الخميس 29 يوليو 2021
كتاب الرأي

أحمد بلمختار منيرة: نجاح النموذج التنموي الجديد رهين باستعادة ثقة المواطن

أحمد بلمختار منيرة: نجاح النموذج التنموي الجديد رهين باستعادة ثقة المواطن أحمد بلمختار منيرة
أكدت اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي في تقريرها العام الذي قدمته مؤخرا لملك البلاد، ما نبهت إليه الصحافة بشقيها الالكتروني والورقي، في عدة مناسبات، وهو: تدني منسوب الثقة في العديد من المؤسسات حيث لم يعد المواطن المغربي يثق إلا في مؤسسة الملك، وهو أمر بقدر ما يدعو إلى الاطمئنان عن مستقبل بلدنا حيث يتوفر شرط الاستقرار يدعو إلى طرح سؤال جوهري وهو: كيف يمكن استعادة ثقة المواطن في المؤسسات التي تدبر الشأن العام المحلي والجهوي والوطني؟
إن قراءة متمعنة في التقرير العام المتعلق بالنموذج التنموي الجديد، تبين أن عنصر الثقة هو رهان ينبغي أن ننجح في تحقيقه إن نحن نريد فعلا تحقيق نجاح النموذج التنموي الجديد. وتتضح الأهمية القصوى لهذا الرهان بدءا من قراءة عنوان التقرير العام، وليس ذلك من باب الصدفة ولا من باب الإثارة الإعلامية.
فاللجنة ترى، أن استعادة الثقة إلى جانب تحرير الطاقات ضرورة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع. وقد مكنها من هذا الإقرار، اعتمادها على منهجية الإنصات والمشاورات مع مختلف شرائح المجتمع المغربي المتواجدة في المغرب العميق وفي المدن والقرى والسهول. وكذا اقتناع أعضائها بأن الحلول التقنية لمشاكل موضوعية غير كافية لتقوية الرابط الاجتماعي وغير قادرة لوحدها على ضمان انخراط الجميع، وبأن الحلول النابعة من أرض الواقع تتسم بابتكار ووجاهة متميزين كلما توفر لهذه الحلول الفضاء الملائم للتعبير عن نفسها.
وقد تضمنت شهادة إحدى الطالبات التي تم الإنصات إليها من لدن اللجنة المعنية تعبيرا صادقا عن أحد الأسباب الجوهرية لتدني مستوى الثقة في العديد من المؤسسات التي تدبر الشأن العام ببلدنا حيث قالت: " هناك من يتوفرون على كل شيء وهناك من لا يتوفرون على أي شيء ". وهو دليل قاطع عن ضعف العدالة الاجتماعية ببلدنا، وهي حقيقة لا يمكن التغاضي عنها بالرغم من قساوتها.
وحسب اللجنة المعنية، فبقدر ما تشيد المشاورات مع المواطنين بالمكتسبات المحرزة، فإنها تبرز بعض المخاوف بشأن المستقبل النابعة أساسا من الإحساس بتعطيل آليات الارتقاء الاجتماعي وتلاشي الثقة في قدرة المؤسسات العمومية على السهر على الصالح العام.
كما سجلت هذه اللجنة أزمة الثقة تجاه الفعل العمومي في سياق تردي جودة الخدمات العمومية، وضعف الحس الأخلاقي وقيم النزاهة على العموم من لدن المكلفين بتدبير الشأن العام.
ويتجلى ضعف الثقة أيضا إزاء النخب السياسية والاقتصادية والفئات الاجتماعية الميسورة والتي ينظر إليها من زاوية استفادتها من امتيازات غير مشروعة وأنها غير حريصة على المصلحة العامة. وقد قدمت اللجنة مجموعة من العبارات كما صرح بها المواطنون والتي تكشف عن مناخ عدم الرضا وضعف الثقة من قبيل: " جزر من النجاح والثروة في محيط من البؤس ". و " يجب أن نحارب الإثراء غير المشروع ونربط المسؤولية بالمحاسبة ". و " الفساد والغش والمسؤولية في تحصيل الضرائب ". و " بدون انخراط المواطنين وبدون مشاركتهم في النقاشات والقرارات التي ستتخذ، ستذهب جميع التغييرات سدى". و " لدينا أفضل القوانين في العالم لكنها غير مطبقة ".
