الثلاثاء 30 نوفمبر 2021
فن وثقافة

الأناشيد المغربية الحماسية في حوارية بين الزميل التهاني وحسناء داوود

الأناشيد المغربية الحماسية في حوارية بين الزميل التهاني وحسناء داوود الباحثة حسناء داوود والزميل عبد الإله التهاني

استضاف برنامج "مدارات"، الذي يعده ويقدمه الزميل عبد الإله التهاني، ليلة 21 غشت 2021، الباحثة الأستاذة حسناء داوود، التي قدمت حصيلة مجهودها التوثيقي الذي جمعت من خلاله جزء وافرا من الأناشيد المغربية الحماسية، (تجاوزت 200 نشيد وطني)، والتي كانت قد كتبت في مرحلة الكفاح الوطني من أجل استقلال المغرب. وقد خصص برنامج حوار في الثقافة والمجتمع حلقة خاصة للتعريف بمكانة الأناشيد الحماسية في ديوان الشعر المغربي الحديث خلال عهد الحماية الأجنبية بالمغرب، بالموازاة مع ذكرى ثورة الملك والشعب. فضلا عن استعراض نماذج لرواده من الشعراء والعلماء وأقطاب الحركة الوطنية المغربية.

 

التهاني: بلدنا هو الوحيد الذي خضع لقوتين استعماريتين (فرنسا وإسبانيا)

أطل الإعلامي عبد الإله التهاني من شرفة الوطن مستعينا باللحظات التاريخية المشرقة من وحي ذكرى ثورة الملك والشعب للحديث عن مكانة الأناشيد الحماسية في الشعر الوطني المغربي الحديث، مستحضرا لمحات عن دورها في إذكاء الروح الوطنية في سبيل استقلال الوطن من الاستعمار. حيث قال: "لكل أمة خصوصياتها التي ميزتها في الدفاع عن سيادتها. وكان هذا حال الأمة المغربية التي كانت محط الأطماع الاستعمارية من طرف قوتين استعماريتين فرنسا وإسبانيا. حيث تعرضت للضغوطات والمؤامرات وتدخلات الأجنبي من خلال الإغارة على شواطئ المغرب"...

 

وأوضح الزميل التهاني بأن المغرب "البلد العربي والإسلامي الوحيد الذي خضع لقوتين استعماريتين" ومع ذلك "تفرد المغرب في أسلوب كفاحه والدافع عن وحدته وسيادته، والتحام حركته الوطنية بالملك المكافح محمد الخامس من أجل استرجاع السيادة الوطنية".

 

النموذج المغربي في المقاومة والكفاح ضد القوتين الاستعماريتين "جسد كل مظاهر السيادة وآمال وتطلعات الملك والشعب من أجل النهضة والتحرر"؛ حيث تميز "التمدد المغربي في إفريقيا بإشعاعه الروحي والديني، وأضاء بوطنيته وصبره على الشدائد والمحن مسالك التحرير، ويده في يد الحركة الوطنية المغربية... بعمقه التاريخي ورصيده الحضاري".

 

وشدد في تقديمه على أن "خصوصية النهج الذي ميز النضال الوطني المغربي من أجل الاستقلال بصمته حركة المقاومة مع التقائها بخطوط موازية تصب في نفس الهدف الأسمى للانعتاق من الاستعمار الغاشم". حيث اعتبر أن عرائض المطالبة بالإصلاحات (كتلة العمل الوطني) كان هدفه "إشاعة الوعي السياسي بفكرة الاستقلال كمطلب جسدته وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944." وترسيخ قيم الوطنية من خلال "ارتباط الجيل الصاعد بالوعي والهوية الوطنية"، ونفس المهمة قامت بها "المدارس الحرة للتعليم، والجمعيات والوداديات".

