السبت 16 أكتوبر 2021
كتاب الرأي

مصطفى بودغية: "الانتخابات" والوعي السياسي..

مصطفى بودغية: "الانتخابات" والوعي السياسي.. مصطفى بودغية

أجواء "الانتخاب" لحظة نقيس بها مدى تراكم "الوعي السياسي" لدينا، وهل وصلنا إلى المدى الكمي المطلوب، ليحصل التحول الكيفي؟ طبقا للقانون الفزيائي الذي ذكره "كارل ماركس" ضمن قوانين "المادية الجدلية"، حيث يتحدث القانون الثالث عن مبدأ "تحول الكم إلى كيف"، بعد مبدأ "نفي النفي" ومبدأ "وحدة صراع التناقضات". ولا حاجة للإشارة طبعا إلى أن زمن تطور الوعي الفكري، ومنه الوعي السياسي، لا يرتبط بعقارب الساعة، وإنما له علاقة بالتفاعلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية داخليا في مجتمع ما، وتفاعل المجتمع نفسه مع محيطه الإقليمي والعالمي. ولهذا فحركة الزمن الثقافي لها إيقاعها الخاص.

 

من هذا المنظور يمكن أن نلاحظ أن المجتمع المغربي قد تعرض لتحولات مهمة منذ أن تعرض "لصدمة الحضارة" إبان تعرضه للاحتلال الفرنسي، ودخوله زمن التحديث بطريقته الخاصة، وعرف تاريخه السياسي والثقافي طفرات إلى الأمام ونكسات جرته إلى الوراء، وذلك حسب وقوة وضعف القوى المتصارعة داخله. لكن بعد هزيمة العرب في 1967 أمام "إسرائيل"، حصلت هزة عنيفة في الوعي السياسي العربي أدت إلى ظهور "اليسار الراديكالي" وتراجع نسبي للفكر القومي والفكر التراثوي. وهكذا ظهرت الحركة اليسارية الجذرية في المغرب، وحاولت استكمال ما بدأته الحركة الوطنية التي فشلت في تقديم "النموذج السياسي" المطلوب بديلا عن النظام المخزني. لكن بعد مواجهاتها العنيفة مع "المخزن" ببعده السياسي والديني، تراجع تأثيرها بشكل ملحوظ، رغم أنها أنتجت في المجال الثقافي والفكري والفني كوكبة من المثقفين والمفكرين والفنانين المرموقين. في المستوى السياسي ظل اليسار في مجمله متشبثا بقطيعته مع النظام السياسي، وفي أواخر العقد التسعيني، نحت فصائل مهمة منه منحى الانخراط في المسار الديمقراطي، عبر المشاركة في الانتخابات، لكنها لم تسقط من يدها ورقة الاحتجاج الجماهيري في الشارع العام، وظهر ذلك جليا في منح مقراتها على المستوى الوطني لحركة "20 فبراير"، ومساندتها للحركات الاحتجاجية مثل حراك منطقة الريف وحراك مدينة "جرادة"، بينما ظل جزء من اليسار رافضا المسار الديمقراطي ومتمسكا بـ "المقاطعة".

 

الملاحظ أن في كل محطة انتخابية يجري نقاش حول جدوى "الانتخابات"، أحيانا قليلة يعبر عن مستوى راق من الوعي السياسي، وفي غالب الأحيان يتحول النقاش إلى اتهامات متبادلة انفعالية مثل (أعوان المخزن) وهي التهمة التي توجه للمشاركين أو "العدميون الفاشلون" التهمة الموجهة للمقاطعين. لكن، بشكل عام، من خلال النقاشات الدائرة، نجد سيادة لغة شعبوية سياسية ساذجة، لا ترقى إلى مستوى النقاش السياسي المثمر، مثل الشكوى وإعلان عدم الجدوى والتسليم بهيمنة المخزن، حيث نلاحظ فعلا التحقق الموضوعي والواقعي لتلك القولة التي مفادها: "وعي الناس هو الذي يحدد واقعهم الفعلي".. أو  تلك التي معناها: "واقعنا مجرد مرآة لحالنا الذي نحن عليه"... ومن حلال معاينة عدد من التعليقات والتدخلات عبر الحوارات المباشرة أو عبر وسائط التواصل الاجتماعي نخلص إلى عدد من الملاحظات..

