الجمعة 24 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

أحمد الحطاب: المسؤولية وما أدراك ما المسئولية

أحمد الحطاب: المسؤولية وما أدراك ما المسئولية أحمد الحطاب

سئمَ المغاربة من قراءة وسماع كلمة "مسئولية" في الإعلام، في الخطب السياسية، في الحملات الانتخابية، في السياسات العمومية، في حديث المقاهي، في تصريحات الحكومة، في جلسات البرلمان، في مؤتمرات و تجمُّعات الأحزاب السياسية...

 

والغريب في الأمر أن المواطنين، حينما يبحثون عن المسئولية في المكان الذي من المفترض أن تكون متواجدةً فيه، فغالبا ما لا يجدونها. قبل الإبحار في منعطفات "المسئولية"، فما هي المسئولية؟

 

نقول مثلا: 1) فلان مسئول عن ذاته، أي هو الوحيد الذي بإمكانه (ملزم) الحِفاظ عليها من كل أذى سواءً صدر عنه أو عن الوسط المحيط به. إن حافظ عليها، فهذا معناه أنه اتخذ كل الإجراءات الازمة لصونها. وإن أصابها أذى، فهذا معناه أنه تخاذل في اتخاذ هذه الإجراءات. فلن يلومَ إلا نفسَه. 2) فلان مسئول عن أقواله و أفعاله، أي هو الوحيد الذي يتحمَّل تَبِعات (أو عواقب) هذه الأقوال والأفعال، سواء إيجاباً أو سلبا. 3) فلان مسئول أمام جهة معيَّنة (مجتمع، سلطة، وطن، شعب، رأي عام، حزب، تجمُّع…)، أي يقع عليه واجب من الواجبات وهو ملزم بتأدية هذا الواجب كما هو مطلوب منه علما أن هذه الجهة المعيَّنة من حقها مُحاسبتُه لتقييم كيفية الأداء كما هو مرغوب فيه. وهنا، لا بد من الإشارة أن مبدأ "ربط المسئولية بالمحاسبة" يندرج في سياق هذا المثل الثالث.

 

وفي هذا الصدد، لا بد من توضيح. فعندما نسمع عبارةَ "ربط المسئولية بالمحاسبة"، فأول ما يتبادر للذهن هو الجانب السلبي لهذه المحاسبة. لا أبدا. المحاسبة تقييم للأداء. والأداء يمكن أن يكون إيجابيا أو سلبيا. فإن كان إيجابيا، وهذا هو المرغوب فيه، فالمًحَاسَب يستحق التَّنويهَ والاحترامَ والتَّقدير. وإن كان سلبيا، أي مخالفا للواجب ومُخِلاًّ بالالتزام، فالمُحَاسَب يستحق العقابَ. وهنا بيت القصيد.

 

لماذا بيت القصيد؟ لأن مبدأَ "ربط المسئولية بالمحاسبة" منصوص علية في دستور البلاد وأنشأت الدولةُ لتفعيله المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات، لكن هذا المبدأ يبقى متعثِّرا من حيث التنفيذ. عادةً، المجلس يقوم بمراقبة استعمال المال العام من طرف منشآت الدولة (وزارات، مؤسسات ومقاولات عمومية، جماعات محلية، أحزاب سياسية) ويُصدِر تقارير يبيِّن فيها ماذا احترام المساطر والقوانين التي، بموجبها، يتمُّ استعمال المال العام. والمقصود هنا بـ "متعثِّر" هو أن بعض التقارير بيَّنت أن استعمالَ المال العام تشوبه اختلالات وخروقات وتجاوزات. عادة، مثل هذه التقارير تُرفع للقضاء ليبثَّ فيها وهو الشيء الذي، نادرا، ما يحدث.

 

فلماذا لا يُطبَّق مبدأ "ربط المسئولية بالمحاسبة" من ألفه إلى يائه؟ علما أننا نعيش في دولة يُقال إنها دولة الحق والقانون. فهل المال العام مِلكٌ للجميع أو مِلكٌ لمن يسهر على استعماله؟ فلماذا لا تُلحُّ الأحزاب السياسية، وبالأخص تلك الممثلة في البرلمان، أغلبية ومعارضة، على تطبيق هذا المبدأ بحذافره؟ فكيف للبلاد أن تنتفعَ من نموذجها التنموي الجديد ومالُها العام يُساء استعمالُه؟ فكيف للمواطنين أن يثقوا في المؤسسات التَّشرعية والتَّنفيذية وفي الأحزاب السياسية وهي تتفرَّج على هدر المال العام؟ فكيف للمسئولين الذين تبتث في حقهم  اختلالات تتعلق بهدر المال العام، أن يبقوا أحرارا طليقين؟ فكيف لمبادئ نصَّ عليها الدستور وأنشأت الدولة من أجلها مؤسسات عليا أن تبقى مجرد حبرٍ على ورق؟

 

كل هذه الأسئلة ستبقى، هي الأخرى، حبرا على ورق ما لم تتوفَّر إرادةٌ سياسيةٌ قويةٌ تساوي بين المواطنين من حيث الحقوق والواجبات. إرادة سياسية لا تعترف إلا بالقانون وتتنكَّر للمحسوبية واللوبيات بجميع أشكالها وانتماءاتها. هذا هو حُلم المواطنين الغيورين على مصلحة بلادهم. أقول "حُلم" لأن الأحلامَ التي حققتها، إلى حد الآن، الأحزاب السياسية والحكومات المنبثقة عنها، كلُّها رُعْبٌ.

 

- أحمد الحطاب، فاعل مدني