الخميس 21 أكتوبر 2021
كتاب الرأي

محمد بوبكري: حول إغلاق حكام الجزائر للأجواء الجزائرية في وجه الطائرات المغربية

محمد بوبكري: حول إغلاق حكام الجزائر للأجواء الجزائرية في وجه الطائرات المغربية محمد بوبكري
منذ وصول "عبد المجيد تبون" إلى رئاسة الجزائر على ظهر دبابة بقرار من الجنرالات، لم يتوقف عن عقد اجتماعات "المجلس الأعلى للأمن" الجزائري، حيث انعقدت اجتماعات هذا المجلس خلال ولايته أكثر من اجتماعات مجلس الوزراء. ولقد انعقد مؤخرا اجتماع لهذا المجلس، واعتقد الجميع أنه سيتدارس مخلفات الفيضانات والتساقطات المطرية الغزيرة بهدف إيجاد حلول لما خلفته من أضرار، كما كان الرأي العام ينتظر أن ينكب المجلس على دراسة كيفية معالجة مشكلة الهجرة السرية، حيث يموت الشباب الجزائري في عرض البحر الأبيض المتوسط، إذ تم مؤخرا العثور على 500 جثة للشباب الجزائري في السواحل الإسبانية، لكن هذا الاجتماع لم يدرس أي شيء من ذلك، ما يؤكد أن الجنرالات لا يهتمون بمشاكل الشعب الجزائري، حيث أصدر الجنرالات عقب هذا الاجتماع بلاغا يعلنون فيه غلق المجال الجوي الجزائري في وجه الطائرات المغربية مدنية وعسكرية، وكذا في وجه أي طائرة تحمل رقم تسجيل مغربي. وقد عللوا ذلك بتحركات القوات المسلحة الملكية على الحدود الجزائرية. كما أضافوا إلى ذلك استمرار المغرب في استفزاز الجزائر واستعدائها. لكن كل ما تقوم به القوات المسلحة الملكية هو واجب حراسة الحدود المغربية للتصدي لأي اعتداء محتمل على المغرب. ألا يرى جنرالات الجزائر أنهم يحاصرون واحة "فيجيج" المغربية، وقطعوا أرزاق أهاليها، ما يقتضي من القوات المسلحة الملكية التواجد هناك لحماية هذه المنطقة التي يسكنها مقاومون ووطنيون مميزون...
ويرى ملاحظون جزائريون أن التبرير الذي قدمه جنرالات الجزائر لإغلاق أجواء الجزائر في وجه الطائرات المغربية يجسد استمرارهم في تلفيق التهم الواهية إلى المغرب، حيث لم يقدموا أي حجة ملموسة ومعقولة على ادعاءاتهم. كما أن هاته الاتهامات تشكل دليلا قاطعا على تحرش الجنرالات بالمغرب، وتعد استفزازا مستمرا له. لكن حكمة المغرب وثقته في نفسه جعلته يلتزم رباطة الجأش، لأنه يرفض النزول بنفسه إلى مستوى المنحط لهؤلاء الجنرالات.
إضافة إلى ذلك، فإن حكام الجزائر لم يتوقفوا عن توجيه تهم باطلة إلى المغرب، والحال أنهم يكررون توظيف خطابهم الغامض، الذي لا يتضمن أي دليل منطقي يثبت صحة ادعاءاتهم، ما جعله خال من أي معنى. وبما أن حكام الجزائر يعقدون اجتماعات مسترسلة لـ "المجلس الأعلى للأمن" الجزائري لتمضية الوقت بالحديث عن المغرب الذي يعتبرونه عدوا تقليديا لهم، فإن هذا يؤكد أنهم عاطلون عن العمل، حيث تخلوا عن واجباتهم تجاه الوطن والشعب الجزائريين.
وما لا يدركه جنرالات الجزائر هو أن المغرب لا علاقة له بالمشاكل الداخلية والخارجية للجزائر، بل إن المشكل كامن فيهم، حيث ينبغي لهم أن يغيروا عقليتهم، وعلاقاتهم مع الشعب الجزائري والعالم برمته؛ فهم لا يدركون أن رفضهم لإقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة هو ما حرم الشعب الجزائر من حرياته وكافة حقوقه... كما أن عليهم أن يتوقفوا عن تبعيتهم لحكام إيران واتخاذ أطر من "حزب الله "اللبناني مستشارين لهم. لذلك، فالعالم صار ينفر منهم، لأنهم يحتضنون الجماعات الإرهابية ويوظفونها ضد جيرانهم ومصالح بلدان أخرى، ما قد يحول جنرالات الجزائر إلى رعاة للإرهاب. وإذا استمروا في هذه الرعاية، فإن ذلك قد يؤدي إلى فرض حصار دولي عليهم، ما قد يعمق مشاكلهم، ويخلق شروطا لترحيلهم. كما أن حضور "حزب الله" اللبناني قد يؤدي إلى انتشار المذهب الشيعي في الجزائر، الأمر الذي سيمهد لإنشاء "حزب الله" جزائري، سيتم تسليحه من قبل إيران من أجل الاستيلاء على السلطة في الجزائر عبر زرع الفتن فيها. هكذا ستتحول الجزائر إلى بوابة وأداة لتوسع إيران في أفريقيا... ويرجح بعض الخبراء أن إيران قد تلجأ إلى إخفاء أسلحتها النووية في الجزائر، مخافة تمكن العالم من ضبط موقعها في إيران...
