الاثنين 18 أكتوبر 2021
كتاب الرأي

نوفل البعمري: 10ملاحظات على قرار البرلمان الأوروبي بشأن المغرب

نوفل البعمري: 10ملاحظات على قرار البرلمان الأوروبي بشأن المغرب نوفل البعمري

 

أصدر البرلمان الأوروبي يوم الخميس 10 يونيو قراره المتعلق بما أسماه " انتهاك اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل واستخدام السلطات المغربية للقاصرين في أزمة الهجرة في سبتة"، وهو القرار الذي أرادت من خلاله إسبانيا إدانة المغرب، وتحويل الأزمة من أزمة ثنائية بينها وبين المغرب، إلى أزمة أوروبية-مغربية، لكنها فشلت في مسعاها بحيث بدل أن يدين البرلمان الأوروبي المغرب فقد أتاح له الفرصة لإعادة طرح كل القضايا الإشكالية مع أوروبا عموما وإسبانيا خصوصا، وإعادة التموقع الاستراتيجي القوي في اتجاه الشمال.

قرار البرلمان الأوروبي يثير ملاحظات جوهرية، يمكن إبرازها في :

1- القرار صدر تحت عنوان " انتهاك اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل"، وهي الاتفاقية التي يعد المغرب جزءا منها و من آلياتها الأممية، بالعودة للعنوان فهي تعطي انطباع و كأن البرلمان الأروبي قد قام بتقييم تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل من طرف المغرب، و هو الأمر الذي لم يحصل، كما أنه تصرف وكأن له سلطة فوق سلطة الأمم المتحدة على اعتبار أن الاتفاقية هي أممية و ليست أوروبية، و تدخل ضمن اختصاص اللجنة الأممية لحقوق الطفل التي لها الاختصاص الحصري لتقييم مدى إعمال الدول المصادقة على الاتفاقية لمضامينها و هي وحدها من تصدر ما تسميه "بالتعليق" و تقدم تقاريرها حول تنفيذ الاتفاقية، بالعودة لاختصاص البرلمان الأوروبي فهذا النوع من التقييم المتعلق بمدى تنفيذ اتفاقية أممية معينة لا يدخل ضمن الآلية الأوربية عموما و لا الآليات البرلمانية الأوربية.

لذلك فبالعودة للنقاش الذي طرحه البرلمان الأوروبي ومضمون قراره فهو يعد تطاولا خطيرا على اختصاص حصري للأمم المتحدة عمد إلى تنصيب نفسه جهازا ومؤسسة فوق المؤسسة الأممية الأمم المتحدة دون أن يكون له أي تفويض لممارسة هذا التقييم، مما يكون معه هذا القرار قد صدر من جهة غير ذي موضوع وغير مختصة للنَّظر في هكذا مواضيع حتى يقوم برلمانيوها بالتصويت على قرار يهم تطبيق اتفاقية أممية من طرف دولة ليست عضوا في الاتحاد الأوروبي.

2- القرار صدر بناء على ما تقدم به الجانب الإسباني من معطيات مزيفة، غير دقيقة، و قد كان على البرلمان الأوروبي إن كان جديا في إصدار قرار ذي طبيعة محايدة، و تهدف حقيقة لحماية حقوق الطفل عموما و القاصرين خصوصا، أن يتوجه إلى المؤسسات الوطنية المغربية خاصة منها مجلس النواب لاستجماع كافة المعطيات و لتقديم مختلف وجهات النظر لبناء موقف حقيقي من قضية ذات طابع نزاع سياسي ثنائي، لكن البرلمان الأوروبي تصرف بنزعة "استعمارية" "فوقية" أراد من خلال هذا القرار التعامل بمنطق الأستاذ و التلميذ و هو المنطق الذي لطالما رفضه المغرب سواء في أزمات ثنائية مع بعض الدول الأوروبية أو مع الاتحاد الأوروبي نفسه، ثم حاليا، فالتعامل الفوقي من طرف أروبا قد أصبح مرفوضا، ولم يعد بالإمكان أن يجتمع نواب أوربيون لم يستطيعوا تقييم حقيقة الوضع في اسبانيا و لم يستطيعوا معالجة الأسباب الحقيقية

