الاثنين 18 أكتوبر 2021
كتاب الرأي

عبد الإلاه حبيبي: التربية البدنية.. الغائب الأكبر في مدارس الدولة والخواص.. الأسئلة والرهانات

عبد الإلاه حبيبي: التربية البدنية.. الغائب الأكبر في مدارس الدولة والخواص.. الأسئلة والرهانات عبد الإلاه حبيبي

يبدو أن موضوع التربية البدنية لا يحظى بنفس القيمة التي تستفرد بها بعض المواد الدراسية التي تعتبر ذات أولوية في كل المناهج الدراسية، حتى أصبحت سلطتها تستوعب كل الجهد التربوي والاستثمار المالي والجاذبية الاجتماعية، وذلك لكون هذه المواد ترسم الطريق، حسب الرأي السائد، نحو مهن ذات وجاهة اجتماعية، وحظوة رمزية جد متخيلة في أوساط اجتماعية تعاني حرمانا تاريخيا من ممارسة السلطة الرمزية التي ترتبط بالعلم والمعرفة والخطاب...

 

سؤال التربية البدنية هو سؤال الجسد المنبوذ، أو الطاقة المنسية، أو الطفولة المبتورة الجناحين، وهو بهذا المعنى سؤال كاشف عن وضع تربوي غير مبرر، عن نشاط ترفيهي وتأهيلي مبعد، مهمل، حتى أصبح بحكم الواقع محذوفا من الزمن المدرسي الذي تبتلعه مواد نظرية تكلف التلاميذ جهدا ذهنيا وعصبيا مريعا.. لكن الوقت المخصص لاستعادة الأنفاس وتحرير الجسد من ثقل ساعات الجلوس على الطاولات غير موجود، أو قل هو موجود فقط في الأوراق ومموه في الواقع...

 

كيف لنا أن نستسيغ مدارس ابتدائية لا تمارس فيها حصصا للتربية البدنية التي ينبغي أن تكون هي أم الحصص وقائدة جوقة الخطاب التربوي الغارق اليوم في شراء حصص الرياضيات والفيزياء واللغات وأشياء أخرى؟ هو سؤال استنكاري، وغاضب بحكم التكرار والإمعان في نسيانه، بل وتركه على هامش الاهتمامات و الأوراش و الاصلاحات المتعاقبة والخطابات المكرورة سياسيا وتربويا...

 

هل يمكن للتلاميذ أن يحققوا نموهم الطبيعي بالاكتفاء فقط بالمواد العلمية وبعض المواد التي تحسب على الأدب والعلوم الإنسانية؟ هل التركيز على الامتحانات في مواد بعينها هو السبب؟ هل تراجع الاهتمام بالجسد في المجتمع ككل هو سبب هذا التراجع الخطير في الاهتمام بتنمية جسد الأطفال في المدارس؟ أم أن ثقافة الاستهلاك والتدجين الإيديولوجي واحتقار الجمال هي التي سيطرت على المتخيل الاجتماعي واختفى معها الوعي الحداثي بضرورة الربط بين تنمية العقل وتنمية الجسد لدى الصغار؟

 

أسئلة كبيرة، ورهانات عميقة تلكم التي يحيل عليها غياب التربية البدنية في المدارس الابتدائية بشكل واضح وجلي، والمآل هو انتشار البدانة بين الأطفال، والاضطرابات الهرمونية و الاختلالات الأيضية التي ستصاحب هؤلاء مدى الحياة، وذلك مرتبط بالضغط الذي يمارس على الصغار عبر دعوتهم للتركيز فقط على المواد الدراسية "السيادية"، أي الرياضيات والعلوم واللغات، ومضاعفة المجهود من خلال تخصيص ساعات مؤدى عنها خارج الحصص الرسمية لتكرار نفس التمارين وأحيانا نفس الدروس التي من المفروض أن تعطى في الأقسام خلال الزمن المدرسي القانوني...

 

قد يقول قائل أن السمنة لها علاقة بالنظام الغذائي ونمط الحياة الذي يخضع له الطفل في بيته،  وليس غياب التربية البدنية هو العامل المفسر لهذه الظاهرة التي بدأت تنتشر كالنار في الهشيم بين الصغار، صحيح الطفل الذي لا يتناول أكله بانتظام في بيته، ولا يأخذ الوقت الكافي لازدراد وجباته اليومية هو طفل محكوم عليه بالإصابة بالكثير من الاختلالات النفسية والجسدية وحتى السلوكية، لكن عندما لا يجد وقتا للعودة إلى البيت قصد تناول غذائه مثلا وأن يفرض عليه تناول أكلة سريعة باردة في وقت قياسي داخل مدرسته للعودة بسرعة إلى الطاولات، ثم حرمانه من تحريك جسده وتليين عضلاته خلال يوم بكامله ليعود إلى البيت مساء ويستأنف رحلة الدروس الخصوصية فهذا يشكل أكبر خطر يهدد الناشئة ومعها مستقبل مجتمع بكامله... إذن إلى متى سيظل سؤال التربية البدنية والاهتمام بالجسد سؤالا مبعدا من الخطابات السياسية والتربوية والمخططات الإصلاحية... ولعل من بواعث العنف المنتشر بين المراهقين في المدارس والشوارع قد يجد بعضا من شرارته في هذا الذي تحدثنا عنه أعلاه...