الاثنين 6 ديسمبر 2021
كتاب الرأي

يونس التايب: قرار محكمة العدل الأوروبية فرصة للتركيز على تعزيز مشروعنا الوطني

يونس التايب: قرار محكمة العدل الأوروبية فرصة للتركيز على تعزيز مشروعنا الوطني يونس التايب
من دون شك، سيعكف المأتمنون على المشروع الوطني ببلادنا، وكل الحاملين مسؤولية الدفاع عن أمننا القومي، على دراسة تفاصيل قرار محكمة العدل الأوروبية الأخير، من أجل تحليل المنطلقات التي تأسس عليها، و تقييم أسباب صدوره في السياق الزمني الحالي، واستنباط المرامي الخفية من وراءه، واستشراف النتائج التي سيطمح البعض لتحقيقها على أساس ذلك القرار. 
 
وأكيد أن كل أبناء الوطن، بقواه الحية و فعالياته السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية، سيتفاعلون مع ما قرره قضاة المحكمة الأوروبية باللوكسمبورغ. فقط، علينا أن نتحلى في ذلك المسعى، بهدوء الموقنين من أن قرار محكمة العدل الأوروبية لا يستحق أي تضخيم في قيمته،  لأنه لا يكتسي صبغة المفاجأة ولا يرقى إلى أن يشكل بالنسبة إلينا مصدر قلق استثنائي، وذلك لأربعة أسباب على الأقل، هي :
 
- أولا، القرار يهم الاتحاد الأوروبي و دوله، أكثر مما يهم المغرب. وعلى الاتحاد أن يتفاعل مع قرار يطعن في تدبير سيادي اتخذته مؤسساته حين أبرمت اتفاقيات اقتصادية مع المملكة المغربية. أما نحن، من الناحية الاقتصادية الصرفة، تظل أمامنا عشرات الفرص لإبرام اتفاقيات زراعية وتجارية أخرى مماثلة، مع دول كبرى عديدة تنتظر تلك الإمكانية، وهي مستعدة لمنحنا شروطا تفضيلية أكبر.
 
- ثانيا، هو قرار يشبه قرارات سابقة صدرت عن نفس المحكمة، وقد يحمل المستقبل قرارات مماثلة، ستفرضها نفس الأسباب التي تحرك محكمة عدل أوروبية لا زالت أسيرة مقاربة سنوات السبعينيات، وما كان فيها من قرارات أممية خضعت لمنطق الحرب الباردة بين المعسكر الاشتراكي الشيوعي والمعسكر الغربي، ولمنطق التحريض الديبلوماسي الذي كانت تقوم به "الأنظمة و الجمهوريات الثوية"، أكثر مما خضعت لمنطق القانون الدولي أو لمنطق تحقيق تسوية عادلة لمخلفات الاستعمار الذي مزق الدول و ألغى حدودها الجغرافية التي كانت قائمة قبل الاستعمار، واقتطع الأراضي من أصحابها وأضافها لترسيم حدود دول أخرى بدون وجه حق، وأباد بسبب ذلك ملايين من السكان الأصليين في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. 
 
- ثالثا، محكمة العدل الأوروبية تصر بهذا القرار الجديد، على تجاهل ما يتحقق، كل يوم منذ 45 سنة، من تنمية مستدامة ومسيرة ديمقراطية على أرض الصحراء المغربية، تتجلى في إنجازات تنموية يبدعها أبناء المغرب، من الصحراويين ومن غير الصحراويين، كما تتجلى في ديناميكية سياسية ومؤسساتية ينخرط فيها أبناء أقاليمنا الجنوبية، كان آخرها الانتخابات التشريعية و الجهوية والمحلية التي نظمت يوم 8 شتنبر 2021، وعرفت نسب مشاركة بلغت 58,30% في الداخلة وادي الذهب، و63,76 % في كلميم واد نون و 66,94 % في العيون الساقية الحمراء، وأفرزت نخبا صحراوية من أبناء المنطقة، هي من تستحق أن يقول عنها قضاة المحكمة الأوروبية أنها تمثل بشكل ديمقراطي ساكنة الصحراء المغربية، وتسير فيها مجالس الجهات والجماعات ومجالس العمالات والأقاليم والغرف المهنية المختلفة، داخل النسق المؤسساتي الديمقراطي الذي ينظمه دستور المملكة المغربية.
 
- رابعا، المغرب لما اختار طريق استقلالية القرار السياسي والديبلوماسي، وعزز حضوره الاقتصادي في الساحة الدولية، و الإفريقية بصفة خاصة، وقرر وضع أساسات نموذج تنموي جديد يرتكز على الأولوية الوطنية وعلى ضرورة تثمين الرأسمال البشري المغربي، أصبح يزعج قوى أوروبية لم تعتد على رؤية دول الجنوب في وضع آخر غير وضع التبعية الاقتصادية و السياسية. لهذا، هم الآن يواجهون طموحاتنا بكل السبل، ويحاولون التضييق علينا ووضع "العصا في الرويضة" لإجبارنا على "الجلوس للطاولة" والإذعان لإملاءاتهم، والتنازل عن سيادتنا وحقنا في اختيار ما يناسبنا من شراكات اقتصادية واختيارات استثمارية، والتراجع عن قرارات ومواقف ديبلوماسية لا تروقهم. 
 
