الجمعة 1 يوليو 2022
سياسة

مقام إمارة المؤمنين في مشهد إشراف مشيخة الأصولية على مسطرة تأهيل الأئمة!

مقام إمارة المؤمنين في مشهد إشراف مشيخة الأصولية على مسطرة تأهيل الأئمة! محمد يسف الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، يتوسط الوزيرين أحمد التوفيق ولفتيت
مع أداء الأئمة لاحتجاج ناضج وراق، أمام البرلمان  بالرباط، في 17ماي2021. ومع التزام السلطات بإيصال مطالبهم لإيجاد حل لها، اختارت وزارة الأوقاف من خلال مصدرها المطلع ل"هسبريس"، أن تعزف لحنا مغايرا، حيث فضلت الخوض في واقع الأرقام المشاركة في هذا الاحتجاج، فحددتها في120 مشاركا، مع نفي الصفة عن بعضهم. كما حددت رأس التوزيع الجغرافي للمشاركين، في جهة الشمال. وهو ما حذا بالأئمة في  إطار رد الفعل ،إلى تحديد تاريخ 14 يونيو 2021 لاحتجاج آخر تتعبأ له وبكثافة كل الجهات .
وسيحملنا منطق المواكبة المسؤولة، لما هو آت، على فحص  عطب ما حصل، من خلال ثلاثة مداخل :
أولا: إن ردة فعل الوزارة غير المطابقة مع منطق المسؤولية، يقتضي التذكير بأن تقدير مكانة القيم الديني، وبعنوان اسم "الفقيه"، هو بالملموس، يحتضنه المجتمع، وتزكيه السلطة والأمن، في لطف تعاملهما مع جند أمير المؤمنين. ومع الأسف فإن هذا التقدير، يقل أو ينعدم مع وزارة الأوقاف والمشيخة الأصولية في المؤسسة العلمية. وما مسطرة تأهيل القيمين الدينيين إلا التجسيد الحي لذلك. وعلى ضوء هذه الحقيقة، سنفحص إقحام  الوزارة للشمال على رأس التوزيع الجغرافي للمحتجين، بالنظر إلى كون المشاركين من الشمال، في تلك الوقفة الاحتجاجية، لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.وهو ما سنطرح بشأنه، ثلاث  فرضيات: 
أ-من الممكن أنه تشابه على الوزارة الأمر، فعممت نسبة المصرحين  للإعلام من الشمال على المشاركين في الاحتجاح. وبهذا تكون إفادتها، تفتقد للمصداقية. وهذا يعطي فكرة عن الارتجال في أداء الوزارة. أو أنها أرادت إسقاط حراك الريف على هذا الاحتجاج للتحريض على الأئمة. 
ب- وقد يكون مرد ذلك، إلى اختبار أسلوب جديد في التعريض بوزارة الداخلية. وسنختبر هذه الفرضية، من مدخل الإشارة في مناسبة سابقة،  إلى سعي وزارة الأوقاف، من خلال العديد من الصيغ، إلى إلقاء المسؤولية على وزارة الداخلية، بشأن بعض الانفلاتات. إذ من غير المستبعد في ظل هذا المسعى، أن يكون إبراز  صدارة جهة الشمال في الاحتجاج، هو استئناف لما سبق، لكن هذه المرة، بأسلوب اللمز والغمز، لأنها كانت تنتظر منع السلطات لهذا الاحتجاح، وهذا ما لم يحصل. فكان لا بد من لمز  وزير الداخلية،لأنه ينتمي للشمال. أو والي الرباط، وقد كان واليا على الشمال. وهو معروف إلى جانب جديته، بتودده  للقيمين الدينيين، حيث استفاضة الحديث، عن تقبيله لرأس الأئمة، في سنة ارتياده للمساجد،  عبادة وتفقدا. فحسب هذه الفرضية فإن الأوقاف، كانت في موقع التعريض بوزارة الداخلية، لرعاية السلطة والأمن لحق الأئمة في ممارسة الاحتجاج السلمي بمطالب مشروعة وبدون أية خلفية سياسية أو إديولوجية. وفي تقدير بعض المتتبعين، فإن القيمين الدينيين، سيجدون، بميثاق خصوصيتهم، كجند لسلطان أمير المؤمنين، في الوالي محمد اليعقوبي، كمسؤول ترابي عن جهة الرباط، لسان صدق في الملأ الأعلى. وأكيد أن هذا سيربك حسابات كل الذين يبغونها عوجا. 