 

ولم يفت معد ومقدم البرنامج أن يخصص حيزا مهما لـ "الاستثمار في الجانب الإعلامي للتأثير السياسي والتواصل عن بعد (الشمال الجنوب والوسط)، من خلال العديد من المنابر والصحف الإعلامية وتأسيس المطابع وتعميم المعرفة وإشاعة الوعي". وذكر التهاني بعناوين بعض الصحف والمنابر الإعلامية مثل "رسالة المغرب"، و"عمل الشعب"، و"النهار" و"العلم" والاتحاد" و"النبوغ" و"الوحدة" و"التقدم"...

 

توليفة من الخطوط الموازية أججت ثورة المغاربة على الاستعمار، حيث كانت "تخاطب العقل وتعبئ الشعب من أجل الاستقلال اهتدى قادتها إلى اعتماد الأناشيد الوطنية الحماسية"، يقول الزميل عبد الإله التهاني، مؤكدا على أنها "كانت من إبداع قادة كبار ورموز وطنية وعلماء وأدباء" على اعتبار أن إبداع الأناشيد الحماسية "لم يكن عملا معزولا أو منفصلا عن عمل الحركة الوطنية بعد نفي الملك المكافح محمد الخامس طيب الله ثراه (كورسيكا ومدغشقر). ومن أشهر كتاب الأناشيد الحماسية الوطنية ذكر التهاني بـ "العلامة عبد الله كنون، وعلال الفاسي، والمختار السوسي، ومحمد داوود، ومحمد القري، ومحمد الحبيب الفرقاني، ومحمد الوديع الأسفي، وأبو بكر القادري"...

 

حسناء داوود موثقة الأناشيد الحماسية

"فعلا، إن موضوع الأناشيد الحماسية الوطنية مهم جدا على اعتبار أنها من مميزات فترة النضال والكفاح التي ظهر فيها الشعور الوطني الوقاد"؛ وربطت الباحثة حسناء داوود الموضوع بـ "مرحلة تأسيس المدرسة الأهلية بتطوان سنة 1924، التي كان يتشغل بها أساتذة يعتبرون من أول المبادرين إلى نظم الكلمات المناسبة والتي كان ينشدها جميع أفراد المجتمع التطواني". وأضافت موضحة بأن "الأمر بالنسبة لأساتذة المدرسة الأهلية بتطوان لم يكن يستدعي سوى العزيمة والإرادة والأذن الموسيقية وقليل من المعلومات ذات الصلة بالأنغام والموسيقى".

 

واستشهدت حسناء داوود بإبداعات والدها العلامة محمد داوود والعلامة الحاج محمد بنونة "هذا الأخير درس أصول الموسيقى في مصر، خلاف محمد داوود الذي لم يسبق له أن تعلم الموسيقى، ومع ذلك كان ينظم الأناشيد بالمدرسة الأهلية ويهيئ لها لحنها".

 

وذكرت الباحثة حسناء داوود ببعض عناوين الأناشيد التي كتبها والدها محمد داوود وقام بتلحينها مثل نشيد "يا أمة المغرب" ونشيد "إيه يا أمة المغرب. إيه يا دولة المغرب" المتداول والمعروف لدى الشعب المغربي فضلا عن نشيد "نحن الشباب". بالإضافة إلى تلحينه لأناشيد أخرى مثل النشيد الذي كتبه الأستاذ المكي الناصري تحت عنوان "فؤادي إلى وطني قد صبا". ونشيد "للعلى إن العلى واجبات المسلم" الذي كتبه الأستاذ محمد صادق الرافعي وكان يتغنى به الشباب في تلك الفترة. هذا ولحن العلامة محمد بنونة أناشيد كثيرة لأنه كان له علم بالأنغام و بالجانب الموسيقي مثل نشيد "أيها الشعب تقدم" ونشيد "نحن أبطال" و نشيد "مراكش يا ذات المجد" التي اقتبس لحنها من اللحن المشرقي.

