الأحد 1 أغسطس 2021
كتاب الرأي

يونس الصالحي: قراءة في تقرير النموذج التنموي

يونس الصالحي: قراءة في تقرير النموذج التنموي يونس الصالحي

أحدث الملك محمد السادس، في 19 نونبر 2019، اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، وهي لجنة ضمت إلى جانب الرئيس شكيب بنموسى 35 عضو يتوفرون على مهارات أكاديمية ومهنية وعلى دراية بالمجتمع المغربي وبالقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، حيث أسندت الى هذه اللجنة مهمة ذات طابع استشاري تتمثل في تشخيص الوضعية الراهنة للتنمية بالمملكة بصراحة وموضوعية، وفي رسم معالم نموذج تنموي جديد بغية الدفع ببلادنا للتوجه بكل ثقة نحو المستقبل، وقد اعتمدت هذه اللجنة في إعداد تقريرها على تفكير استراتيجي يركز على ايجاد الحلول لمجموعة من الاشكاليات التي يثيرها النموذج التنموي الحالي الذي أصبح عاجزا عن مواكبة التطورات التي يعرفها المجتمع المغربي، وبالتالي تغيير وثيرة التنمية، كما اهتمت اللجنة في إعداد تقريرها على تفكير ذي طبيعة شمولية ومندمجة مع المبادئ والقيم التي كرسها دستور 2011، بالإضافة إلى اقتراح نموذج تنموي يضع المواطن في صلب أولوياته ومنسجما مع واقع البلاد ومتطابق مع خصوصياتها، وفد تم الاعتماد على مقاربة تشاركية معتمدة على الإنصات والمشاورة.

وبعد الانتهاء من إعداد التقرير قدم رئيس اللجنة شكيب بنموسى يوم 25 ماي 2021 أمام الملك بالقصر الملكي بفاس التقرير العام، تقريرا جاء ثمرة اشتغال منذ تعيين اللجنة يوم 12 دجنبر 2019، بعد أن عقدت 70 جلسة اشتغال 113 ورشة عمل، 30 زيارة ميدانية، كما استقبلت اللجنة 6600 اقتراحا مكتوبا، إضافة إلى 9719 متفاعل مع اللجنة، مشروع وضعت عليه الكثير من الرهانات، واقتضى التفاعل مع جائحة كورونا التي قلبت الموازين.

 

وقد قامت اللجنة بتحليل دقيق للنموذج التنموي الحالي خلص إلى أن العديد من الإصلاحات المعلن عنها من أعلى مستوى في الدولة، مثل التحول الاقتصادي والتربية والتكوين والصحة والحماية الاجتماعية، تعاني من بطء في التنزيل؛ وهو ما يثير تساؤلات المواطنين، ويساهم في إضعاف منسوب الثقة...

أربعة عوائق رصدتها اللجنة في النموذج التنموي الحالي، تتمثل في غياب الانسجام بين الرؤية التنموي والسياسات العمومية المعلن، وبطء التحول الهيكلي للاقتصاد جراء التكلفة المرتفعة لعوامل الإنتاج التي تعيق تنافسية المقاولات. ويشير العائق الثالث إلى محدودية قدرات القطاع العام في صياغة وبلورة خدمات عمومية سهلة الولوج وذات جودة، إضافة إلى عائق رابع يتجلى في الشعور بضعف الحماية القضائية وعدم القدرة على التوقع وبالتالي الحد من المبادرات بين الهوة بين بعض القوانين والواقع الاجتماعي.

 

طموح في أفق 2035

يشير التقرير العام للنموذج التنموي الجديد إلى أن المملكة تزخر بإمكانيات تنموية مهمة، من الموقع الجيواستراتيجي وتاريخه العريق ورأسماله اللامادي وطاقات نسائه ورجاله، وهو ما يؤهله إلى الارتقاء إلى مصاف الدول الرائدة..

انطلاقا من هذه المؤهلات، يسعى النموذج التنموي الجديد إلى الانتقال إلى مغرب مزدهر، مغرب الكفاءات، مغرب الإدماج والتضامن، مغرب الاستدامة والجرأة؛ وهو ما يستوجب تعبئة كل إمكانيات البلاد عبر وضع العنصر البشري في صلب أولويات السياسات العمومية..

وتقترح اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي أن تتم ترجمة هذا الطموح إلى أهداف تنموية محددة وفي المتناول قصد الارتقاء بالمملكة، لتتبوأ مكانتها ضمن الثلث الأول من ترتيب الدول في مجالات عديدة في أفق 2035، من خلال مضاعفة الناتج الداخلي الخام حسب الفرد، وضمان امتلاك 90 في المائة من التلاميذ للتعلمات الأساسية..

كما تتضمن الأهداف أيضا الرفع من معدل التأطير الطبي للملاءمة مع معايير منظمة الصحة العالمية، وتقليص نسبة الشغل في القطاع غير المهيكل إلى 20 في المائة، ورفع نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل إلى 45 في المائة مقابل 22 في المائة حاليا، والوصول إلى نسبة رضا المواطنين على الإدارة والخدمات العمومية تزيد عن 80 في المائة.

 

أربعة محاور رئيسية

من أجل تحقيق الطموحات والأهداف التي ينشدها النموذج التنموي الجديد فيجب أن يرتكز على أربعة محاور استراتيجية رئيسية للتحول؛ أولها تطوير الاقتصاد ليصبح اقتصادا متميزا بتعدد الأنشطة والتنافسية قائم على نسيج مكثف من المقاولات قادرة على الابتكار والمرونة.

