السبت 16 أكتوبر 2021
سياسة

في رسالة لخالد فضيل لبركة ونبيل ووهبي: ستخلون بهذه الخطوة الجريئة ذمتكم أمام الله والوطن والملك

في رسالة لخالد فضيل لبركة ونبيل ووهبي: ستخلون بهذه الخطوة الجريئة ذمتكم أمام الله والوطن والملك خالد فضيل(يمينا)، وإلى جانبه نبيل بنعيد الله و عبد اللطيف وهبي ونزار بركة
وجه الفاعل السياسي، خالد فضيل، رسالة مفتوحة إلى الأمناء العامين لكل من حزب الاستقلال، التقدم والاشتراكية والأصالة والمعاصرة، توصلت " أنفاس بريس" بنسخة منها، جاء فيها ما يلي:
 
السادة نزار البركة، محمد نبيل بنعبد الله، وعبد اللطيف وهبي،
لا موقع ولا صفة يسمحان لي بمراسلتكم لا بشكل مفتوح ولا عن طريق البريد المضمون. هذا أمر أكيد، لكنني كمواطن معني بتداعيات السياسات العمومية على معيش الناس وبمآلات فرص انتقالنا الديمقراطي و بحالة التذمر العام من النخب و نحن على مشارف انتخابات تأتي في ظرفية غاية في الاستثناء ، كوني مواطن هو ما يصنع الفارق و يمنحني حق وواجب التوجه إليكم بشيء مما أحمله ، أنا و معي أجيال بأكملها ، تغار على البلاد و تأسف لأوضاع كان من الممكن تجاوزها منذ سنوات و لا تستوعب إطلاقا أسباب تأخر القوى الحية في الدفع بالآفاق التي فتحها العهد الجديد على أكثر من صعيد إلى مداها البعيد . أجيال ما زالت ، ورغم كل بواعث الخيبة ، تتمسك بالاعتقاد أن بعضا من نخبنا تبقي على شيء من القضايا الكبرى للوطن ومن التطلعات الملحة للمواطنين ومن نظافة اليد ضمن انشغالاتها وأجندتها وجداول أعمالها .
إنني أعرفكم بالإسم وبالصفة، فأنتم شخصيات عمومية تحملت العديد من مسؤوليات تدبير الشأن العام، ناهيكم عن كونكم قادة توجهات فكرية وسياسية لها مكانتها في المشهد الوطني، على أية حال.
لكن يبقى السؤال هو لماذا أتوجه إليكم دون سواكم في وقت تعج فيه الساحة السياسية بالكثير من الأحزاب بصرف النظر عن حقيقة ودواعي وأثر وجودها في مجريات النسق السياسي الوطني .
الجواب أبسط مما تتصورون. الأطياف الأخرى بات من الصعب الرهان عليها، بل قد يكون هذا الرهان مجرد مضيعة للوقت وهي تتأرجح بين قادم من زمن تزييف الحقائق الاجتماعية والسياسية البائد وحابل بالهجانة و الطفيليات و المفسدين و ناسف لتراث كفاحي ونظري وسياسي في سبيل التحدث باسم حكومة في برلمان وممتطئ للمشترك وسياق الربيع والقسم بالدين من أجل مشروع هو كل شيء إلا الاعتناء بالعدالة الاجتماعية ومدمن على العدمية والكلام الغليظ والتحدث بين الجدران عن المساء الكبير .
الأحزاب التي كان لوجودها جدوى زمن الصدر الأعظم و تكميم الأفواه وخلط الأوراق و تكسير العظام و تزوير الإرادة الشعبية وتأثيث المشهد النيابي بالأعيان و تبخيس العمل السياسي وتلطيخه بالمال و أشياء أخرى، تلك الأحزاب، حتى وإن زعمت التجدد ومواكبة التحولات، أضحت نشازا وعبئا وخارج حسابات المستقبل منذ أن بدأت الخطوات الجادة تنقلنا من وضع الصراع المفتوح إلى تناوب توافقي قاده الفقيد عبد الرحمان اليوسفي ثم إلى التناوب النابع من صناديق الاقتراع ومنذ أن قرأنا كلنا، دولة و نخبا و شعبا ، صفحة الجمر والرصاص وطويناها إلى غير رجعة و منذ أن عقدنا العزم على العدالة الانتقالية والانتصار للخيار الديمقراطي ولمشروع الإصلاح . لست في حاجة للتنقيب عن الكلمات اللائقة لتسمية الأشياء ولا إلى اعتماد لغة التلميحات، فخطاب أنصاف الحقائق لم يكن يوما سوى وجها آخرا للكذب. لذلك سوف أكون مباشرا وأقول بأن هذه العينة من الأحزاب تشكل جزءا جوهريا من المشكل وليس بمقدورها، لا الآن ولا غدا ولا أبدا، منطقيا وسياسيا وتاريخيا، أن تكون جزءا من الحل إلا إذا اختلت قوانين المنطق والسياسة والتاريخ وتوازنات الكون .
