السبت 24 يوليو 2021
مجتمع

تأهيل الأئمة بين فرض الأمر الواقع والترهيب والتحكم الأصولي !

تأهيل الأئمة بين فرض الأمر الواقع والترهيب والتحكم الأصولي ! الوزير التوفيق ( يمينا) ومحمد يسف (يسارا) مع مشهد من وقفة احتجاجية سابقة للأئمة
عقب الوقفة الاحتجاجية الثانية للأئمة، وإعلان وزير الأوقاف في البرلمان، عن موعد تنزيل مسطرة التأهيل في ثاني أربعاء من كل شهر، وتحذيره للبرلمانيين من خطورة الكلام الدائر حول القيمين الدينيين، وإعلان "تنسيقية" هؤلاء عن وقفة ثالثة، أصدرت الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى، في 17 يونيو 2021، مذكرة "في شأن الدليل العملي لاختبارات شهادة التأهل(مقابلة علمية)".
في حين أفاد مصدر مسؤول من وزارة الأوقاف في اليوم الموالي، لموقع "هسبريس"،ما يفيد عنوان الوعيد التالي: "الأئمة المحتجون يواجهون الإبعاد عن مساجد المملكة".
لذلك ستنهض هذه المتابعة بفحص هذه المستجدات، على أمل ألا تخرج الأمور من عقالها:
1- لقد أراد المجلس العلمي الأعلى من هذا الدليل، تنزيلا لمذكرته كما قال، في 26 أبريل 2021،في حين أنها صادرة في 26 مارس2021.والواقع أنها لم تكن تنزيلا، بل تعديلا، أرخى بمزيد الغموض على الملف. ففي الشق القانوني استدركت ما نبهنا إليه حول المادة 13من ظهير 2004.ثم تركت بياضات حول الحاصلين على شهاد التزكية، والحاصلين على شهادة التأهيل نفسها، في حال تغيير المسجد.
لذلك فمنطق بناء دولة القانون ،كان يفترض المصادقة على هذه المسطرة في دورة المجلس العلمي الأعلى حتى تغتني بالنقاش، ومن ثم تأخذ صبغتها القانونية. لكن يظهر أن المجال المحفوظ لأمير المؤمنين، يراد له أن يحكمه قانون الغاب، لإضعاف المرجعية الدينية للمغرب.
بالعودة إلى الوراء، كان هناك في مسطرة التزكية، امتحان بشقيه الكتابي والشفوي، يشرف عليه المجلس العلمي، ثم تتبعها محطة الإقرار في المسجد، من خلال مقابلة يرأس لجنتها وبحضور ممثلي المجلس العلمي، مندوب الشؤون الاسلامية. وهو أمر لم تستسغه المجالس العلمية.
من هنا فالمسطرة الجديدة لن تجعل جسم الأئمة محصنا.
أكيد فيما سيجري، سيرتاح مندوبو الشؤون الاسلامية من وجع الرأس. لكن الذين تسكنهم خصوصية المغرب المذهبية والحضارية، لن تروقهم وضعية الهيمنة الأصولية هذه. وسيقع كل ثقل التمحيص على كاهل السلطة والأجهزة.
وإذا أخذنا علما أن هؤلاء يحكمهم بحكم الاختصاص، قياس الولاء السياسي للدولة، فإن الولاء الذهبي للبلاد، سيكون مصيره الضياع في ظل تحكم مشيخة الأصولية. وبهذا يكون المغرب يهدم معماره المذهبي بشكل "قانوني".
الآن أصبحت شهادة التأهيل عبارة عن مقابلة الإقرار، في المسطرة السابقة، بدون مندوبي الشؤون الإسلامية . وبهذا تندرج هذه الشهادة - وبمسطرة "عادية"، تخفي سيفها المسلول على المشرب المغربي- في مسمى الزحف الممنهج لمشيخة الأصولية في الحقل الديني. هذا هو عمق المعادلة /الإشكال،والباقي مجرد تفاصيل.فشجرة "التأهيل" تخفي غابة التمدد الأصولي المنفلت من ضبط حواس الدولة.
