الجمعة 24 سبتمبر 2021
فن وثقافة

في "مدارات" التهاني.. "مع ناشئة الأدب" مدرسةُ خِيرةِ الأدباء والكتاب

في "مدارات" التهاني.. "مع ناشئة الأدب" مدرسةُ خِيرةِ الأدباء والكتاب الشاعر الراحل إدريس الجاي وفي الإطار الزميل عبد الإله التهاني

خصص برنامج "مدارات"، الذي يعده ويقدمه الزميل عبد الإله التهاني، على أمواج الاذاعة الوطنية من الرباط، حلقته الجديدة، ليلة الثلاثاء 22 يونيو 2021، لسبر ملامح من التجربة الشعرية للشاعر والإذاعي الراحل إدريس الجاي، حيث اختار معد برنامج "حوار في الثقافة والمجتمع" لتأطير الحلقة عنوان: "إدريس الجاي أو زمن الشعر في الإذاعة"..

 

واستحضر الإعلامي عبد الإله التهاني في حلقة الشاعر والإذاعي الراحل إدريس الجاي، ما ميز عطاءه الإبداعي الزاخر كـ "شاعر مجدد، ترك رصيدا شعريا غنيا، اتسم بدرجة عالية من الجودة والأصالة والتجديد والتنوع، ومن الخيال الواسع في ترويض اللغة، والإبداع في الصورة الشعرية، مع بيان كيف انعكست تجربته الشخصية في الحياة على شعره، وملامسة الرؤية التراجيدية في قصائده الوجدانية والتأملية، وكذا عناصر الرؤية الروحية الإيمانية كما تجلت في أشعاره، علاوة على تقديم نماذج من إبداعه الشعري ذي البعد الوطني".

 

إدريس الجاي.. الشاعر والإذاعي المتميز

"ولد الشاعر والإذاعي إدريس الجاي بمدينة فاس يوم 15 أكتوبر سنة 1920، تلقى العلم في معاهد المعرفة بفاس والتحق بجامعة القرويين، ومن ينابيعها اغترف الثقافة العربية الأصيلة، وفي نهاية الثلاثينيات التحق بمعهد مولاي المهدي بتطوان وبعده سافر إلى إسبانيا حيث درس بمعاهدها الأدب الإسباني، وبعد سنوات عاد إلى المغرب ليسافر بعد ذلك إلى فرنسا حيث عمل منتجا ومحررا للبرامج العربية في إذاعة باريس. وفي بداية سنة 1958 التحق بإذاعة المملكة المغربية رئيسا لقسم البرامج، ومنذ هذا التاريخ وهو يكتب وينتج ويساعد في إعداد وتقديم العديد من البرامج الناجحة، وبعد ذلك تفرغ مخلصا لبرنامجه ”ناشئة الأدب” البرنامج الذي كان مدرسة للسائرين على درب الأدب والثقافة".

 

هو الشاعر المجدد المرحوم إدريس الجاي ورمزا مؤسسا لـ "زمن الشعر في الإذاعة". من "الأسماء اللامعة في تاريخ الحركة الأدبية التي رصعت جبين المغرب بعد الارتواء من نبع مدارس ومؤسسات مدينة فاس. (معهد مولاي المهدي)، كان من رواد الشعر الحديث ومبدع القصيدة العمودية... اختار الشعر وارتبط بالعمل الإذاعي. كان منبرا للتنوير والارتقاء بالوجدان"، يقول الزميل عبد الإله التهاني.

 

وأضاف قائلا عن تجربته الإذاعية لقد مكنته: "هجرته إلى إسبانيا من الانفتاح على أفق أجنبي ثم نحو فرنسا للاشتغال في القسم العربي بإذاعة باريس". وكانت عودته إبان استقلال البلاد سنة 1958 لتأسيس مشروع الإذاعة الوطنية بالرباط... وإعادة بناء المؤسسات الوطنية وطي حقبة "راديو ماروك" في مرحلة التأسيس لمغرب مستقل... والاشتغال في قسم البرامج (ترفيهية وثقافية وتنويرية..)..".

 

برنامج "مع ناشئة الأدب" كان مدرسة ومجلة واسعة الانتشار

الانطلاق في مشواره الإذاعي بصفته أديبا متمكنا وشخصية رائدة من رواد الإعلام وخبير في التخطيط "لم يكن يعتبره مجرد مزاولة مهنية.."، بل "حلبة أخرى لإثبات فروسيته"، ولجها كـ "معد ومقدم لأهم برنامج أدبي (مع ناشئة الأدب)"، يوضح عبد الإله التهاني الذي أكد على أن برنامجه الثقافي الشعري قد اعتاد عليه المستمعات والمستمعين.. واعتادوا على سماع صوته القوي، واطلعوا على ثقافته الواسعة بذوقه الرفيع.

 

وأفاد مقدم البرنامج على أن برنامج (مع ناشئة الأدب) تحول بقوة حضور شخصية الراحل الشاعر إدريس الجاي إلى مجلة أدبية واسعة الانتشار وذائعة الصيت نظرا لتمكين الشباب من كتاباتهم عبر الأثير في مختلف الأجناس الأدبية من قصة وشعر وخواطر والتي كان يقدمها بإخراج بديع على أمواج الإذاعة بالرباط.