ج- كما يمكن إرجاع شعور أو لاشعور، التنصيص على الشمال، إلى كونه منبع الشاذلية المشيشية، ومستقر "دار الضمانة"، والوفي بنضاله للشرعية والمشروعية. وهذا من شأنه أن  يقض مضاجع الساهرين، على تحويل الشمال إلى إمارة أصولية.
وتبقى وزارة الأوقاف معنية على ضوء هذه الفرضيات، بتقديم روايتها لهذا "الخطأ" في الحساب والتقدير، والتواصل. 
ثانيا: لقد قلنا قبل احتجاج 17 ماي 2021، بأن محطة هذا  الاحتجاج ستكون امتحانا لبلاغة الأئمة في الحفاظ على خصوصيتهم كجند لسلطان أمير المؤمنين على القلوب. وبالفعل سطرت "تنسيقية القيمين الدينيين" ميثاقا أخلاقيا للمشاركين في هذا الاحتجاج، مع البراءة من كل من أخل بالتزامات ما أسمته ب: "قانون المسيرة السلمية". وقد كانت وقفة رائعة بنشيدها الوطني وقراءة القرآن جماعة، والدعاء  لأمير المؤمنين. إلا أنني سأستدرك في مسألة شعارات المطالب، من منطلق فهمي الخاص للبلاغة المفترضة في جند أمير المؤمنين، على بعضها، حيث تم السقوط في نوع من  "الإساءة" إلى كبير الأوقاف. فالوزير التوفيق يكفيه في المرة المقبلة، قراءة اللطيف لتخليصه من "عفريت" الأصولية الذي يسكنه. أما باعتبار مسؤوليته السياسية، وقد  تنكب طريق الجادة، فيجب ترك أمره للنقاش العام، لتخليص  تدبيره للشأن الديني، من أهواء النفس الأمارة بالسوء .
وإلى جانب هذه الملاحظة، يجب الحرص على رمزية احتجاجات القيمين الدينيين. إذ لا يجب أن تحملهم استفزازات وزارة التوفيق، على نزوع استعراض القوة، لأن ذلك سيصادر على مطلوبها. فالبركة قد تحصل، ونحن نتحدث عن فئة تحظى برعاية أمير المؤمنين لحقوقها، من خلال رسائل الإشارة لاغير. أما الحرص على "الإنزال"، فسيكون ذلك مظنة لركوب جهات أصولية على مشروعية الاحتجاج، وعلى عدالة مطلب رفع ضرر مسطرة التأهيل. 
وهذا سيتنافى مع تنصيص ميثاق الاحتجاج،على الالتزام ب"عدم الاستعانة  بأية نقابة أو حزب سياسي أو جمعية أو غيرها". كما أن الترتيبات الأمنية المحضة، في التعاطي مع شحنات  هذا الإنزال قد تقع فيها احتكاكات، غير مرغوب فيها. وعلى من تهمه مصلحة الأئمة في الإنصاف، تفادي هذا المنزلق. فنحن دائما نراهن على حكمة العقلاء، ليكون المغرب في خاتمة المطاف، هو الرابح الأول بإرادة أهله ومؤسساته، في كل الاستحقاقات والنوازل. ولا عبرة من قبل ومن بعد، بالمرجفين في أي موقع كانوا.