العدالة و التنمية أخفق في الدستور و السياسة و الفكر و التدبير و أجهز على كل ما هو اجتماعي بدءا من تسعيرات الكهرباء وصولا إلى اعتباره عناية الدولة بالأرامل عمل إحساني مرورا بتماهيه الكامل مع وصفات صندوق النقد الدولي . ولاداعي لتذكيره بالهوة الشاسعة بين تعهداته وما جعل المغاربة يحلمون به قبيل نوفمبر 2011 و سياساته خلال عقد كامل في الحكومة والجهات والجماعات الترابية والتحالفات، حتى أصبح الجميع يتمنى أي سيناريوه قاتم إلا أن يعود، لا في شكل حاصل على أكبر عدد من النواب ولا في صيغة تحالف حكومي .
الاتحاد الاشتراكي أنهكته تجربة التناوب بدل أن تقويه لأنه انهمك في الحكومة وفك الارتباط بالقوات الشعبية وتعايش مع الخروج عن المنهجية الديمقراطية واستنزف نفسه في البحث عن أي موقع حتى بالتحالفات الهجينة واستمر يتمزق عموديا وأفقيا ويصر على مصادرة مشروع الحزب الاشتراكي الكبير، بغرور مزمن وغلو أخرق، وصار دون أفق رغم كونه أصل فكرة الإصلاح زمن رجالات الإصلاح.
هذا مؤسف، دون شك، لكنه حقيقة وجب أخذها في تقدير الموقف و في الاعتبار ونحن نقيس الفرص الكفيلة بتوسيع رقعة الإصلاح ببيض النمل و نتلافى فخاخ خصوم الدمقرطة والحريات والتنمية والعدالة الاجتماعية بذروة ما علمتنا إياه التجارب التي أنجزت التقدم و الرخاء دون ندوب غائرة .
اليسار تجاوزته أحداث سقوط حركات التحرر والجدار والمعسكر وصعود توجهات اشتراكية بنفس رأسمالي وصار عاجزا عن الإدراك وفضل العزلة في حلقات سجال دستوراني لا تأثير له خارج القاعات وبات يعيش على النقاشات التنظيموية وحروب ملوك الطوائف عوض تجديد الرؤية و النظر جيدا في نفسه و في الممكن وفي التطورات الدولية والإقليمية و في المشروع الإصلاحي الكبير الذي تحمله المؤسسة الملكية بثبات.
السادة نزار البركة، محمد نبيل بنعبد الله وعبد اللطيف وهبي،
ليس لدي أدنى شك أنكم على علم بأنه لم يعد بمقدور المغاربة التغاضي عن حالة البؤس التي بلغها العمل السياسي. لقد أصبح الحديث عن الفاعلين السياسيين أمرا ممقوتا لدى المواطنين و المقلق في الأمر أن بؤس السياسة اختلط في وعي الناس بيأس جلل و من غير المستبعد أن يفضيا إلى هجر جماعي لصناديق الاقتراع وللمؤسسات .
من المرجح جدا أن تصدمنا الانتخابات القادمة بنسبة مشاركة تذكرنا بشنبر2007 ولربما أسوأ ولن يفيد في شيء الاعتماد على البوادي والمواقع التقليدية في التصويت و لا إلى محترفي شراء الذمم إن امتنعت الطبقة الوسطى والميسورون بالحلال والنساء والشباب عن إبداء الرأي وعن المشاركة، لأن الأصل في الحياة السياسية الحاملة لمشروعي الإصلاح و الانتقال الديمقراطي ليس تجييش الناخبين بالمال ليذهبوا خلف المعازل، بل الأصل هو إغرائهم بعروض سياسية تألف بين مصالح كل الفئات وتتيح رؤية وقع السياسة على الناتج الداخلي الخام ومعدلات النمو وعلى احتياجات المواطنين في الشغل والصحة والتعليم والأجور والمنظمومات الاجتماعية و تعامل الإدارات في الكرامة والحريات ورحابة صدر الوطن .
