الخميس 2 ديسمبر 2021
منوعات

أيّها التُّراب كنْ سريراً دافئاً ليتوسّدَكَ خدُّ أمّي!!

أيّها التُّراب كنْ سريراً دافئاً ليتوسّدَكَ خدُّ أمّي!!
أول ليلة بلا أمّ أطارد النّوم. أوّل مرّة أشعر بأنّ للّيل أنياباً وشفرات حادّة.
ليلة بلا أمّ ليلة باردة وموحشة. أمشي حافي القدمين فوق صقيع. لا أمتلئ بنظرات عينيك.. لا تهدهدني ابتسامتك.
ليلة بلا أمّ ليلة بلا شمس
غداً لن يشرق الصّباح
لا أشتمّ رائحة العجين وعطر خبزِكِ 
غداً لن يرقص النّهار
لن تبتسم السّماء
أيّها التُّراب كنْ سريراً دافئاً ليتوسّدَكَ خدُّ أمّي
أيّها التُّراب اللّازوردي أخبرني هل شربت أمّي دواء ضغط القلب؟ هل تناولتْ حقنة الأنسولين في موعدها؟ 
أيّها التّراب الفاقع كُنْ صديقاً لأمّي. كلّ ليلة ترتّل ترنيمة. تجدل ضفيرة أمام مرآة يدوية بمقبض عاجيّ تستريح على قدميها. 
مشط القرن ينساب فوق خصلات الشعر الذي تفوح منه رائحة زيت الأركَان وزيت الخروع. 
تعدو الخصلات كخيول بريّة جامحة. 
تدلق بعض القطرات من قارورة زيت الخروع على رأسها. 
تخلّل الأصابع في فروة الرأس. 
تمرّرُ مشط القرن من جديد وتسحبه إلى الأسفل بحركة ناعمة. 
المرآة ترسم وجهها الهادئ كلوحة موناليزا. 
أيّها الكفن الأبيض الذي يحضن جسد أمّي كنْ أنت الرداء وسجادة الصلاة. 
قبل أذان صلاة الفجر تخفّ من فراشها على رؤوس أصابع قدميها. ترتّل ترانيمها والمسبحة تعانق أصابعها. قطرات من الماء تبلّل وجهها. 
ماء الوضوء معقّم روحي حين ترشّ رذاذه على وجهك يصبح كحقل تفّاح. ماء الوضوء زخّات مطرٍ تسقي صحراء في وجهك. 
أنظرُ إلى وجهها الماطر كبحيرة يرقص في جدولها البجع. 
تسقط قطرة لتنمو زهرة.
أودّعُكِ في يوم حزين. ألقي نظرة وداع أخيرة وأنا أئتمن عليكِ التراب. 
لا تخدعُني أيها الترّاب الضاجّ برصيف الموتى. رأيتَني أنتحب كطفل صغير استيقظ فلم يجد أمّه في البيت. 
لا تخدعني مثل الموت الذي غادرني لينتقل إلى رئتي أمّي. سرق روحها ولا يدري أنّه يسرق روحي. 
الموت الشقيّ إذا زارك لا يخرج بيدين فارغتين، قايض روحي بروح أمّي ثمّ انصرف وهو يبتسم بمكر.
هذه حكايتي أيها التّراب مع الموت الذي قصّ جناحي. لن أطير كحمامة.. أشبهُ ديكاً مذبوحاً يترنّح بين شواهد القبور. 
فتحتُ قارورة زيت الخروع غمرتُها بالتّراب. ترابٌ نابضٌ بدقّات قلب أمّي. هو الذي يخبرني بماذا تهمس أمّي، وما تتلوه في سجود صلواتها. يخبرني هل شفيتْ من آلام الروماتيزم، وهل مازالت تداوم على وضع قطرات العين في مواقيتها.. وهل… وهل؟؟؟؟
أيّها التّراب لديّ طلب أخير، سلّم هذه الهديّة إلى أمّي. 
لا تنظرْ إلى الصندوق الخشبي بريبة، لا تقلق.. وضعتُ بداخله منبّهاً صغيراً ضبطت عقاربه ليوقظ أمّي قبل أذان صلاة الفجر.