ثالثا: بقيت في هذه المواكبة زاوية جديرة بالرصد، لما هو آت. وهي كون  "مطالب " تنسيقية أئمة المساجد في المغرب"، إلى"السيد معالي الوزير المحترم" لم تقف عند إلغاء مسطرة التأهيل، ب"الإبقاء على شهادات التزكية سارية المفعول"، فحسب. بل تعدتها إلى مطالب أخرى. حيث في هذه المطالب ما يقتضي التعجيل، وفيها ما يقتضي التدرج..لكن لم نلحظ فيها، كما في المطالب التي نشرتها "اليوم 24"، و"هوية بريس"، مطلب " إعادة إدماج القيمين الدينيين الذين عزلتهم الوزارة ورد الاعتبار لهم". وهذا يبين نوع المخاض الذي تعرفه صفوف المحتجين، والذي يقتضي تغليب حس المسؤولية. وهذا له مقتضاه، ينبغي أن تلتقطه  وزارة الأوقاف والمجلس العلمي الاعلى. لكن ونحن نتفهم الدواعي الرسمية في عزل بعض الأئمة، وقد جعلوا منبر رسول الله، مسرحا للتسيب في القول بدون ضابط مصلحة الأمة، فإنه يمكن مع ذلك الانتصار لأفق التجاوز والعفو، إن حصل الاقتناع بجدوى عدم الزج بالدين، في مرجل التدافع السياسي. فالمغرب له قدم، نريدها راسخة، في باب الإنصاف والمصالحة، لكن لا بد في ذلك  من الأخذ بالأسباب. 
ويبقى ان نشير بهذا الصدد إلى محميات الوزارة، مما يكرس ازدواجية المقاربة. فمثلا تحولت أكبر معلمة دينية في المغرب إلى منصة للترويج لأسوء معجم أنتجه المشرق في باب عنف الخطاب الأصولي. وأقصد هنا مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء. فالخطيب عمر القزابري يكون لطيفا لما يكون في حضرة الزميل الرمضاني، حيث يهرع محبوه لتكييف هذا اللطف في باب التكتيك الأصولي، لرفع الحرج عنه. وهذا له مغزاه. أما فوق المنبر حيث استراتيجية التمكين، فإنه يعلي  لواء  التطرف الديني الأصولي في المغرب، بكل فظاظة، فضلا عن المخالفات المذهبية في الصلاة. فإذا كان هذا حال أكبر مسجد في البلاد برمزيته، لا يترجم نموذج التدين المغربي، لا في قراءة القرآن الكريم، ولا في الأدبيات المذهبية، ولا في سماحة المشرب الصوفي كسمت للمغاربة، فماذا ينتظر في باقي المساجد؟ لهذا على وزارة الأوقاف إرجاع جميع القيمين الدينيين الذين حرروا مراجعات.
أما بعد، فإن سياق إشراف المجلس العلمي الأعلى على مسطرة تأهيل الأئمة، وبتخطيط وزير الأوقاف، يضع مقام صاحب الأمر، أمام المشهد التالي: من جانب، هو محاصر من مشيخة الأصولية، وقد رفعتها كتابات التنظير لها إلى مقام الولاية العامة على حقلي المُلك والإمارة ، حيث يشغل الحزام الأول فيها، أصحاب التهريب، الوهابي- الإخواني، العابر للقارات. وفي الحزام الثاني، المتردية والنطيحة، على هوى سحرتهم.. أما في الحزام الثالث، فهناك لون باهت من ألوان المغرب للزخرفة والتزيين. ومن جانب آخر ، هناك مخطط عزله عن جند سلطانه، بالتحكم الأصولي في مصيرهم وبلقنة صفهم، بالرغم من كونه الراعي لحقوقهم. وهذه محاولة تنضاف لمحاولة سابقة لتجريده من صلاحيات تعيين أعضاء المجالس العلمية.. ومع قتامة ملامح هذا المشهد الرهيب، نحدس جواب الثقة في نخوة الاقتدار المغربي :"وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"! .