إن هذه التعبيرات وغيرها، تدعو المتخصصين في علوم الاجتماع والنفس والتواصل والإعلام إلى التفكير فيها رويا وفي انعكاساتها السلبية على نفس المواطن(ة). وهي تعبر بشكل صادق عن أننا نعيش فعلا أزمة الثقة في مدبري الشأن العام في مختلف القطاعات.
ولا شك أن التقرير التركيبي الذي قدمته اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي إلى العاهل المغربي، غني بتوصياته والتي تتضمنها المحاور الاستراتيجية للتحول، سواء فيما يتعلق بالاقتصاد، أو بالرأسمال البشري، أو بالإدماج والتضامن، أو بالمجالات الترابية. وكذا فيما يتعلق بالأوراش التحولية لإطلاق النموذج التنموي الجديد وهي: الرقميات، والجهاز الإداري، وتمويل النموذج التنموي الجديد، ومغاربة العالم، والشراكات الدولية للمغرب.
لكن يبقى السؤال الذي يفرض طرحه الآن، حتى نكون واقعيين ولنحقق الخطوة الأولى لضمان إقلاع النموذج التنموي الجديد هو: كيف يمكن استعادة ثقة المواطن ونحن على مقربة من الانتخابات كامتحان أول لمدبري الشأن العام؟
يبدو لنا بعيدا عن التجريد، وانطلاقا من معطى أساسي وهو أن المواطن لا يومن إلا بما يلمسه من سلوكات ونتائج على أرض الواقع، يتعين البدء بالخطوة الأولى في اتجاه التصحيح وعناصرها:
إذا كانت الأحزاب السياسية مطالبة بممارسة النقد الذاتي، حيث يلاحظ المواطن تدني مستوى الديمقراطية الداخلية، ودلائله: استمرار الوجوه المألوفة في قيادة العديد من الأحزاب، وعدم تشبيبها، وعدم وفاء ممثلي العديد من الأحزاب بوعودهم الانتخابية. إذا كان الأمر كذلك، فإن ذلك لا ينبغي أن يحجب عنا حقيقة سياسية وهي أنه لا ديمقراطية في غياب فاعل رئيسي وهو الأحزاب السياسية. ولكن، لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين.
وبالمناسبة، لا يمكن القفز على دور الأحزاب السياسية، فإذا كان النموذج التنموي الجديد قد حدد السياسات العامة للبلد وهو يتضمن مجموعة من النقائص والفراغات، فإن الأحزاب السياسية هي المعنية الأولى والأخيرة بنسج معالم السياسات العمومية وتفاصيلها لأنها هي من سيكون مسؤولا أمام الشعب فيما يخص النتائج، سواء كانت في الحكومة أو من خلال ممثليها في الجماعات والجهات.
لكن دعنا نتساءل معا، ما هي الإشارات القوية التي يجب إعطاؤها للمواطن(ة) ، لاستعادة ولو بصيص من ثقته (ا) في مدبري الشأن العام ونحن مقبلون على الانتخابات المحلية والجهوية؟
نعتقد فيما يلي:
- المحاسبة الفورية لكل من تبث في حقه استغلال المال العام في غير موضعه أو من أجل تحقيق مصالحه الخاصة، وذلك تطبيقا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
- محاربة الفساد الانتخابي والضرب بيد من حديد على يد كل من تبث في حقه توزيع المال، أو استغلال النفوذ، أو تنظيم الولائم (...).
- توفير الضمانات القانونية لحماية كل مواطن(ة) أبلغ عن سلوكات الفساد الانتخابي.
- فتح الأحزاب السياسية لأبوابها، لشرح برامجها وتعهداتها. والإجابة على أسئلة الشباب خاصة، دون نفاق سياسي. وأين نحن من الحزب، المدرسة السياسية، المحتضن للمحاضرات والنقاشات السياسية وشرح وتفسير ما يقع لأبسط المناضلين؟
ولعمري أن بداية استعادة الثقة، هي أن يرى المواطن (ة) الكفاءات التي يزخر بها وطننا الحبيب، تدبر الشأن العام في الجماعات والجهات لأنها الأقرب إليه، ولأن عهد الترشح للتدبير العام المحلي خاصة من لدن من " يحسن القراءة والكتابة " قد ولى.
 
أحمد بلمختار منيرة/ إعلامي وباحث