الجمعة 3 ديسمبر 2021
كتاب الرأي

أحمد فردوس: هل تحول التلفزيون المغربي إلى بؤرة لإنتاج وإعادة تدوير الجريمة والعقاب؟

أحمد فردوس: هل تحول التلفزيون المغربي إلى بؤرة لإنتاج وإعادة تدوير الجريمة والعقاب؟ أحمد فردوس

"اعطيني تلفزيونا أعطيك شعبا متنورا"

سلطة الصورة والكلمة التي تخترق الأسرة عبر شاشة التلفزة، لا تنافسها أي سلطة في التأطير التربوي والثقافي والتنويري، وهذا الموقف دافع عليه أكبر المنظرين في صناعة الرأي و الذوق وتهذيب التنشئة وتربيتها وتأطيرها بمنتوج تلفزي عبر برامج هادفة (أفلام، مسلسلات، مسرحيات، أفلام وثائقية، موسيقى وغناء، تراث، فكر وثقافة....) تنتصر للترافع عن القيم الوطنية النابعة من حضارة الشعب المغربي.

 

للأسف الشديد البرمجة التلفزيونية منذ عقد من الزمن أضحت لا ترقى لانتظارات المشاهدين الذين يساهمون بضرائبهم المالية في صندوق "لَعْجَبْ" الذي يكرر ويستنسخ برامج لا طعم ولا رائحة لها، في زمن المنافسة الشرسة للقنوات العالمية والعربية لاستقطاب الجمهور/المشاهد وإبعاده عن هويته وكينونته. فهل يعقل، مثلا أن نعيد تشكيل هوية الشعب المغربي على مقاس أفلام ومسلسلات تركيا أردوغان وما شابهها، في الوقت الذي يمكن لقناتنا الأولى أن تتباهى بتقديم برامج توثيقية عن شخصيات تاريخية وأعلام الفكر والتنوير والفنون الجميلة؟

 

إن إطلالة سريعة على شبكة البرمجة بالقناة الأولى الممتدة من فاتح أكتوبر إلى 14 أكتوبر 2021، تجعل المشاهد المغربي في حيرة من أمره من كثرة الاستنساخ واحتكار الشاشة ببرامج تافهة، وكأن التلفزة تحولت إلى محمية خاصة "يَتَبَوْرَدْ" فيها أصحاب سلطة القرار بالمال العام في زمن نتطلع فيه إلى التقدم والتطور نحو الأفضل بعد دخولنا في فصل تطبيق وتنفيذ توصيات النموذج التنموي الجديد.

 

الاستنتاج الصادم من خلال قراءة وثيقة شبكة البرمجة يؤكد بدون مزايدة أو "تقطير الشمع" -كما يقول المثل المغربي- أن أكثر من ثمان ساعات من ملفات قضايا النصب والاحتيال والسرقة الموصوفة والقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد والاعتداء على الأصول والخيانة الزوجية وغيرها من الجرائم التي عرضت أمام المحاكم تتحفنا بها الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة على قناتها الأولى طيلة كل أسبوع.

 

وحسب مصدر جريدة "أنفاس بريس" فقد وصل عدد الساعات المخصصة لهذه البرمجة المستنسخة إلى 12 ساعة من خلال برنامج "مداولة" الذي لا أطرحه كموضوع للنقاش نظرا لقيمته القانونية والمعرفية في مجال الملفات القضائية المطروحة للنقاش، وإنما برمجة حلقاته عدة مرات في الأسبوع هي التي تطرح أكثر من علامة استفهام؟؟ .

 

ما أحوجنا اليوم إلى برمجة تتحف المتلقي وتخرجه من شرنقة القلق وضغط الحياة نحو القادم الأجمل الحامل لإشارات الأمل بعيدا عن المعاناة والألم. لأن المغرب ليس بلد الإجرام والمجرمين وقطاع الطرق ومساخيط الوالدين؟ وإنما وطننا هو بقوة معطياته بلد المفكرين والمبدعين والأدباء والفنانين والرياضيين، المغرب بلد المقاومة والبطولات التي لا يعرف عنها الجيل الجديد أي شيء. المغرب بلد التراث والموروث الثقافي الشعبي المتعدد الروافد والخصوصيات.

 

بالله عليكم، أين نحن من هذه المواضيع؟ وأين اختفت سجلات وأوراق وكتب ومؤلفات هؤلاء الأعلام و المفكرين والمبدعين في شبكة برامج التلفزيون المغربي العمومي؟ فهل هي أزمة الشخصية المغربية أم هي أزمة أفكار؟ أم أزمة إنتاج؟ أم أن الأمر مرتبط بالإمكانيات المادية؟ علما أن القناة الأولى تنفق الملايين على برامج تافهة تتحول في رمشة عين إلى مظهر من مظاهر الريع على "عَيْنَكْ يَا بَنْ عَدِّي" والمثال الساطع يتجلى في إنفاق مبلغ 100 مليون سنتيم للحلقة الواحدة عن البرنامج التافه لَلَّا اَلْعْرُوسَةْ... وبرامج مشابهة لن تفيد المغاربة في شيء... وحسب ذوي الاختصاص فإن هذه الميزانية كافية لإنتاج خمس أو ست برامج ثقافية وفنية ووثائقية لشخصيات ووقائع طبعت تاريخ المغرب على مر العصور على جميع المستويات.

 

إذا كان ولابد من تقديم إعادة حلقات برامج فهناك أعمال خالدة تستحق أن تجد لها موقع قدم في شبكة البرامج نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: "الشاهد" و"مدارات" و"أقواس" و "مغرب القرن 20 " و "مشارف" وو... واللائحة طويلة وهي إنتاجات أكيد غير واردة في قاموس من أوكلت لها هذه المهمة النبيلة.

 

يبدو "والله أعلم" أن مفكرة مديرة "الماركوتينغ" والبرمجة التي تأكد بالملموس أنها بعيدة كل البعد عن تخصص اسمه البرمجة التلفزيونية التي بدلت كل ما في وسعها لضم هذه المصلحة لمديرية "الماركوتينغ" التي تديرها، من أجل "توسيع نفوذها" على حساب مصلحة التلفزيون المغربي الذي يمول من أموال دافعي الضرائب ، حيث تأكد وبما لا يدع مجالا للشك أن مديرة "الماركوتينغ" والبرمجة تجر التلفزيون إلى الهاوية من خلال تلقين أبنائنا كيفية الاحتيال وتنفيذ الجرائم وصناعة المجرمين بدل صناعة الأمل والمستقبل.

 

لقد أصبح الشباب واليافعين وحتى الأطفال -بعد أن أشبعوا بعرض مشاهد الجريمة- يرددون فصول القانون الجنائي التي يعاقب بها "القاتل" و "السارق" و "الزوج الخائن" وهلم مرافعات قانونية، بدل أن يرددوا أقوال وحكم ونظريات وأفكار عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري والمهدي المنجرة وفلاسفة ومفكرين آخرين مازالت مؤلفاتهم تدرس في أكبر الجامعات المغربية والعربية.

 

الأغرب من هذا وذاك، لم تكتف مديرة "الماركوتينغ" والبرمجة بثمان ساعات من مرافعات وأحداث برنامج "مداولة" الذي خصصت له 8 ساعات، لتضيف إليها ثلاث ساعات أسبوعيا من سلسلة "ساعة في الجحيم"، وتقتل بذلك كل آمال في التغيير وإخراج التلفزيون من النفق المسدود أكثر من عقد من الزمن.