ويرتكز المحور الاستراتيجي الثاني على تعزيز الرأسمال البشري بهدف منح كل المواطنين القدرات التي تمكنهم بكل استقلالية من الأخذ بزمام الأمور وتحقيق طموحاتهم والمساهمة في تنمية البلاد، وهذا يتطلب إصلاحات أساسية وضرورية وعاجلة لكل من أنظمة الصحة والتربية والتعليم والتكوين المهني..

ويهدف المحور الاستراتيجي الثالث من خلال الإدماج إلى مساهمة كل المواطنات والمواطنين في الدينامية الوطنية للتنمية؛ وهو ما يستوجب إدماج كافة المواطنين وكل المجالات الترابية في المجهود التنموي الجماعي من خلال المشاركة والولوج المتكافئ إلى الفرص الاقتصادية من خلال الحماية الاجتماعية والانفتاح على الغير وتقبل التنوع ومحاربة الإقصاء الاجتماعي..

ويتعلق المحور الاستراتيجي الرابع بالمجالات الترابية من خلال الانتقال بها من مجرد وعاء نهائي لتفعيل السياسات العمومية المقررة على المستوى المركزي إلى فاعل رئيسي في إعداد السياسات العمومية وإرسائها وإنجازها...

 

الأوراش التحولية وآليات التنفيذ

تتطلب التحولات الهيكلية التي يوصي بها النموذج التنموي الجديد إمكانيات تقنية وبشرية ومالية مهمة، لاسيما في مرحلة إطلاقها. وتعتبر اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي أنه من الضروري التركيز على خمس رافعات أساسية؛ أولاها الرقميات للتحول السريع، وجهاز إداري مؤهل وفعال، وتأمين الموارد الضرورية لتمويل مشاريع التحول، وإشراك مغاربة العالم للاستفادة من معارفهم، وتعبئة علاقات التعاون مع الشركاء الأجانب بمقارنة رابح-رابح..

ومن أجل ترسيخ النموذج التنموي الجديد كمرجعية مشتركة للفاعلين وحث جميع القوى الحية على إنجازه، اقترحت اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي ترجمته في صيغة “ميثاق وطني من أجل التنمية" ليكون لحظة توافقية ومرجعية مشتركة تقود وتوجه عمل الجميع..

ويمكن للميثاق، وفق تصور اللجنة، أن يمثل آلية كفيلة بتجديد علاقات الدولة مع الفاعلين في مجال التنمية، من أحزاب سياسية ومؤسسات دستورية وقطاع خاص وشركاء اجتماعيين ومجالات ترابية. وتتخلص عباراته الأساسي في: تحمل المسؤولية والتمكين والتفريع والشراكة والاستدامة والإدماج..

واقترحت اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي أن يكون اعتماد هذا الميثاق بشكل علني من طرف الفاعلين المعنيين، ليشكل التزاما معنويا وسياسيا قويا أمام الملك والأمة برمتها، ليمهد الطريق لمرحلة تاريخية جديدة في مسار تنمية البلاد..

وينتظر من الميثاق أن يحدد الطموح المشترك، وأن يعلن عن الأولويات والأهداف الوطنية ومبادئ العمل وإطار ترسيخ الثقة والمسؤولية والتزامات الأطراف المعنية للعمل في اتجاه الهدف المنشود وتطبيق المبادئ المعتمدة..

وامتدادا للميثاق، توصي اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي بإحداث آلية تحت سلطة الملك مباشرة لتتبع النموذج التنموي الجديد وتحفز الأوراش الاستراتيجية ودعم إدارة التغيير، من خلال السهر على الانسجام العام والملاءمة الاستراتيجية وحفز ودعم الإصلاحات المولدة للتحولات .

 

وعليه يمكن القول إن النموذج التنموي الجديد يعتبر عنوانا لإشكالية مركبة ومتعددة المداخل ومختلفة التجليات، إذ يبقى سؤال النجاعة الفكرية والموضوعية العلمية والالتزام السياسي مطروحا بحدة في تصورات النموذج التنموي ومرجعياته ومنطلقاته وشموليته .

 

إن نجاح النموذج التنموي رهين بأسس وركائز فلسفية ومرجعية تروم تغيير العقليات والذهنيات المتحجرة، وتكسير الاوهام المحيطة ببعض النخب السياسة، وهجر الفكر العدمي ومحاربة ثقافة التيئيس والتبخيس والقطع مع أطروحات التنمية دون ديمقراطية .

كما لا ينبغي اختزال النموذج التنموي مستقبلا في الجانب المادي والاقتصادي وهذا ما وقف عليه التقرير، وإلا سيصبح إعادة إنتاج نموذج قابل للقتل، إذا جعل التقرير الانسان محور كل تصور وركيزة أساسية في الوصول إلى الأهداف المتوخاة من هذا التقرير.

 

ويبقى السؤال المطروح، هل لدينا نخب سياسية ومجتمع مدني وغيرها من المؤسسات المعنية بهذا الورش الإصلاحي الكبير القدرة على تنزيل مضامين هذا التقرير على أرض الواقع؟

 

يونس الصالحي، أستاذ باحث بالكلية المتعددة التخصصات - الرشيدية