كل الخطاب السياسي و الإعلامي الذي واكب إشارات العهد الجديد والمبادرات التي مافتئ يطلقها عاهل البلاد ، آخرها مشروع العدالة الاجتماعية والورش التنموي الجديد ، كل الخطاب السياسي والإعلامي ومعهما الرأي العام العالمي ، أقروا بأن المؤسسة الملكية أبدت ما يكفي من الإرادة و الفعل و الحزم لإنجاز مهام انتقال البلاد إلى الديمقراطية بمعانيها الكونية بالرغم من عدد من المنعطفات التي بدت، من منظور التحليل السطحي البعيد عن إدراك تعقيدات مراحل الانتقال ،أنها قد تعصف بما تحقق من مكتسبات لكنها، في حقيقة الأمر، لا تعدو لحظات مناوشات لجيوب مقاومة الإصلاح ، تتسع و تضيق حسب موازين القوى بين إرادة الانتقال ومركب المصالح الغير مشروعة، الذي يبقى دائما في حاجة لغطاء سياسي ولمن لا يقرؤون رسائل الدولة في شأن حياد الإدارة ولأجواء الاحتقان كي يظهر الردع بدل الرعاية ويشتقوا منه ما يعتقدونه هيبة لتخويف الناس .هذا ما حصل ويجري في المشهد السياسي، منذ مدة، وهكذا انتقل المفسدون من الاختباء بخجل إلى نشد تصدر لوائح الانتخابات في واضحة النهار .
ترنحات مناوئي انتقالنا الديمقراطي تستوجب من الدولة الردع عبر الإدارة الترابية ومن القضاء تحريك ملفات المجلس الأعلى للحسابات ومن الساسة وأهل الإعلام إعادة طرح السؤال المرجعي " من أين لك هذا؟ " ومن المواطنين المعاقبة في صناديق الاقتراع وتقتضي من جانبكم فضح ولفظ المفسدين وتجنب اعتمادهم لجلب الأصوات. هذا نهج جرب على سبيل التكتيك بأكثر من مسوغ وفي العديد من الاستحقاقات وهو، بالتحديد، ما أفضى إلى ما نحن فيه من إغراق لحياتنا السياسية في الابتذال.
السادة نزار البركة، محمدنبيل بنعبد الله وعبد اللطيف وهبي،
لست هنا لإملاء الدروس ، فأنتم أساتذتنا و قادة خيارات ، تبقى كيف ما كان الحال ، جديرة بالاحترام و الدعم و بالمساندة النقدية ، خاصة أن تحالفكم أبدى الكثير من الصدق في الخطاب و المهارة في طرح المعضلات و الكفاءة في تقديم الاقتراحات و الصرامة في مجابهة الأخطاء الفظيعة للأغلبية الحكومية و أبان عن نوع من الصرامة المبدئية والمرونة العملية ما أحوج البلاد إليهما لتستقيم أمور تدبير الشأن العام. كما أن حزب الاستقلال عرف، عبر تاريخه، كيف يحافظ على التوافق مع الدولة وعلى المسافة معها وحزب التقدم والاشتراكية أظهر استقلالية قراره السياسي عندما شارك في التحالف الحكومي لما بعد 25 نوفمبر 2011 وعندما خرج منه فيما بعد والأصالة والمعاصرة كان في غاية الإيثار والاقتدار حين عمم نقده الذاتي وعدل الرؤية والمسار.
هذه معطيات لا يمكن القفز عليها إن كنا نبتغي الموضوعية والإنصاف. فقط أود أن تكونوا على بينة بأن الكثيرين يراهنون عليكم ويضعونكم أمام مسؤولياتكم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ماء وجه السياسة ولإخراس المفسدين سواء كانوا في صفوف خصوم أو من المريدين .
من فضلكم لا تجعلوا المغاربة يعتقدون أن الانتخابات هي إيحاءات للترحال و شراء للضمائر ومجال حصري للمفسدين ولحظة تعزيز سلطة المال بالحصانات المؤسساتية .افعلوا الممكن والمستحيل وكل ما يلزم خلال ما تبقى من أسابيع ليعلم الجميع من هم أصدقاء الشعب ومن هم خصومه وحتى يحصل الفرز السياسي المنشود في أفق إعادة بناء قوى فكرية و سياسية واجتماعية قادرة على تحمل أعباء المساهمة في بناء المغرب الذي نريد وفي ترصيص اللحمة الوطنية وصيانة الوحدة الترابية و تفعيل المؤسسات الدستورية وفق كنه النظام الأساسي للبلاد وفي صياغة التوافق التاريخي مع المؤسسة الملكية .
ستكون خطوة جريئة منكم في الاتجاه الصحيح وستخلون، بذلك، ذمتكم أمام الله والوطن والملك والخيار الديمقراطي وأمام شعبنا والتاريخ وستستعيدون الإمساك بزمام الأمل للناس ولكم من جديد.