وامام هذا التعنت، سنضطر إلى أن نلفت عناية المهتمين، للمفارقة التالية في فقه الجوار،لعل نخوة المكرمات الوطنية تنتصر على ما عداها:
في الجزائر خرج الأئمة للشارع في فبراير 2020، وناشدوا رئيسهم. وفي مارس 2021، يتم قبول إدخال تعديلات على القانون الأساسي لقطاع الشؤون الدينية .
أما عندنا، فقد خرج الأئمة في يناير 2020.وفي متم نفس الشهر تم إيقاف امتحانات شهادة التزكية.
وفي مارس 2021، سيعلن عن اعتماد مسطرة التأهيل،ل أهداف استئصالية.
ورغم عيوب هذه المسطرة القانونية والإدارية، وانعكاساتها السلبية على استقرار وضعية القيمين الدينيين. ورغم اندراجها الواضح في مخطط الانقلاب الأصولي على مرجعية إمارة المؤمنين فإن هناك إصرارا على تطبيقها، ولو بنحر جميع القيم والضوابط. ومن المؤسف أن يتوج العلامة سيدي محمد يسف مسيرة 40 سنة على رأس المجلس العلمي الأعلى، بجعل المغرب والمغاربة، أمام جدار"لا أريكم إلا ما أرى" من مشيخة الأصولية.
إن وعيد الوزارة، للائمة ، تجاه “هؤلاء الأئمة الذين يحرضون على مخالفة القانون وأخلاقيات الإمامة ستكون الوزارة مضطرة، باعتبارها تدبر المجال الديني، لإبعادهم عن مساجد المملكة حفاظا منها على خصوصية وقدسية المجال الديني عند المغاربة”.لأن في تقديريها، "المحرضين على هذه الوقفات التي يعتبرونها حاملة لمطالب مشروعة في نظرهم يسقطون في مخالفة جسيمة للمساطر والقوانين الجاري بها العمل”.
ويظهر أن هذا الوعيد صادر عن مديرية القيمين الدينيين. وبهذا لم نشهد الفرق بفصل شؤون القيمين الدينيين عن مديرية المساجد. فتقنوقراط الوزارة صف مرصوص في خدمة المخطط الأصولي. وبهذا الوعيد نكون امام أسلوب جديد للاستبداد. علما أن الأئمة بدفاعهم عن مطالبهم يحمون مرجعية إمارة المؤمنين من التهريب الأصولي. وإذا ما نفذت الوزارة وعيدها، ستكون قد اختارت عن وعي الانتصار لمؤامرة عزل أمير المؤمنين عن جند سلطانه على القلوب. ونخشى على الأستاذ التوفيق من اجتماع الأئمة على قراءة سورة طه بالتنكيس!
وقد كان من أولى التفاعلات مع هذا الوعيد:"لو كان العدد كبيرا لما استطاعوا أن يتعرضوا لهم بسوء".من هنا سيكون من غير المستبعد الرهان على "الإنزال"،كرد فعل.
وهنا تكمن محاذير ركوب الحسابات الإديولوجية والسياسية على عدالة مطالب الأئمة والمؤذنين. كما أن هذا الوعيد سيحمل - كما قلنا سابقا بشأن إخلاء الوزير لمسؤوليته، وإلقائها على الملك-القيمين الدينيين على مخاطبة الملك مباشرة. ولا تخفى على العقلاء مزالق هذا المسلك. لكن يبدو أن هم الوزير هو ألا تكون لمسؤوليته كلفة، لا في البرلمان، ولا في الإعلام، وفي الشارع، ومن بعده الطوفان.
أما بعد، فيكفي القول بلغة الإشارة، بأن جوارنا الجزائري، عاش هو الآخر منذ سنوات ،إشكالية الأئمة، "من المنبر إلى الشارع". وتجاوزها بسلام لحد الآن. لذلك ارحموا هذا المغرب العظيم الذي يسكننا، بحدوده الحقة، ورسالته الحضارية، وأصالة مؤسساته الوطنية، وبحلم التقدم الموصول فيه، من التشويش بهذا الاستبداد، على ميلاد دولة الرعاية الاجتماعية، في زمن البلاء والوباء، ومن التشويش أيضا، على ملاحم ثورة الملك والشعب المتجددة، في هذا الاستحقاق الوطني. فالبلاد في كل هذا، في حاجة إلى تحصيل بركة دعاء القيمين الدينيين."ولا تنسوا الفضل بينكم" !