3- البرلمان الأوروبي يتواجد فيه 705 عضو و عضوة يشكلون خمس تكتلات أوروبية كبرى تتوزع ما بين اليسار الراديكالي، واليسار الاشتراكي الديموقراطي واليمين الليبرالي ثم اليمين المتطرف، و قد كانت تهدف إسبانيا من خلال هذا القرار إظهار إجماع أوروبي حول مساندتها في مواجهة المغرب، لكن بالعودة لعدد الذين سجلوا الحضور فهو لم يتعدى ثلثي الأعضاء، كما أن القرار صوت عليه سوى 397،مقابل 196 ضد و 85 ممتنع عن التصويت أضف لهم أكثر من 27عضو و عضوة ممن لم يحضروا و قاطعوا الجلسة، مما يجعل القرار غير ذي قيمة برلمانية و لم يستطع واضعوه إظهار الإجماع الكلي حوله و حول إسبانيا، هو أيضا مجرد تعبير عن موقف و رأي الفرق البرلمانية التي عرضته للتصويت بحيث لم تستطع إدانة المغرب أو تأليب الرأي العام الأروبي ضد المغرب، فأقصى ما تم القيام به هو التعبير عن "الرفض" و "الاستياء" و لم يستطع أن يذهب في اتجاه إدانة و لا شجب المغرب، مما يعد انتكاسة سياسية لإسبانيا و لكل الفرق التي تحمست القرار.

4- القرار صدر من طرف مؤسسة برلمانية و هي مؤسسة ليست لها و لا لقراراتها أية قوة إلزامية و لا قانونية داخل المؤسسات الأوربية، فنحن أمام قرار ولد ميتا حتى قبل صدوره، لأن البرلمان الأوروبي ليست له أية سلطة مادية على باقي المؤسسات الأوربية، و لا يمكن أن تكون له الوصاية على دولة غير أوروبية، خارج الفضاء الأوروبي الذي تحول لشبح سياسي و لم يعد بالقوة التي كان عليها خاصة بعد خروج بريطانيا منه.

عليه فقرار البرلمان الأوروبي لا حجية له، ولا قيمة له ولا لمختلف المضامين التي تضمنها على ضعفها، بل حتى لو كان قد أدان المغرب بشكل صريح فهو بالنسبة إلينا لن يكون له أي أثر واقعي غير تأزيم الوضع السياسي مع باقي أجهزة الاتحاد الأوروبي وهو ما فشلت في اسبانيا والفرق البرلمانية التي تبنت موقفها.

5- القرار يتناقض مع المواقف التي عبرت عنها مختلف أجهزة الاتحاد الأوروبي التنفيذية خاصة منها المفوضية الأوربية التي سبق لها أن أشادت بالتعاون المغربي مع الاتحاد الأوروبي و انخراطه الجدي في محاربة الهجرة الغير النظامية، ومحاربة الإرهاب و الأمن و التنمية، مما يجعل قرار البرلمان الأوروبي قرارا معزولا عن محيطه الأوروبي ولم يستطع دفع المفوضية الأوروبية إلى تغيير موقفها من المغرب أو التفكير في إعادة تقييم علاقتها مع المغرب، وعلى عكس ما انتظرت منه إسبانيا فقد شكلت هذه الأزمة مناسبة لتثمين التعاون الأوروبي-المغربي من طرف المفوضية ومختلف المصالح الخارجية للاتحاد الأوروبي التي عبر مسؤوليها عن مواقف إيجابية، متوازنة ولم تكن منحازة لإسبانيا، والتي تعي حجم الدور الكبير الذي يقوم به المغرب وهو ما أهله ليكون في وضع الشريك الإستراتيجي للاتحاد الأوروبي.