 

برنامج "مع ناشئة الأدب" يشهد عليه برنامج "مدارات" شهادة امتنان واعتراف كونه كان سببا في إفراز نخبة مثقفة.. يقول عبد الإله التهاني "ما أكثر المبدعين الذين تخرجوا من برنامج الشاعر إدريس الجاي، والكتاب اللامعين، وتردد على لسان الكثير من الأدباء" بحكم أن الراحل كان "أديبا مبرزا، لا حد لفصاحته، وشاعرا متمكنا ومتحدثا مؤثرا، وهالة أدبية ومكانة عالية تفرد بها بين زملائه الإذاعيين". مما منح "قيمة كبيرة للبرنامج الأدبي، بفضل الأيادي البيضاء التي احتضنت المواهب الشابة"، في تلك الفترة المشرقة من الزمن الجميل.

 

الشعر السلاح الوحيد للراحل إدريس الجاي

وعن ديوانه "السوانح"، فقد أصدره الشاعر الراحل إدريس الجاي في أول طبعة سنة 1971، نفذت وبات من المتعذر الحصول على نسخة، زينتها مقدمة للعلامة الأديب سيدي عبد الله كنون، حيث ستليه طبعة ثانية سنة 1998 تضمنت قصائد في باب الحماسيات (الوطنيات) وأخرى في باب التأملات وقصائد في باب الهواجس.

 

ديوان "السوانح" استوعب 88 قصيدة أغلبها على الشكل العمودي، قريبة من شكل الموشح الأندلسي، تميزت بالتنويع في القافية والمواضيع (الرثاء، المديح، العتاب، وصف الطبيعة، والأحداث الأليمة..) كما استأثر الجانب العاطفي بالشاعر إدريس الجاي وتفنن في صياغته بأسلوب مبهر، علاوة على تميزه بقصائد عديدة كان يناجي بها نفسه تخللتها نفحات فلسفية. "لقد كان الشعر سلاحه الوحيد لمواجهة الأعاصير والمعاناة. وكانت القصيد رفيقه وصنوه"، يقول الزميل التهاني الذي شدد على أن الراحل "لم يكتب له أن ينعم بالحياة التي تليق به. كان يجد نفسه وحيدا تحت السماء في رحلته"، في ظروف صحية مؤلمة حيث "انعكست المرحلة الرمادية وتجلياتها الحزينة في قصائد شعره". وأشار معد برنامج حوار في الثقافة والمجتمع إلى أن الراحل "كان الشعر لسان أفراحه وما أقلها، وكان الشعر لسان أحزانه وما أكثرها وأقساها".

 

في سياق متصل أفاد الإعلامي عبد الإله التهاني بأن العلامة سيدي عبد الله كنون قال عن الشاعر إدريس الجاي بأنه "شاعر عصري يأخذ نفسه بالتجديد ويصوغ أشعاره صياغة عصرية. ولم ينبذ القوالب والأشكال السابقة، بل طوع تلك الأشكال ويخضعها لمادته الشعرية... شعره ينطوي على كنز من المعاني والأفكار. ويعكس فلسفة وجودية مضاغة شعرا... برع في التصوير وقوة التشخيص وترف الشعور، الذي يحرك وجدان الميت". لذلك تناول إدريس الجاي في أشعاره أغلب المواضيع سواء في المدح أو الرثاء والوصل أو الغزل والحماسة والقصيدة الوطنية والاجتماعية وشعر الخواطر والتأملات الفلسفية وأغراض أخرى شعرية.

 

قراءات شعرية على نغمات آلة القانون بنبرة حزينة

وعلى نغمات تقاسيم آلة القانون على مقام حزين شنف معد ومقدم برنامج "مدارات" مستمعات ومستمعي الإذاعة الوطنية بقراءات شعرية من مجموعة من قصائد ديوان "السوانح" للراحل إدريس الجاي وهي كالتالي:

قرأ الزميل التهاني بلسان الشاعر مقتطف من قصيدته الوجدانية تحت عنوان "حَسِبْتُكِ". وأخرى مصنفة في التأملات تحت عنوان "عِنَادْ" والتي ضمنها أحاسيسه إزاء المرحلة الرمادية من حياته والتي اتسمت بالكثير من المعاناة. وفي نفس السياق أنشد عبد الإله التهاني مقتطف من قصيدة وجدانية تحت عنوان "عِتَابُ اَلْقَلْبْ".

أما على مستوى شعر الهواجس والخواطر فقد قرأ التهاني مقتطف من قصيدة "دَعْكَ عَنِي".

ليعود لقراءة أبيات من قصيدة ذات غرض تأملي تحت عنوان "خَرِيفُ اَلْعُمْرِ". (في خريف العمر/ كم أبكي. ولا دمعا يسيل)، ثم مقتطف من قصيدة "عَادَ اَلرَبِيعْ" ذات الغرض الوجداني.

ولم يفت الزميل عبد الإله التهاني أن يعرج على قراءة قصيدة أخرى من نموذج أشعار الوطنيات تحت عنوان "عَرَفُونَا جَحَافِلَةْ"، وأخرى ذات طابع رثائي خصصها الشاعر الراحل إدريس الجاي لرثاء الفقيد الملك محمد الخامس، ثم قصيدة أخرى اعتبرها معد البرنامج من "القصائد البليغ المخصصة لذكرى عيد الاستقلال وصف فيها بطولات وأمجاد وشجاعة المقاومة والحركة الوطنية ".

وختم قراءاته الشعرية من ديوان "السوانح" بقصيدة خالدة تحت عنوان "لِنَظَلَ أَحْرَارًا"، جادت بها قريحة الراحل خلال مناسبة ذكرى عيد ثورة الملك والشعب...