الثلاثاء 18 يناير 2022
كتاب الرأي

أحمد حضراني: ديمقراطية الغرب على المحك

أحمد حضراني: ديمقراطية الغرب على المحك أحمد حضراني

يستدعي السياق والظرفية: استهداف المغرب من طرف الأنظمة الشائخة للقارة العجوز، والتي تتمشدق بأنها ديمقراطية، في حين أنها لم تتخلص من عقدة استعلائها و مركزيتها وعقليتها الكولونيالية، بدليل مساندتها للعدوان الإسرائيلي على فلسطين، استحضار ما كتبنه(في نسبيته )،انطلاقا مما كتب (مما تيسر). ولكن بتفسير آخر، في شكل انطباعات (ترطيب الذاكرة)، يتوخى ليس "مراجعة «، بل طرح سؤال الديمقراطية في الغرب.

  1. الديمقراطية والسلوك الحضاري: الحل السلمي للأشياء

لا داعي للتذكير بتعريف الديمقراطية ولا تأصيلها، ولا تناول أشكالها وتطبيقاتها، ولكن لا بد من الإشارة على أنه ليس هناك مفهوم في التاريخ، محور، مطط ، ميع ،وأسيء استعماله مثل مفهوم الديمقراطية.

-الديمقراطية هي نزوع تاريخي في حياة الجماعة الإنسانية. ظهرت بوصفها أبجدية الاجتماع السياسي المدني. فهي من هذا المنطلق عبارة عن مفهوم مدني ومديني بمعنى التمدن العمراني وليس التخريب و هدم البيوت وقصفها(العدوان الإسرائيلي على غزة) وبناء جدارات العزل العنصري (إسرائيل مثلا)،فضلا عن التهجير القسري ومصادرة أراضي الفلسطينيين، والأسلاك الشائكة، الغيتوهات السكنية ( سبتة و مليلية ) ، مع اعتماد سياسة عنصرية (الصفاء العرقي ) و العمل على طمس الهوية الأصلية للسكان ومسخها. فالاستبطان التمييزي والعنصري دفع بطبيب فرنسي(قبل أن يعتذر)، باقتراح تجريب لقاح لفيروس كورونا على مواطني افريقيا. وهذا يفيد أن الديمقراطية لم تترسخ مفهوما وممارسة لدى الحاكم والمحكوم على حد سواء، إن في الغرب أو لدى حليفتها إسرائيل أو أذناب الأنظمة الذيلية – الثالثية-حيث ديمقراطية الواجهة المفضوحة. فالديمقراطية في حاجة إلى التأصيل في الفكر والممارسة على صعيد البنية السياسية والاجتماعية والثقافية بالأساس.

الديمقراطية تقوم على التعدد والاختلاف، وتدبيره تدبيرا عقلانيا ومنطقيا، بشكل سلمي وحضاري ،في حين أن التاريخ الأوروبي بالخصوص يقوم على العنف والقوة والحروب والاستعمار واستعباد العباد الاستعمار) والبلاد(استنزاف خيراتها واستغلال ثرواتها).وفي هذا الصدد فإن " تريتشكه "(ملهم ألمانيا النازية المتشيعة للجنس الآري) كان أكثر جرأة في تبرير الاستعمار و الحرب ، و التي، حسب تقديره ،لا تشكل أي عدوان على حقوق الشعوب التي تتعرض للغزو، وما على الدول الغازية إلا أن تثبت أن في حكمها وسيطرتها صلاح الحال. وبذلك ف "تريتشكه" يبرر الاستعمار الأوروبي بأسلوب واضح، لا يشوبه نفاق، يغلف عادة كتابات غيره من الأوروبيين، الذين أضفوا على الحركة الاستعمارية في القرن 19 طابع الوظيفة الحضارية، التي يقوم بها الرجل الأبيض إزاء الرجل غير الأبيض. وحتى عندما استبدل هذا الأخير بالرجل الأسود، فظل هذا الأخير في علاقة التبعية الثقافية والمالية والتقنية إزاء الرجل الأبيض، وتحت وصايته. وحسب تعبير أحد الزعماء الأفارقة (جاءنا الرجل الأبيض ...علمنا الكتاب المقدس واستولى هو على الأرض). و إن ما فعله الرجل الأبيض الرأسمالي من مسح كامل لهوية السكان الأصليين في أمريكا (الهنود) وإفريقيا (الزنوج) ليشكل مثالا صارخا بذلك، وتعمل الصهيونية على بعثه وتكريسه. وما هو جدير بالذكر في هذا المجال هو أن فرنسا، بلد الأنوار، الحاملة لمشعل الثورة وحقوق الانسان، لم تتردد في عهد الراحل "جاك شيراك" في إصدار قانون 23 فبراير 2005 الذي يمجد الاستعمار، ويبرز دوره الإيجابي في المستعمرات.

  1. التموقف من ديمقراطية الغرب: التكفير والتشكيك

توجس الإسلام الأصولي من الديمقراطية: لا يتعلق الأمر هنا بتلك المحاولات أو القراءات التي عملت على المزج بين الإسلام والشورى، أو تلك التي تحمست لآلياتها كالانتخاب ، أو التي قبلتها قبولا اضطراريا.. بل الأمر يهم بعض الحركات الإسلامية الأصولية، التي نبذت كل ما هو غير إسلامي. بما فيها الديمقراطية ذاتها، التي رفضتها، وأكدت على عدم صحة اعتناق المسلم للديمقراطية والعمل بها ، فحسبها أن انتشار الفكر الديمقراطي في الوطن العربي كان أحد أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي. و بالتالي فإن محاربة هذا الغزو الفكري هو مقاومة للديمقراطية ذاتها، فالديمقراطية "تقتل بالسم في الدسم أو بخيوط من حرير".