كما أن عنف جنرالات الجزائر ضد الشعب الجزائري سيجعل العالم يطرح مشكلة حقوق الإنسان في الجزائر، لأن هؤلاء الجنرالات لا يعون أن التدخلات الأجنبية تتم عبر بوابة الاعتداء على حقوق الإنسان، لأن الرأي العام الأممي لا يقبل استمرارهم في الاعتداء على الشعب الجزائري وإضرام النار في مختلف المناطق الجزائرية المنخرطة في الحراك الشعبي السلمي، الذي يطالب برحيل دولة العسكر...
وجدير بالذكر أن إغلاق الأجواء الجزائرية في وجه الطائرات المغربية لن يضر المغرب في أي شيء، لأنه يستهدف فقط حرمان المغاربة والجزائريين من زيارة أهاليهم في المغرب والجزائر، ما يؤكد أن جنرالات الجزائر لا يعيرون أي اهتمام لهذا الاعتبار الإنساني، لأنهم يسعون إلى أن يقطع الجزائريون المقيمون بالمغرب علاقاتهم مع أهاليهم في الجزائر، كما يسعون إلى حرمان المغاربة المقيمين في الجزائر من زيارة أهاليهم في المغرب. وما لا يدركه الجنرالات هو أن الشعب المغربي متشبث بأخوة شقيقه الشعب الجزائري، والأمر نفسه ينطبق على الشعب الجزائري.
وما يفند ادعاءات حكام الجزائر ضد المغرب، هو أنهم ليسوا، فعلا، في حرب مع المغرب، إذ ليس هناك قصف، ولا قنابل تسقط على الجزائر، بل إن المغرب يريد السلام والتعاون مع الجزائر، لكن استمرار تحرشات جنرالات الجزائر به جعلته يأخذ كل الاحتياطات، ويستعد لكل الاحتمالات...
إن حكام الجزائر يمارسون السياسة بعقلية "ماكيافيلية"، حيث إن ماكيافيلي قد أوصى أمير إحدى المدن الإيطالية قائلا له: "إذا لم يكن لك عدو، فعليك بصناعته". وهذا ما يفعله حكام الجزائر الذين جعلوا من المغرب عدوا لهم بهدف تصدير مشاكلهم إلى الخارج، وتوجيه أنظار العالم إلى عدوهم الخارجي، متناسين أنه لا يمكنهم بذلك صرف انظار الشعب الجزائري عن مشاكله، حيث إنه صار علو وعي بأكاذيب الجنرالات. وتجدر الإشارة إلى أن حكام الجزائر قد اتخذوا المغرب عدوا لهم منذ ستينيات القرن الماضي إلى الآن، حيث يتصاعد اليوم التوتر بين الجنرالات والمغرب، بسبب النزعة التوسعية لهؤلاء الجنرالات، الذين صار كل جيرانهم يشتكون من اعتداءاتهم عليهم...
ويؤكد خبراء جزائريون على عدم وجاهة الحجج التي قدمها جنرالات الجزائر، التي برروا بها غلق الأجواء الجزائرية في وجه الطائرات المغربية، حيث أنهم، لم يعرضوا الأسباب الحقيقية التي دفعتهم إلى الإقدام على ذلك.. ويرى هؤلاء الخبراء أن هناك سببان مباشران لهذا الإغلاق:
 أولهما: الدفاع المستميت الأستاذ "عمر زنيبر" سفير المغرب في مختلف منابر الامم المتحدة في "جنيف"، والذي يقوم به على أحسن وجه ، حيث لا يتوقف عن دحض الأطروحات الجزائرية المناهضة للمغرب، بل إنه يقوم بالهجوم على جنرالات الجزائر، لأنه كشف للعالم خضوع حكام الجزائر لحكام إيران، الذين كلفوا "حزب الله" اللبناني بتدبير الحياة السياسية في الجزائر عبر استعمال القمع وإضرام النيران في كل المناطق الجزائرية التي تعارض العسكر، بدافع إطفاء جذوة الحراك الشعبي السلمي، الذي يسعى عبر الأساليب السلمية إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة، كما أن الأستاذ عمر زنيبر قد كشف للعالم أن وجود "حزب الله" اللبناني في الجزائر يشكل دليلا على أن جنرالات الجزائر يحتضنون الجماعات الإرهابية ويمولونها ويسلحونها، ما يشكل خطرا على أفريقيا، ويكشف الرغبة التوسعية لإيران في أفريقيا… وقد استحسن الحضور المداخلات القيمة والعميقة لـ "الأستاذ عمر زنيبر". أضف إلى ذلك أن هذا السفير الشهم قد قام مرارا بتعرية الواقع المزري لحقوق الإنسان في الجزائر، وفضح تناقضات حكام الجزائر في توظيفهم لمبادئ حقوق الإنسان، حيث إنهم لا يحترمون هذه المبادئ كلما تعلق الأمر بالشعب الجزائري، الذي هضموا حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والثقافية… هكذا، فقد كانت الضربات التي وجهها الأستاذ "عمر زنيبر" لجنرالات الجزائر موجعة لهم.