6- القرار في باقي مضامينه و اذا حذفنا منه الفقرات التي تتعلق بالحديث عن وضعية القاصرين و "الرفض" الذي تم التعبير عنه في كقنه، فهو نفسه شكل نوعا من الانتكاسة السياسية لإسبانيا، فبالإضافة لما قلناه سابقا من كونه لم يدن المغرب، فهو في فقرات منه أشاد بالقرار الملكي بعودة القاصرين الغير النظاميين المتواجدين بأوروبا، وإعادة استقبالهم، وأشاد بالتحركات المغربية في هذا المجال، مما يجعله قرارا حتى و واضعوه يبحثون عن محاولة حشر المغرب في الزاوية فهو يعكس بالمقابل حقيقة الوضع الإسباني في أروبا وضع العزلة السياسية التي تعيشها داخل أروبا، وداخل أجهزتها، وأنها رغم كل الحشد والضغط الذي مارسته لم تستطع أن تستصدر قرارا بمواقف منحازة كلية لإسبانيا، بل من خلال تركيبة النص يتبين أنه تم تعديله لعدة مرات حتى يحصل على الحد الأدنى من هذا الإجماع الأوروبي حوله.

7- ردود الفعل الدولية التي تلت القرار كلها اتجهت نحو دعم المغرب و دعم موقفه السياسي اتجاه هذه الأزمة من حيث طبيعتها الثنائية التي تجمعه مع إسبانيا، فالجامعة العربية في بيان لها أكدت على دعم المغرب و رفضها للقرار البرلمان العربي اعلن عن عقد جلسة برلمانية مستعجلة يوم 26 يونيو للرد على هذا القرار، برلمانات عربية صديقة أعلنت في بيانات لها عن شجب القرار من بينها البرلمان البحريني بغرفتي، منظمة التعاون الإسلامي التي تعد أقوى تكتل للدول الإسلامية اصطفت مع المغرب ورفضت قاطعا ما جاء في القرار الأوروبي، اليونيسيف نفسها اعلنت عم تركيبها بالمجهودات التي تبدلها المملكة المغربية في مجال القاصرين و الأطفال، و اشادت بالقرار الملكي الذي طالب أروبا بإعادة القاصرين المغاربة الغير النظاميين المتواجدين بأوروبا للمغرب رئيس البرلمان الافريقي المنتهية ولايته أصدر بيانا رسميا يدعم المغرب دون نسيان بيانات وتصريحات شخصية لبرلمانيين أوروبيين رافضة للقرار والزج بهم في صراع ثنائي بين المغرب و إسبانيا….. كل هذه المواقف وغيرها من المواقف التي ستصدر مستقبلا دعما للمغرب ومن مختلف التكتلات الإقليمية القوية تظهر الموقع الاستراتيجي للمغرب في الخريطة الدبلوماسية الدولية وحجم الدعم المطلق له في هذه الأزمة التي افتعلتها إسبانيا.

8- القرار لم يلغي بالنسبة للمغرب الطابع الثنائي لهذه الأزمة و لن يستطيع التغطية على الخلفيات السياسية التي أدت إلى أن تطفوا على السطح بين المغرب وإسبانيا، فهي أزمة سياسية نتجت بسبب استقبال إسبانيا للمجرم ابراهيم غالي بجواز و هوية مزورتين و تهريبه من القضاء الإسباني و الضغط عليه لعدم محاكمته، هذه حقيقة الأزمة و هنا يجب أن يبدأ النقاش، من هذا المستوى الذي يتعلق بسلوك سياسي و دبلوماسي عدائي و عدواني أقدمت عليه الحكومة الإسبانية التي حاولت التستر على هذا الاستقبال و نكرته بداية لتعود لتتراجع وتعلن عن استقباله "لأسباب إنسانية" للتغطية على الخلفيات السياسية التي تعكس ازدواجية الموقف الإسباني مع المغرب و من وحدته الترابية.