 

وقالت حسناء داوود "لقد جمعت العديد من الأناشيد (200 نشيد حماسي) وأحاول أن أخرجها في بحث/كتاب، وهي دليل على أن الفترة كانت بحرا زاخرا من الكلام لإذكاء روح المقاومة والكفاح الوطني ضد المستعمر من أجل نيل الاستقلال الوطني"؛ حيث استعملت "الأناشيد الحماسية الوطنية كوسيلة للمقاومة في صفوف الشباب للتصدي للمستعمر".

 

التهاني: الأناشيد الحماسية الوطنية كانت وسيلة من وسائل المقاومة والكفاح

وقد استمتع جمهور البرنامج بالإذاعة الوطنية بفاصل موسيقي لأغنية النشيد الحماسي الوطني "إيه أمة المغرب/ إيه دولة المغرب/ إن نعش عشنا كراما/ إن نموت متنا كراما". بحكم أن "كتابة الأناشيد الحماسية الوطنية وتلحينها وغنائها وترديدها كان من بين وسائل الكفاح لدى المقاومة والحركة الوطنية". وكان طبيعيا أن "يسهم قادة الحركة الوطنية أنفسهم في الكتابة والتلحين وخاصة العلماء والأدباء والكتاب اللامعين فضلا عن عملهم السياسي المناهض للاستعمار".

 

وحسب الزميل عبد الإله التهاني فمن بين العوامل التي ساهمت في دخول الأناشيد الحماسية عامل "البعثات المغربية للدراسة الجامعية سواء بالأزهر (مصر) أو بدمشق (سوريا) أو بنابلس (لبنان)؛ حيث انتشر فن النشيد على يد المثقفين العرب وخصوصا الأساتذة الذين كانوا يدرسون بالمدارس والمعاهد (الشمال) منهم المصريون والسوريون واللبنانيون. على اعتبار أن المدارس الحرة كانت معقلا من معاقل الحركة الوطنية، وامتد تأثيرها على مختلف شرائح المجتمع المغربي نتيجة انتشارها الواسع"...

 

وقد أسهمت الجمعيات الكشفية في "هذا اللون من الإبداع الوطني بحكم توفرها على أجواق نحاسية كعامل لإذكاء حماس الجماهير في الشوارع على نغمات إيقاع دقات الطبول"، يوضح الزميل التهاني. وخصوصا خلال الاحتفال بذكرى عيد العرش تأكيدا على ارتباط الشعب بالثوابت الوطنية منذ سنة 1931 (أول احتفال بعيد العرش) وتخليدا لجلوس الملك على العرش كأخصب المناسبات التي شجعت الحركة الوطنية على وضع الأناشيد للوقوف صفا واحدا ضد المستعمر.

 

وبخصوص مراحل الإبداع التي ميزت قائمة الأناشيد الحماسية الوطنية فقد قسمها الزميل عبد الإله التهاني إلى ثلاثة مراحل. أولها "مرحلة الحقبة الاستعمارية التي كان فيها النشيد وسيلة لإلهاب حماس الشعب والانخراط في صفوف الحركة الوطنية للمطالبة بالاستقلال". ثم تلتها مرحلة ثانية وهي "مرحلة في عمر الأناشيد مع مطلع الاستقلال بعد تحرر البلاد من رقبة المستعمر والتي جسدت جو الفرحة العارمة بعودة الملك من منفاه حيث وقف معد البرنامج على نموذج (نشيد العودة) الذي لحنه وغناه الفنان الكبير الراحل عبد القادر الراشدي، ونشيد (يا صاحب الصولة والصولجان) من تلحين وغناء الفنان المقتدر أحمد البيضاوي، لتليها مرحلة ثالثة التي وصفها عبد الإله التهاني بمرحلة "ارتباط حدث المسيرة الخضراء المظفرة، والذي أوحى للشعراء والمبدعين بأناشيد سكبوا فيها رحيق مشاعر الوطنية الصادقة، والتي كان لها التأثير في النفوس والمشاعر"...