في مقالات سابقة، تحدثت عن أن الظرف الدولي الراهن سيفرض علينا مجابهة تحديات جديدة ومتنوعة، لأننا في قلب ديناميكيات جيوستراتيجية معقدة، ونتأثر بالضرورة بصراع مصالح وتجاذبات القوى الكبرى المتنافسة والمتصارعة في العالم، التي تسعى لتعزيز اقتصادياتها وتوسيع مجال هيمنتها السياسية و الثقافية. كما أن هنالك دولا تريد استدامة حضوتها التجارية ومراكز تواجدها النفعي، لذلك جعلت من المغرب هدفا أساسيا تتابع كل صغيرة وكبيرة في تحركاته الخارجية، وترصد واقعه السياسي والحقوقي بهدف إيجاد أي نقطة ضعف، أو خلل معين يمكن تأويله خارج سياقه، واستغلاله للتحريض ضد بلادنا والضغط عليه إعلاميا و سياسيا و ديبلوماسيا. 
 
لهذه الاعتبارات، أعتقد أن علينا أن نتعامل مع قرار محكمة العدل الأوروبية الأخير، و مع جميع تجليات الحروب الصامتة التي تشنها علينا عدد من اللوبيات الأوروبية، بهدوء وروح إيجابية. بل، ربما علينا اعتبار كل ذلك فرصة جديدة، تنضاف إلى ما قدمته لنا القارة العجوز في القرار المجحف للبرلمان الأوروبي في عز أزمتنا مع إسبانيا. ولأنها فرصة، علينا استثمارها بشكل جيد لترسيخ الوعي الوطني بأن العالم القديم انتهى، وأن المطلوب هو الاستعداد وتقوية القدرات لفرض الذات في عالم جديد يتشكل بمنطق تميزه شراسة الاصطفافات والتحالفات بين الأطراف الفاعلة دوليا، وتحول تكنولوجي وطاقي جديد، وانعطافة تاريخية على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والجيوستراتيجية والبيئية والديموغرافية و القيمية، بشكل غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية. 
 
ألح على أهمية اعتبار قرار محكمة العدل الأوروبية فرصة، لأنني أرى فيه معطى محفزا يستفز الرغبة في بناء وعي سياسي جديد يجب أن نقطع فيه مع العبث السياسوي و الشعبوي المقيت، وأن نركز على خيار استراتيجي أوحد يتمثل في أولوية تعزيز مقومات سيادتنا واستقلالية قرارنا الوطني، والدفاع عن ثوابتنا وعن  مؤسسات دولتنا باعتبارها الحضن الجامع لأبناء الأمة المغربية.
 
ولعل من حسنات توقيت صدور قرار محكمة العدل الأوروبية الأخير، أنه أتى بالتزامن مع مشاورات تشكيل الحكومة المغربية الجديدة، التي نتطلع إلى أن تكون قوية و كفؤة و قادرة على تجسيد الأمل الديمقراطي الكبير ودعم إرادة التغيير التي عبرت عنها نسبة المشاركة الواسعة لمواطنينا في انتخابات 8 شتنبر 2021، حتى تتعزز ديناميكية التعبئة الوطنية و يتقوى مسار الثقـة في كل أبعـاده المُجتمعية. 
 
لذلك، أرى أن أفضل رد أولي على من هللوا و ابتهجوا لقرار محكمة العدل الأوروبية، هو النجاح في كسب رهان تشكيل الحكومة و جعلها حكومة تنزيل النموذج التنموي الجديد، و إطلاق برنامج الرعاية الاجتماعية، و تأهيل الاقتصاد الوطني، و تجويد حكامة تدبيـر الشـأن العـام و ضمان النجاعة في السياسات و البرامج الاستثمارية العمومية، و تحقيق المساواة أمام القانون و فرض سموه على الجميع، و جعل المواطنين شركاء في وضع السياسات العمومية و تتبعها، و ضمان تدبير جيد للموارد العامة و تعزيز مبادئ ربط للمسؤولية بالمحاسبة.
 
بذلك، ستفهم محكمة العدل الأوروبية أننا ماضون بعزم في بناء المستقبل الوطني على قاعدة سمو الانتماء للأمة المغربية، من طنجة ووجدة إلى الكركارات ولكويرة؛ و أننا عازمون على تقوية الاقتصاد الوطني و تحقيق معدلات تنمية مرتفعة عبر تأهيل منظومة التدبير، والتركيز على الاستثمار الناجع، و تعزيز الشراكات الاستراتيجية وتقوية جاذبية بلادنا للاستثمارات الدولية. 
 
وآنذاك، لن نحتاج أن نقول لمحكمة العدل الأوروبية : "إلى الجحيم ... أنت و قراراتك وحيثياتها، وكل من يوحون لك بإصدارها"، لأن ذلك المعنى سيكون وصل لمن يعنيهم الأمر، وسالات الهضرة.