ويتمثل السبب المباشر الثاني في اقتناء المغرب لقمر اصطناعي من فرنسا يشتغل بتكنولوجية عالية، له قدرات رصد هائلة، حيث يحلق في السماء على بعد 600 كلم، ويغطي مساحة 800 ألف كلم مربع، ويمكنه رؤية الأشياء والبشر وكأنها تبعد عن المرء بحوالي 70 سنتم. فضلا عن ذلك، فالمغرب يمتلك "الدرونات" التي هي طائرات يمكن تسييرها عن بعد. وهذا ما يفرض طرح السؤال الآتي: لقد أنفقت الجزائر على التسلح في العشرين سنة الأخيرة مبلغ 100 مليار دولار في حين لم ينفق المغرب سوى 40 مليار دولا على التسلح خلال الفترة نفسها. لكن لماذا لا يتوفر جنرالات الجزائر على أقمار اصطناعية وأسلحة فعالة، ولا على "درونات"، مثل المغرب؟
يكشف الجواب على هذا السؤال عدم مهنية جنرالات الجزائر، ويعري نهبهم لأموال الشعب الجزائري بدعوى ضرورة التسلح، دفاعا عن الوطن... وللتدليل على عدم مهنية هؤلاء الجنرالات، تكفي الإشارة إلى أنهم يشترون أسلحة لا قيمة عسكرية لها، بل إنها مجرد لعب أطفال تتحطم بسرعة، ما يقتضي رميها في المزبلة. ومن الغريب أن الجنرالات يقتنون بواخر حربية لا يمكنهم استعمالها، لأنهم لا يمتلكون سواحل طويلة. 
  لا يمكن الجزم بأن حكام الجزائر لا يمتلكون أقمارا اصطناعية، لكن إذا كانوا يمتلكونها، فإنها أقل كفاءة من الأقمار الاصطناعية المغربية. أضف إلى ذلك أن اتفاقية المغرب مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ستمكنه من صناعة "الدرونات"، وامتلاك القدرة على صناعة الأسلحة، ما سيجعل منه قوة إقليمية فعلية. وهذا ما يرعب جنرالات الجزائر، الذين اقتنعوا أن المغرب صار متفوقا عليهم اقتصاديا وعسكريا، كما أن هذا التفوق سيتعمق مستقبلا. وهذا ما يؤكد أن تحالفات حكام الجزائر لا تفيدهم في شيء، حيث لم يتمكنوا من إنجاز أي شيء، الأمر الذي يؤكد فشلهم الدبلوماسي.
 فضلا عن ذلك، فما دام حكام الجزائر يحتضنون الإرهاب، فإنهم لن يستطيعوا إقامة تحالفات دولية مفيدة، خصوصا أن عالم اليوم ينهض على التكتلات. هكذا، فإن للولايات المتحدة حلفاء، كما أن للدول العظمى حلفاء يتعاونون معهم.. وقد نجح المغرب في ما فشل فيه جنرالات الجزائر. أضف إلى ذلك أن حكام الجزائر لا يتقنون إلا صناعة الأعداء، والمغرب بارع في صناعة الأصدقاء، حيث إنه يتصرف على أساس قيم التعاون والإخلاص والاحترام والوضوح مع حلفائه. علاوة على ذلك، فإن النزعة التوسعية البدوية جعلت حكام الجزائر يفقدون جيرانهم، ويدخلون في عزلة جعلتهم عاجزين عن توفير الأوكسيجين في المستشفيات، وعن توفير الحاجات الغذائية للشعب الجزائري... أضف إلى ذلك أن هذا الشعب يعاني من انعدام اللقاح المضاد لوباء كوفيد19. وقد تسبب احتضانهم للجماعات الإرهابية في تعميق عزلتهم الدولية، فعجزوا عن تلبية مطالب الشعب الجزائري، وواجهوه بالقمع، فأصبح الشباب يفرون من الجزائر عبر السعي إلى الهجرة إلى أوروبا، فصاروا يموتون غرقا في عرض البحر. ونظرا للرغبة في هيمنة جنرالات الجزائر على جيرانهم، فإنهم يعملون على عرقلة بناء المغرب الكبير، لأن موازين القوى ليست في صالحهم.