9- اسبانيا التي أرادت أن تستغل البرلمان الأوروبي لإدانة المغرب على خلفية محاولة استغلال القاصرين الغير النظاميين، فهي نفسها كانت موضوع إدانة صريحة أممية سنة 2018 عند مناقشة التقرير الدوري الإسبانية بحيث سجلت لجنة حقوق الطفل عدة ملاحظات جوهرية تهم إسبانيا، بحيث عددت ذلك في وجود ممارسات ممنهجة تمييزية ضد الأطفال القاصرين على أساس لونهم، وضعيتهم الاجتماعية، وعرقهم و هي ممارسات أدانتها اللجنة الأممية، كما ذهبت إلى شجب المعاملة المهنية التي يتلقاها القاصرين الغير النظاميين المتواجدين في اسبانيا من طرف الحكومة الإسبانية التي تضعهم في مراكز إيواء لا تتوفر على أية شروط للحياة العادية، و يتعرضون التعنيف داخلها، و لمعاملة حاطة من كرامتهم، كما أنه سنة 2019 أصدرت الجمعية الأندلسية للدفاع عن حقوق الإنسان تقريرا أسودا عن وضعية الطفولة و القاصرين خاصة منهم الغير النظاميين،إذ سجلت قيام الحكومة الإسبانية بإرجاع الأطفال القاصرين لموطنهم دون احترام الإجراءات القانونية المنصوص عليها دوليا، كما أن عملية تحديد سنهم تتم بطريقة حاطة من كرامتهم، أضف لذلك حالات اختفاء لقاصرين مما طرح فرضية الاتجار في البشر….

لذلك دولة بهذا السجل الأسود لا يحق لها أن ترفع لواء حماية الطفولة ولا القاصرين الغير النظاميين أو تتحدث عنهم، وقد كان على البرلمان الأوروبي بدل أن يختار الاصطفاف ولو بشكل محتشم مع إسبانيا، كان عليه توجيه استفسار عاجل للحكومة الإسبانية حول سياستها الممنهجة المتبعة والموجهة ضد الطفولة في اسبانيا و القاصرين الغير النظاميين بشكل خاص.

10- المغرب ظل حريصا على التأكيد سواء قبل صدور القرار أو بعده على أن الشراكة التي تجمعه مع الإتحاد الأوروبي هي شراكة بناءة، و لا يمكن أن يقبل بدفعه أو جره نحو المواجهة السياسية مع الاتحاد الأوروبي خاصة منه المفوضية، وهو نفس موقف المفوضية الأوروبية و يكفي العودة هنا لتصريح السيدة هيلينا دالي المفوضية الأوروبية بالبرلمان الأوروبي حول القاصرين المغاربة غير المرفوقين التي أكدت فيه على أن "الاتحاد الأوروبي يستفيد من شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع المغرب" مرحبة في ذات التصريح بقرار العاهل المغربي باستقبال القاصرين الغير النظاميين المتواجدين بأوروبا واضعة قضية الهجرة في صلبها و قالبها السياسي من خلال تأكيدها "على أهمية الحوار مع المغرب بشكل في الاحترام و الثقة المتبادلة وفق رؤية للشراكة الشاملة بين أفريقيا و أروبا "،هذا التصريح هو رد واضح على اسبانيا و على القرار نفسه بحيث يؤكد على كون الاتحاد الأوروبي لن ينجر وراء إسبانيا و وراء الحكومة الإسبانية التي تريد إنقاذ نفسها من العقاب الانتخابي الذي ينتظرها من طرف الاسبانيين، و يؤكد هذا التصريح اصطفاف الاتحاد الأوروبي و أجهزته مع المغرب وأن هناك تفهما للموقف السياسي الصادر من طرف المغرب اتجاه إسبانيا و اتجاه خيانتها السياسية للمغرب.