اعتبرت بعض الجماعات الماركسية العربية أن النظام الديمقراطي بدعة بورجوازية لتكريس نظام السيطرة الطبقية للبورجوازية. ونتيجة لهذا فإن الديمقراطية هي طبقية؛ تعمل على الاستئثار بالسلطة وبالثروة وامتلاك وسائل الإنتاج. وتكون الديمقراطية بالتالي، كما تكون القوى والطبقات التي تحققها. بل الأدهى من ذلك أن الأطروحة الماركسية لم تسلم بدورها من عقدة التفوق الأوروبي، مبررة هذا التفوق بالحضارة، وواصفة المجتمعات غير الرأسمالية بالبربرية؛ لعدم انسجام طرح التمثيل الطبقي مع تركيبة الدولة في المجتمعات الواقعة خارج الدائرة الجغرافية الأوروبية: فالاختلاف حاصل على مستوى عدم صفاء التمثيل الطبقي، حيث التشابك والتداخل بين المستويات السياسية للدولة، أو تفاوت النمو في التمثيل السياسي للمجتمع، فهناك اختلاف بين القبيلة والعشيرة والطبقة. وتبعا لذلك (وحسب هذا المنظور) تظل أوروبا هي مركز العالم، والباقي هو الأطراف، أوروبا هي المدينة وما تبقى هو الريف، أوروبا هي الصناعة والعمال، وباقي العالم هو الإقطاع، أوروبا هي حقوق المواطن وما تبقى هو الآخر أو " الإنسان".

يبدو مما سبق، ورغم النظرة الحذرة من الديمقراطية الليبرالية ، التي لم ترق إلى حد الإيمان والعقيدة، وفي غياب صفاء نظري خالص وبالتمام والكمال، فإنها لم تعمل على التخلص من عقدة الاستعلاء الغربي . ومع ذلك انبرى " فرانسيس فوكوياما" إلى التبشير باكتساحها العالم، وتفوقها بالتالي على باقي الديمقراطيات الأخرى، مشكلة بذلك نهاية للتاريخ ، بيد أن حقائق الأمور تثبت أن هاته الديمقراطية تظل قاصرة ، وليست بالنموذج - المثال: فالأنظمة السياسية الغربية الديمقراطية (باحتكام نخبتها السياسية إلى صناديق الاقتراع وما تفرزه من مؤسسات ) تطبق الديمقراطية فقط على المستوى الداخلي( و حتى في ظل هذا الهامش يتم التمييز بين اليهود والعرب كما هو الشأن في دولة إسرائيل مثلا)، أما على مستوى سياساتها الخارجية، فتغيب الديمقراطية. والسائد هو استعراض القوة والتنافس على استغلال خيرات بلدان القارات الأخرى: الاستعمار، الوصاية، الحروب، الغازات السامة في حرب الريف من طرف إسبانيا، صنع و "فبركة "الحدود وافتعال الصراعات بين الشعوب والدول المصطنعة، سجن أبو غريب، غوانتانامو...حيث لا ديمقراطية ولا حقوق الانسان، ولا هم يحزنون. وإذ يراد عولمتها وتدويلها من أجل حق يراد به باطل، وبالتالي تبرير التدخل. وصدقت "أحلام مستغانمي عندما قالت: حينما تكون الديمقراطية هبة الاحتلال .. كيف لك أن تتعلم الحُريّة من جلادك؟

 فالديمقراطية ليست فقط نظاما للحكم( و هي أهون شروره )، تختزل في صناديق الاقتراع، بل هي نظام في المجتمع، يجب أن تترسخ في وعي الناس وذهنيتهم ، وتترجم في سلوكهم ، مع ما يستتبع ذلك من توفر شروط موضوعية وتنشئة سياسية؛ لأن في غياب هاته الأخيرة قد تنحرف العملية الاقتراعية بصرف النظر عن مدى نزاهتها، ‘إلى دكتاتورية، أي دكتاتورية الأصابع ،حسب تعبير العميدة سلوى الدغيلي- أو قد تفرز أشخاصا وحكاما يستغلون المواقع من أجل العيش بالسياسة(الارتزاق) وليس من أجل السياسة ،و يفاقم من ذلك الانفصام بين التنمية السياسية(الديمقراطية) والتنمية المندمجة والمستدامة. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فالانتخاب او الاستفتاء قد يفرز نتائج غير متوقعة ومناوئة للتحديث والحداثة، أو لم ينسب إل " مارتن لوثر" قوله:" الديمقراطية ليست استفتاء بالأغلبية، فلو استُفتي الأمريكيون لظل السود عبيدا".

 هكذا هي ديمقراطية الغرب وليبراليته المتوحشة، والتي لن تسمح بالقرار المستقل للدول الثالثة، ولا تعاونها الأفقي (جنوب - جنوب)، وتوجه المغرب الذي يرسم خريطة نموذجه التنموي في هذا الطريق واستقراره ، جر عليه حفيظة ومهاجمة بعض البلدان الاستعمارية في أوروبا التي كشرت عن أنيابها المفترسة.