 

أولا: ليس هناك تصور متكامل يضع "الانتخابات" في سياقها العام، وذلك  بسبب عدم التمييز بين القوى المعارضة والقوى المشاركة أو التي تريد المشاركة في الحكم. وعدم الانتباه إلى اختلاف الاستراتيجيات بين الطرفين، أي الاختلاف بين بناء قوة المعارضة المسؤولة والبناءة، وبين تبرير ممارسات السلطة والانخراط الكلي في لعبتها، بين فضح السلطة والمطالبة بالمحاسبة وبين التستر على السلطة وتمجيد انجازاتها.

 

ثانيا: هناك كذلك الخلط بين المرحلي والبعيد المدى.. أي عدم قراءة "الانتخابات" في صيرورتها التاريخية واستحضار "موازين القوى"، ولهذا نرى كل النقاش يركز على "الواقع المأزوم" واستحالة تغييره. بينما الواقع مأزوم ومتأزم منذ عقود وعقود ويتطلب زمنا معقولا لإصلاحه وتغييره. لكن هذا الزمن المطلوب ليس الكرونولوجي المرتبط بحركة عقارب الساعة، بل هو زمن الجهد المبذول ليس لترويج "الرفض" و"السخط على الواقع"، وإنما لإشاعة الأمل عبر بناء تصور ملموس حول مجتمع بديل أفضل، مجتمع ممكن وقابل للتحقق..

 

ثالثا: نلاحظ أيضا خلطا واضحا بين الاستراتيجية والتكتيك.. وهكذا نرى "المشاركة في الانتخابات" استراتيجية.. بينما نجد "المقاطعة" هي الاستراتيجية عند آخرين.. بين المشاركة والمقاطعة مجرد تكتيكات هدفها التعبئة ونشر الوعي السياسي الحداثي وتعميمه، لأجل الهدف الاستراتيجي هو بناء "المجتمع الديمقراطي".

 

رابعا: نجد الكثيرين يناقشون الانتخابات بفكرة "الآباء المخلصون"، وهي فكرة تقليدية تجد جذورها في تراثنا الديني الذي يتحدث عن "أشخاص"، وليس لديه أدنى فكرة عن الاشتغال بالمؤسسات، وهكذا أصحاب هذا الرأي يرفضون المشاركة لأن ليس هناك من يستحق أصواتهم، منتظرين ظهور "أولياء الله الصالحين" في اللوائح الانتخابية.. ولم يدركوا بعد أن "الشعب" المنظم في مؤسسات حزبية أو نقابية أو جمعيات مجتمع مدني هو "المخلص" الحقيقي لنفسه. وأن المشاركة في الانتخابات ليست مجرد رمي ورقة في الصندوق، وإنما هي حلقة فقط في سلسلة مترابطة من الممارسات تتعلق بالانخراط الفاعل في التعاطي لـ "الشأن العام، ولربما "التصويت هو أبسط حلقة، مثل قضية "الضرائب" التي تستخلص من المواطن، من واجب دافع الضرائب أن يتابعها وأن يعرف أين تصرف وكيف، وإلا يعتبر مخلا بواجبه، ومهدرا لماله.

 

خامسا: هناك تصور ملتبس وغامض حول "الوسائل" السياسية، حيث يتم وضع تعارض وتناقض بينها، في حين أن الوسائل يمكن لها أن تتكامل، لأنها ما هي سوى أدوات للتعبير عن أهداف معينة.. بينما الأهداف هي التي يمكن لها أن تتعارض، هكذا يمكن للهدف الواحد أن يوحد عددا من الوسائل. من هذا المنظور ليس هناك أي تعارض بين المشاركة في الانتخابات لأجل المعارضة، والاحتجاج في الشارع وتوقيع عرائض التنديد والتشهير بالفساد، وتنظيم تظاهرات ثقافية أو سياسية أو فنية، والمساهمة في بناء المجتمع المدني بإنشاء جمعيات الحي أو جمعيات ثقافية أو مدافعة عن الإنسان في وضعية إعاقة أو المرأة أو الطفل أو المستهلك أو حقوق الإنسان... إلخ.. كلها وسائل يمكن أن يجمعها هدف واحد هو بناء "الوعي بالمواطنة والمساواة"، لأجل مجتمع تحكمه "دولة الحق والقانون"، قادرة على ترسيخ مبدأ الحرية وعلى توفير العيش الكريم لمواطنيها...