتم بدراسة السلوك الصادر عن الكائنات، ودون اعتبار لما يحدث داخل العقل من تفكير. والهدف من هذا العلم هو توجيه سلوك الأفراد والجماعات وتعديلها حتى يمكن إعادة تنظيم وجودهم. فعن طريق دراسة السلوك وتتبعه ومراقبته يتم التعرف على المحركات المتحكمة فيه، وهو ما يسمح بافتراض وتوقع الاحتمالات الممكنة لردود الأفعال التي يمكن أن تنتج عن فعل أو أفعال واقعة.
فالإنسان عند مواجهته لكل وضع يصدر عنه فعل معين يترجم في السلوك الذي يتبناه. وما يصدر إذن عن هذا الإنسان من سلوكات يجسد تعامله مع ما يصادفه في الواقع، والتعامل يكون بالقبول أو الرفض، والسلوكات تكون في شكل ردود أفعال.
وبما أن التتبع للسلوكات يمكن من التوقع لردود الأفعال، فإن ذلك يسمح باعتماد أدوات المواجهة وتبني أساليب التعامل مع السلوكات المحتملة. ومن هنا ندرك أهمية علم السلوك في تدبير الشأن المحلي لأنه يساهم لا محالة في عقلنة اتخاذ القرارات وتفادي عنصر العشوائية.
فما تقوم به الجماعات الترابية من أعمال وما تقدم عليه من تدابير وإجراءات وما تسهر على تنفيذه من برامج ومخططات وما تنجزه من مشاريع هو في الأصل موجه لخدمة المواطنين وتحقيق الرفاهية والعيش الكريم.
غير أن المجالس الجماعية بالمغرب لم تع بعد بما لعلم السلوك من أهمية وبما يمكن أن يساهم به في الرقي بالعمل الجماعي. فكثيرا ما شاهدنا إنجازات ومشاريع صرفت عليها أغلفة مالية ضخمة جدا ولكنها قوبلت بالرفض أو كانت لها انعكاسات سلبية لدى الرأي العام. وحينما يتم التدقيق في حقيقة ذلك يتبين أن ذلك الرفض الحاصل أو تلك الانعكاسات غير المرغوب فيها إنما مرده إلى عدم الأخذ بعين الاعتبارات للخصوصيات الاجتماعية والثقافية للمجتمع الذي من أجله أنجزت المشاريع.
فدراسات الجدوى التي تقدم عليها الجماعات بخصوص المشاريع تهم الجوانب التقنية والمالية ولا تعير أي اهتمام لكل ما هو ذو طبيعة سوسيولوجية، ولا تراعي تلك الجوانب المرتبطة بنوعية وطبيعة سلوكات المجتمع.
فقد تبدو وجهة النظر هذه غريبة ويصعب تطبيقها بالنسبة للعمل الجماعي بالمغرب، وقد يشار إلى حديثنا على أنه ضرب من الخيال أو ذو مرجعية طوباوية. كما أن إصدار مثل هذه الأحكام قد توهم المتلقي بصحتها بالنظر إلى الوضع الحالي الذي تعيشه معظم الجماعات المغربية. لكن مما يجب ألا يعزب عن أذهاننا هو أن العولمة وما تحمله معها من تأثيرات سريعة الانتشار، لابد وأنها ستنتقل بالجماعات الترابية المغربية، وخاصة بالمدن الكبرى، إلى مستويات وأوضاع يتحتم معها تطوير العمل الجماعي.
لقد بات اليوم من الضروري الانكباب على تعديل الطرق الكلاسيكية لتدبير الشأن المحلي ببلادنا والارتقاء بها إلى مستوى تدبير علمي يعتمد على أدوات اشتغال منهجية مضبوطة لا تكتفي بالجوانب المالية والتقنية فقط، وإنما تهتم أيضا بكل ما له علاقة بالجوانب السوسيولوجية للمجتمع. ولتكن البدايات الأولى لمثل هذا التوجه على الأقل في المدن الكبرى.
استقراء الرأي إحدى الأدوات العلمية المغيبة في العمل الجماعي مع أنها قد تساعد كثيرا في تطوير الأداء. وهذا هو موضوع المقال المقبل.
 
الدكتور سعيد أكدال، إطار جماعي، وباحث جغرافي مهتم بالشأن المحلي